islamaumaroc

عيد الشباب عيد الفتوة والوفاء ورفع الهمم

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

إن المغاربة جميعا يشعرون – وهم يستقبلون عيد الشباب – بنوع من الاطمئنان إلى هذه المناسبة التي تجعلهم يعيشون في أحضان الحماس والتوعية والتخطيط، وتدفعهم إلى التفكير الجدي في كيفية الاستفادة من طاقة تملكها الدولة وترعاها رعاية تعود بالخير على البلاد والعباد.
إن عيد الشباب يمثل التطلع إلى الأمام، ويرمز إلى القوة المتحركة إلى تحقيق المخططات وإنجازها في صورة بناءة ترفع من مستوى البلاد في شتى الميادين.
إنه مناسبة تهيب بنا جميعا أن نضع قوة الشباب في وضعها العادي، سواء داخل الإطار الاجتماعي لنستطيع أن نسير بالأمة في خط مستقيم هادف إلى الخير والإصلاح، أو داخل الإطار الدولي لنسهم في توجيه العالم توجيها يعيد الكرامة الإنسانية قيمتها، ويحيي أمام الرأي العام صورة من ماضينا الزاهر الحافل بالمثل العليا المليء بالمفاخر والمآثر. وبذلك نعيد لشبابنا دوره في تكوين الحضارة البشرية العامة.
إن التفكير في التطور سمة من سمات الإنسان منذ الأزل، وهذا التطور لا يحققه إلا الذين يعملون على ربط الماضي بالحاضر أملا في خلق مستقبل سعيد تنعم فيه البشرية بالإخاء والمحبة والتعاون.
وهذا الإسهام في خلق المستقبل الزاهر ليس رهين الصدفة، ولا خاضعا لمقياس تستأثر به الدول الكبرى، بل هو أمر مشاع بين الناس على اختلاف طبقاتهم، واختلاف أجنساهم، إنما مرجعه إلى الاستعداد الذاتي من قبل أفراد يؤمنون بدورهم في الحياة، ويعرفون قيمتهم في الوجود.
ونحن المغاربة قد اشتهرنا في التاريخ بهذا الاستعداد، وهذا الإيمان،  ومازلنا إلى الآن قادرين على تزويد البشرية بالعقول الخصبة، وبالأعمال البناءة، وبالمشاريع المجدية، وبوضع الفلسفات الواضحة القادرة على إنجاح المخططات وتيسير أسباب الرخاء لنا وللعالم كله.
وتتجلى هذه القوة المعطاء في شبابنا الحازم المتطلع للمعرفة والعلم، الراغب في التقدم، المتشوق إلى إحياء المجد، وبعث الحضارة، المعتز بهذا العيد الذي هو في الحقيقة رمز وطني يحمل في طياته معاني سامية تجسد كفاح المغرب من أجل استرجاع استقلاله، وتبرز ازدواجية هذا الكفاح الذي خاضه الشعب من جهة، وخاصة الملك محمد الخامس تغمده الله برحمته، وبمعيته ولي عهده المولى الحسن، وسائر أفراد الأسرة الملكية من جهة أخرى، فقد آثر رحمه الله المقاومة على الاستسلام، وأشعر العالم أجمع بأن الأمانة يجب أن تصان، وأن المسؤولية تحتاج إلى رعاية كافية، وأن الحق الذي يدافع عنه أهله لا يضيع أبدا.
وكان يجد في المولى الحسن السند القوي، والشاب الشجاع الذي يبارك أعمال والده، فهو الذي يصاحبه في المنفى، وواساه في الأزمات، ودافع عن القضية المغربية بجد، واستطاع بما أودعه الله من قوة البيان، ومن القدرة على الإقناع أن يؤثر في كثير من ذوي الأريحية في العالم فتبنوا المشكلة المغربية، وأظهروا سوء ما قامت به الحكومة الفرنسية آنذاك، وأيدوا المقاومة المغربية التي انتشرت في كل مكان، ووجد الفرنسيون أنه لا حل للأزمة إلا بإضفاء الشرعية على الوجود المغربي، وذلك بإرجاع محمد الخامس إلى عرشه، وبالاستجابة إلى المطالب المغربية التي ترى ضرورة إلغاء معاهدة الحماية، والتفكير في ربط العلاقات السياسية مع فرنسا على أسس جديدة تحترم فيها المصالح المغربية.
