islamaumaroc

العبرة من عيد العرش

  دعوة الحق

34 العدد

العرش كان ولا يزال سندا للشعب، اكتسب نفوذه الروحي في المغرب عبر قرون وأجيال بصفة إمامة إسلامية، ترعى العقيدة وتحمي الشريعة فتدين لصاحبها الجماعة بحسن الولاء والطاعة، فتوحدت به الميول والنزعات، فكان عنوان توحيد الكلمة، والقطب الذي التفت حوله الأمة، ورمز كفاحها وسر نجاحها، وقد كانت الميول الوطنية التي اختارت أن تجعل للعرش عيدا قوميا توحد به كفاح الشعب مع العرش بتوطيد دعائمه ونفوذه لمصلحة الشعب وضد الاستعمار الذي أراد أن يستغل نفوذ العرش للقضاء على الأماني القومية، نقول كانت الميول الوطنية التي اختارت هذا السبيل موفقة غاية التوفيق، فلم تضع هذه الثقة الاجتماعية سدى بل صادفت محل القيادة والزعامة والبطولة والوفاء والإمامة، ذلك المحل الذي هيأته الأقدار الإلهية لقيادة هذه الأمة وإنقاذها من ذل الاستعمار والاستعباد هو محمد الخامس أبو النهضة، وبطل تحرير المغرب الموفق في قيادته وزعامته وإمامته الذي ضرب بنفسه المثل، وحقق بسعيه مع الشعب الأمل، وأخذ يبني صرح المغرب المستقل بالقول والعمل، والحقيقة أن كفاح العرش مع الشعب كان نتيجة ارتفاع المستوى الروحي الذي عمل الإسلام على تمكينه في هذه الأمة منذ قرون، ذلك المستوى الذي يعتمد قبل كل شيء الإيمان والإخلاص في إيثار المصلحة العليا على مصالح الأفراد، وتلك هي الميزة التي ساد بها الإسلام ولا زالت سر قوته إلى اليوم.
فقد جاء الإسلام بمقاييس جديدة لم تعرفها البشرية منذ أمد بعيد، جاء بقوة ترفع من شأن الروح، وتعمل على تزكية النفوس وتطهيرها من عبادة العادة والهيام بها، وهذه القوة هي عقيدة الإيمان، فكان الإيمان بالله كالغيث نزل على النفوس فأحياها فأورقت وأزهرت وأتت أكلها ثمرا شهيا، وعملا رضيا، جعل هذا الإيمان من الأمة العربية التي كانت موزعة الأهواء بالنزعات القبلية والشرك والوثنية، والحياة الجاهلية، جعل منها الإيمان خير أمر أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن بالله وكان ذلك برفع المستوى الروحي للأمة فالدنيا في نظر الإسلام إنما هي بلاغ. فقد كان الرسول يخشى على أمته الفتنة في مكاسب الدنيا دون خشية الفقر مع يقينه إن الدنيا ستفتح عليهم، كما قال عليه السلام والله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم فتنافسوها كما تنافسوها فتلهيكم كما ألهتهم. فكان هم المسلمين أنها هو في توحيد الله وعبادته وجعل كلمة الله هي العليا. وعظمة المومن بإيمانه تزداد بزيادته وتنقص بنقصانه وقوته كذلك فالإيمان يتفاوت بالزيادة والنقصان حتى يوزن الرجل بعشرة من أمثاله وبأضعاف ذلك حسب قوته، وتظهر قوة هذا الإيمان في وقت الشدة والبلاء أكثر مما تظهر في وقت السراء والرخاء، فآية أن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مأتين ترينا ما تفعله قوة الإيمان في النفوس من رفع مستواها ومعنوياتها إلى أرقى الدرجات وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين، ومعنويات الجيوش المحاربة لها وزن عظيم في الوقت الحاضر في كسب المعارك أو خسرانها كما كان لها ذلك في الماضي.
ويقيم المغاربة في هذه الأيام أفراحا بمناسبة ذكرى الاستقلال وعيد العرش المغربي العتيد الذي أشرنا إليه، وأولى ما ينبغي لفت النظر إليه في هذا العيد الأغر هو العزائم التي عملت وثابرت على العمل حتى أدركت هذا الاستقلال، إن هذه العزائم هي القوة الحية في الشعب التي ارتفع مستواها الروحي إلى حد استرخاص النفوس وبذلها بالتضحية والفداء من أجل إدراك هذه الغاية حتى أدركتها، والمساعدة بالمال ومواساة المنكوبين في الكفاح هي دون بذل الأرواح، وإننا نسأل الذين يهيمون في هذا الشعب بخصوص رفع المستوى المادي ويرددونه في كل حين كأنه السعادة الكبرى التي يحلم بها