islamaumaroc

الشباب… أمل الحاضر…وعدة المستقبل.

  إسماعيل الخطيب

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

ملاحظة جديرة بالتأمل، أحببت أن أبدأ بها هذه الكلمة، وهي أن الذين عملوا لتحرير المغرب من ربق الاستعمار لم ينتظروا الكهولة أو الشيخوخة للانطلاق نحو هدفهم، بل انطلقوا يقارعون المستعمر، ويذكون في الشعب روح التضحية وهم شباب، بل في أوائل سنوات الشباب.
ولا يمكن لأية عملية بناء أن تنطلق من خواء، فأولئك الشباب الذين تركوا اللهو واللعب وآثروا حياة الكد والتعب لم يفعلوا ذلك إلا بعد أن امتلأت عقولهم وقلوبهم بتصورات أفكار تلقوها عن فهم ووعي، واعتنقوها عن عقيدة واقتناع.
ومعنى ذلك : أنهم لم ينشأوا في فراغ، ولم يعيشوا في فراغ، بل نشأوا في بيئة واعية، فهمت أن الإيمان "ما وقر في القلب وصدقه العمل"، وأن "الحياة عقيدة وجهاد"، ففهموا حقيقة الدور المنوط بهم، والتزموا القيام به.
وهم لم يصلوا إلى هذا المستوى من الوعي إلا بعد أن مروا بمرحلة تعليمية أهلتهم لذلك، ولم تؤهلهم هذا التأهيل إلا لأنها ركزت على هدفين :
-  هدف ديني : يسعى إلا إعداد الفرد ليكون مؤمنا صالحا، يؤمن بالإسلام عن وعي وفكر.
-  وهدف اجتماعي : يرمي إلى تربية المواطن تربية تؤهله لخدمة مجتمعه باحترام الحقوق والقيام بالواجبات.
ولقد تربى ذاك لجيل من الرواد تربية إيمانية مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله، وبذلك عرفوا معنى الحياة، وفهموا العلاقة الحقيقية للإنسان بالكون بصفة عامة والوطن بصفة خاصة. واستطاعوا أن يحموا أنفسهم من كل المغريات، وأن يضعوا نصب أعينهم هدفا واحدا هو إخراج الأجنبي واستعادة الحرية والوحدة.
هذا الجيل الرائد من شباب المغرب ينبغي أن يكون مثالا لشباب اليوم، فالشباب دائما بحاجة إلى القدوة الصالحة التي يسير على هداها ويترسم خطاها، وشباب المغرب اليوم نشأ في عهد الاستقلال، وقد أصبح العهد الاستعماري بالنسبة له تاريخا يقرأ في المصنفات أو حديثا يسمعه من أولئك الذي عاشوا مرحلة الاحتلال، والعاقل من استفاد من تجارب غيره، وأخذ الحكمة من أهلها، وأولئك الرواد – وهذا من حسن حظ شباب المغرب اليوم – دونوا أعمالهم وكتبوا مذكراتهم التي تذكر شباب اليوم بتلك المراحل الحرجة من تاريخ المغرب، حيث عمل المستعمر عندما وطئت أقدامه أرض المغرب على محاولة مسخ الهوية المغربية، لكنهم وقفوا في وجه كل تحريف وتبديل، فحافظوا بذلك على شخصية المغرب.
ونحن اليوم لا نستطيع أن نغمض أعيننا عن واقع الشباب المعاصر، ولا عن مشكلاته التي لم يعرفها الجيل السابق، فالظروف والأوضاع تتغير، ولا بد من مواكبة العملية التوجيهية للمشاكل المستجدة، والعالم اليوم أصبح كبيت واحد تتشابه – إلى حد كبير – مشاكل شبابه، وعالمنا الإسلامي تبرز فيه ظاهر تنامي عنصر الشباب الذي يعيش أزمة توجيه فكري وثقافي، ويعاني من تأثر فكره بمختلف الأفكار والتيارات التي تعصف بشباب العالم.
وإذا كانت أمة الإسلام هي الأمة التي أنيطت بها أمانة القيادة لتكون شاهدة على الناس :"وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا" فإنها هي التي تقدم الأسوة والأنموذج للبشرية، وبالتالي فهي المرشحة لأن تقدم الحل لمشاكل الشباب وتخرجه من دوامة الحيرة والاضطراب والقلق.
وإن الفراغ لهو أكبر مشكل يعترض الشباب، والفراغ الروحي هو أخطر فراغ يواجه الشباب، وما تشهده كثير من البلاد من انحراف عند الشباب إنما هو نتيجة حتمية لهذا الفراغ الروحي.