وبالفعل فقد نجحت المقاومة وأعيد محمد الخامس إلى عرشه عزيزا مظفرا، ووجد في  ولي عهده الشاب الواعي المثقف الذي عجمت الأيام عوده فوجدته صلبا لا ينكسر، وخبرته الحوادث فوجدته صبورا لا ينزعج، فارتأى أن يستعين برأيه، وأن يستأنس بتوجيهاته، فقد خبره أيام المحنة فكان محتملا، وشاركه في تطلعات المستقبل فكان متفائلا، ورآه أهل لتحمل المسؤولية، فكلفه رئاسة أركان الجيش المغربي باعتباره شخصا محبوبا لدى جميع الهيآت العسكرية على اختلاف مصادرها آنذاك.
ولم يكتف محمد الخامس بالتقدير الذاتي لولده، بل أراد أن يعلن لجميع أفراد الشعب وللعالم أجمع أن ولي العهد أهل لتحمل كل المسؤوليات، نظرا لكفاءته وحزمه وثقافته، وأنه تأهل لأن يكون رمزا يقتدى بسلوكه فقرر أن يجعل من مناسبة عيد ميلاده عيدا وطينا يحتفل به المغرب كل سنة في اليوم التاسع من يوليوز، وأقيم أول حفل لذلك سنة 1956، وهي السنة التي نعم فيها المغرب بالإستقلال، وقد أشار الأستاذ عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة في الكتاب الذي خصه لسيرة المولى الحسن إلى هذا الحفل، وقال أثناء ذكره ما يأتي : (1)
"ووجه جلالة الملك محمد الخامس على أمواج الأثير خطابا إلى ولي عهده أطرى فيه جده ومثابرته وتفانيه في العمل لخير شعبه ووطنه، وأسدى إليه كثيرا من النصائح الصادرة عن قلب ينطوي على حب عميق له، ويقدر المسؤولية الكبرى التي يعده لحملها، وذكره بالجهود التي بذلها لتربيته وتعلميه وتكوينه التكوين المثالي، واعترف له بالنجاح والتوفيق في جميع مراحل حياته، وأنه وجد فيه خلال جميع الأزمات التي مرت عليه المشجع المعين، والأنيس الأمين، وأوصاه أن يزيد من العلم والثقافة ودراسة الناس، والتعرف على الشخصيات، وأعلن في النهاية أن هديته له بمناسبة ذكرى مولده هو سابغ الرضى وصالح الدعاء".
إن هذه الفقرات التي جاءت في خطاب جلالة الملك محمد الخامس رحمه الله لجديرة بأن تذكر كلما حل هذا العيد، نظرا لما تحتوي عليه من توجيهات سديدة، ولما فيها من التذكير بجهاد المغاربة من أجل الاستقلال، وبما كابده العرش من أجل الحفاظ على الكيان المغربي، وعلى وحدته واسترجاع مجده.
إن الاستقلال الذي ننعم به الآن، لم يكن هبة منحتها الدولة المستعمرة للمغرب، وإما كان وليد كفاح متواصل، ونتيجة ومقاومة صادقة، وثمرة صبر وجلد وتضحية، وأن المحافظة عليه تقتضي التحلي بنفس الصفات التي بذلت من أجله، وكذلك الشأن بالنسبة إلى العمل من أجل استكمال الاستقلال الاقتصادي.
ولله در الشاعر الذي يقول :
لا تيأسن وإن طالت مطالبة
إذا استعنت بصبر أن ترى فرجا
أخلق بذي الصبر أن يحظى بحاجته
ومدمن القرع للأبواب أن يلجـا
وقيمة هذين البيتين تتجلى في كون الصبر المطلوب هو الصبر الإيجابي الذي يكون مصحوبا بالعمل والأمل، لا الصبر السلبي الذي يؤدي إلى الاستسلام والرضوخ.