الفلاسفة والمثاليون، نسائل هؤلاء هل فكر الذين أحرزوا على هذا الاستقلال في الإمكانيات المادية التي توسلوا بها إلى إدراكه وقاسوها ووزنوها بما كان عند المحتلين للمغرب من جنود ومدافع، وطائرات ودبابات، وحصون ومعاقل، وسلطة وأموال، أظن أننا لو قسنا إمكانياتنا المادية بإمكانيات أعدائنا وعملنا على مقتضى وجوب التكافؤ في المعدات لما أقدمنا على خوض معركة الاستقلال ولا كسبناها، ولكنا اعتمدنا على الله وعلى إيماننا وإخلاصنا لقضية نراها من حقنا، واعتمدنا على عزيمتنا، فارتفع مستوانا المعنوي في هذا الشأن، فأدركنا النصر، وكسبنا المعركة. والعبرة في هذا هو أننا نريد أن نعمل على إحياء هذه الخصال المعنوية في نفوس الشعب حتى يحافظ على القيم الروحية التي هي عدته في الشدائد، والتي يحافظ بها على هيبته ومكانته في التاريخ وبين الأعداء الذين يتربصون به الدوائر، وما انتصرالمسلمون في فتوحاتهم إلا بعزائم الإيمان ودون  التكافؤ في المعدات والجيوش،روى مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم: كتب أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر بن الخطاب يذكر له جموعا من الروم وما يتخوف منهم، فكتب إليه عمر بن الخطاب أما بعد فإنه مهما ينزل بعبد مومن من منزل شدة يجعل الله بعده فرجا وإنه لن يغلب عسر بسرين وإن الله تعالى يقول في كتابه: «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون» فأوصى عمر سعدا بالصبر ومصابرة العدو والرباط والتقوى شدا لعزيمته وتقوية لمعنوياته وروحه حتى يقابل العدو برباطة جأش ووثوق بالنصر، وكان الاستشهاد في سبيل الله وإعلاء كلمته أمنية القواد الأبطال في الفتوحات لأن المومنين الصادقين باعوا أنفسهم من الله ومن تتبع تاريخ هؤلاء العظماء علم أنهم سباقون لا يلحقون في ارتفاع مستواهم الروحي وكما كان هذا المستوى عنصرا فعالا في ظفر هؤلاء في الميدان الحربي كذلك كان عاملا هاما في شدة رغبتهم في نشر الدعوة وتعليم المسلمين أمر دينهم ابتغاء وجه الله وإخلاصا للإسلام وأداء للأمانة العلمية التي تحملوها، حتى يتخلصوا من وعيد كتمان العلم الذي تواترت به الأحاديث وأفصحت عنه الآيات وبذلك نعلم أن انخفاض المستوى الروحي في المجتمع الإسلامي على العموم يتحمل منه العلماء الذين لم يؤدوا مهمتهم في تعليم المسلمين وإرشادهم قسطا وافرا من المسؤولية حيث صاروا يكتفون بالتأسف والشكوى على شيوع المناكر وانحلال الأخلاق ومظاهر التنكر للقيم الروحية دون أن يقوموا بما يفرضه عليهم الدين من تعريف به ونصح وإرشاد لعامة المسلمين، وإن يكونوا هم القدوة الحسنة بحسن سمتهم واستقامة سلوكهم، وإن كثيرا من جماعات المسلمين تطلب من يهديها ويرشدها، ولكنها لا تجد ممن يسمون أنفسهم بالعلماء إلا الأذن الصماء وإذا ظهرت من عالم بادرة نصح وإرشاد فإن القليل من هؤلاء هم المخلصون والكثير يرغب في الكسب من وراء عمله غافلا عن خطاب الله لنبيه بقوله: «قل ما أسألك عليه من أجر» وعن قوله «أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين»، إن النصيحة في الدين أيها العلماء تتطلب بذل جهود متواصلة لتدارك الحال التي فرطتم فيها أنتم قبل كل واحد، إن الإسلام عاد غريبا في ديارنا وهو يحتضر بمحضركم وأنتم لا تبذلون جهودا لإنقاذه وإحيائه إنه قد احتضر في الأندلس ورحل عنها لما كثر الفساد والانحلال وسيرتحل عن هذه الديار –لا قدر الله- إن لم تقوموا بالدعوة والإرشاد وترفعوا من مستواكم الروحي حتى تؤدوا المهمة واذكروا قول الله لرسوله المربي العظيم للأ/ة عليه السلام «واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا» ونختم هذه الكلمة بدعاء القرءان «ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا».

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here