لذلك عمل الإسلام على ملء هذا الفراغ، وذلك بتنشئة الطفل على الفطرة، والأخذ بيده ليظل مرتبطا بها، وذلك بتدريبه على السلوك الإسلامي، وحثه على العبادة، وفي مقدمتها الصلاة، وتحفيظه القرآن أو ما تيسر منه وتلقينه مبادئ الإسلام، حتى ينمو نموا روحيا سليما ليصل بعد ذلك إلى مرحلة الشباب وقد فهم معنى الحياة، وعرف دوره المطلوب منه.
وفي البيت – الذي هو المؤسسة التربوية الأولى – تتكون المعالم الأساسي لشخصية الطفل، ولذلك ركز الإسلام على التربية البيئية، واعتبر الرسول عليه الصلاة والسلام البيت هو المسؤول الأول عن التربية: "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه".
لذلك، كان على العاملين لإصلاح الشباب أن يولوا كبير الاهتمام للعمل على توفير التربية الإسلامية في البيت، ثم بعد ذلك يأتي دور المؤسسات التعليمية التي ينبغي أن تقدم الإسلام للشباب لا كمعلومات، بل كعقيدة عملية لها كل التأثير على النفس والوجدان والضمير والسلوك.
وللمسجد دور كبير في هذا المضمار فالمسجد مؤسسة إسلامية متكاملة، ولقد فهم سلفنا هذه المهمة المناطة بالمساجد، فجعلوا منها مراكز للتربية والتعليم، حيث تعقد حلقات الدرس، كما أسسوا بها المكاتب العامة، لتصبح نوادي فكرية للشباب، فالشباب لا يأتي للمسجد لأداء الصلاة فقط، بل يأتي أيضا لتلقي العلم والثقافة، مع ما يتبع ذلك من تمكين عرى المودة بين الشباب لينشأوا إخوة متآلفين.
والشباب بحاجة إلى الترويح عن النفس – وهو حاجة أساسية – غير أن البعض، بسبب التأثير الغربي، فهم أن الترويح عبارة عن نوادي ليلية، مما تشتمل عليه من شراب وموسيقى صاخبة، دخان وغيره، بينما نجد أن هذا الغرب نفسه لم يقصر الترويح على هذا الجانب فقط، بل اعتنى بجوانب أخرى كمختلف أنواع الرياضات البدينة والفكرية، والإسلام اهتم بهذا الجانب عندما حض على تعليم الفروسية والسباحة والرمي :"كل شيء ليس من ذكر لله فهو لهو وسهو إلا أربع خصال : مشي الرجل بين الغرضين، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، وتعليمه السباحة" (رواه الطبراني بإسناد جيد).
تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى :"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة" ثم قال :"ألا إن القوة الرمي – ثلاثا". (رواه مسلم)
فالرياضات بأنواعها تحقق الترويح والفائدة للعقل والجسم، وتعطي النتيجة منها وهي أن يكون المؤمن قويا، وإذا كان الشباب بحاجة إلى هواية فإن الرياضة البدينة – بمختلف أنواعها – الملتزمة بالانضباط السلوكي تحقق له الطاقة العضلية والطاقة الروحية.
إن الاهتمام بالشباب وتوجيهه التوجيه الصحيح، فكر كل المصلحين على امتداد التاريخ الإنساني، ذلك أن الشباب في كل أمة هم ثروتها وعدة مستقبلها.
ولقد وجدنا في دراستنا لتاريخ الإسلام أن الشباب كان لهم دور حافل وتاريخ مشرق سواء عند قيام دعوة الإسلام، أو عند بناء المدينة والحضارة الإسلامية، أو عند عملية المواجهة والتصدي لأعداء الإسلام.
لقد كانت دائما الحاجة ملحة إلى الشباب الذي يبني ويشيد بطاقته الفكرية والجسمية، وستبقى الأمم دائما تعتمد على شبابها لتصنع حاضرها، وتنظر بأمل إلى مستقبلها. وستبقى سيرة أولئك الرواد من الشباب نبراسا ينير السبيل أمام الأجيال اللاحقة من شباب هذه الأرض الطيبة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here