وعليه، فإن الاحتفال بهذا العيد مناسبة وطنية تجعل الشباب شاعرين بمسؤولياتهم، عالمين بما ينبغي أن يقوموا به من أعمال، مسرعين إلى تنفيذ كل ما من شأنه أن يرفع من قيمة الوطن، سواء بالنسبة إلى الوضع الداخلي، أو إلى الوضع الدولي.
إن هذه المناسبة تطلب منا جميعا أن نجعلها سبيلا إلى دراسة موضوعية تحدد مسؤولية الشباب في العمل الوطني، وتبين لنا الوسائل التي تمكننا من تحقيق هذه المسؤولية إذ من المعلوم أن مسؤولية الشباب تعتمد أولا وقبل كل شيء على الاستعداد الطبيعي، الذي تزخر به القوة العقلية والنفسية والعضلية عند الكثير منهم، وأن هذا الاستعداد ينبغي لهم أن يوجهوه توجيها إيجابيا، وأن ينموه تنمية مستقيمة، تجعلهم يتصرفون فيه تصرفا يساعد على النماء والازدهار. ولا شك أنهم بما منحوا من ذكاء وقوة يستطيعون التمييز بين ما هو نافع، وبين ما هو ضار، وعلى أساس هذا التمييز يستطيعون أن يوجهوا الري العام، وأن يعملوا على تطوير الفكر تطورا يوجه البشرية إلى الخير والرشاد، بل يستطيعون بما منحوه من قوة أن يساهموا في وضع البرامج التربوية والاقتصادية التي يرون صلاحيتها لبناء جهاز حضاري مكتمل، وأن يستعينوا في ذلك بخيرة من سبقهم، وأن يوازنوا بين حاجياتهم وحاجيات غيرهم، وأن يقارنوا بين إمكانياتهم وطموحاتهم، ليكونوا عمليين في إنجاز المخططات، وأن يتجندوا عن طواعية للتعبئة من  أجل بناء غد أفضل، وأن يسعوا إلى توعية الناس بسلوكهم لا بأقوالهم.
إن دور الشباب في التوعية دور رئيسي، ونحن إذا ما قارنا بين طبقات المجتمع، فسنجد أن فترة الشباب تمثل الفتوة والقوة والقدرة على المواجهة والصمود، وهم إذا كانوا قادرين على أن يقوموا بما أسند إليهم من أعمال، وإذا كانوا قادرين على التفكير الذاتي، وعلى الإيحاء إلى الغير بالعمل النافع، فهم أيضا في حاجة إلى من يرشدهم ويخطط لهم، مع مراعاة استعداداهم النفسي.
إن الشباب يريدون استيعاب ما يقدم لهم، لكن على أساس منهجية لا تمحق شخصيتهم ولا تفنيها، ولهذا نقول :
إن على المكلفين بتوعية الشباب وبتربيتهم أن يتزودوا بدراسة عميقة في علم النفس وعلم الاجتماع ليواجهوا الشباب مواجهة تعتمد على الإقناع بالتي هي أحسن، وإنهم إن شاء الله لناجحون.
وزيادة على ذلك، فإن إعداد الشباب للحياة، يجب أن توضع لها مناهج قبل عهد الشباب، الشيء الذي يدفع الهيآت التربوية إلى التفكير في وضع مخطط دقيق منذ أيام الطفولة لينمو مع نمو الطفل، ويتدرج تدرجه، حتى إذا شب لم تكن في نفسه عقد دفينة تنفجر أثناء شبابه، فيصبح بسبب ذلك قوة ناسفة مضرة.
ولهذا نرى أن للتربية الأولى أثرا في تكوين طبيعة الشباب في البلاد، وينبغي أن تكون هناك مخططات واضحة على أساسها نربي الشباب الذي نريد، وفق منظور تربوي قائم على أساس التفتح على المستقبل من غير انغلاق على الماضي، وذلك ما يهدف إليه صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، ويدعو إليه في كثير من خطبه، لأننا بهذا المنظور سنجعل من شبابنا قوة تدفع البلد إلى الخير والفضيلة والازدهار، لا إلى الشر والرذيلة والانهيار.
وتلك خطة إذا حققناها حققنا معها لبلادنا الرفاهية والأمن والاستقرار.


1 – الحسن الثاني حياته وجهاده ومنجزاته ص :185 المطبعة الملكية بالرباط 1969.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here