islamaumaroc

صورة اعتناء المولى الحسن الأول بالشباب

  إدريس العلوي البلغيثي

العدد 311 محرم-صفر 1416/ يونيو-يوليوز 1995

تهل يوم تاسع يوليوز من كل سنة ذكرى عزيزة على الأمة المغربية الأبية، هي من أعز الذكريات الوطنية وأجلها، تعم فيها البشرى ويحق الهناء، إنه ذكرى ميلاد العاهل المفدى جلالة الملك الحسن الثاني أمد الله في عمره وأيده بنصره المبين.
حسب هذه الذكرى محمدة ومفخرة أنها عيد الشباب، ورمز للآمال الطوال التي تتطلع إليها الأمة بكل شغف، وتسعى إلى تحقيقها وتخليدها بكل عزم وإخلاص.
وقد دأبت الأمة المغربية وواظبت على الاحتفال بهذا العيد السعيد، مجددة كعادتها كساء الشباب لهذا الوطن العزيز، ليظل في عنفوانه قويا صلب العود، لا تنال منه عوادي الدهر، متحديا جميع العقبات التي تعترض سبيله، رافعا لواء النصر والظفر، معتصما بحبل الله، ومتصفا بالهمة والعزة.
فطوبى لوطن عمده الشباب يحظون برعاية مليكهم واعتنائه بشؤونهم العامة، وطوبى لشبابه متفانين في حب وطنهم، مخلصين في خدمته، حريصين على قيمه الروحية، ومثله العليا ومبادئه السامية، ذائدين عن حوزته، محافظين على تراثه وحضارته، معتنين بتاريخه المجيد، طموحين إلى الرفعة والسناء، تواقين إلى الفضائل والمكارم.
ويشهد التاريخ أن ملوك المغرب العظام أولوا الشباب رعاية كبيرة واعتناء جما، واعتمدوا عليهم في إرساء دعائم الدولة، وتسيير دفة حكمها، وبناء صرحها الحضاري.
ويحضرني في هذا المقام الجليل جد الملك، الحس الثاني نصره الله السلطان الهمام  المولى الحسن الأول – جزاه الله الجزاء الأوفى – الذي واصل السير على نهج سلفه الصالح في الاعتناء بالشباب، وإعدادهم جيدا لتحمل المسؤولية في مختلف مجالات الحياة، وبذل من أجل ذلك جهودا كبيرة أسفرت عن تحيق البغية، والبلوغ إلى الأمل المنشود، وهو الرقي بالمغرب إلى الدرجة الرفيعة التي تؤهله للوقوف في مصاف الدول الكبرى.
ويمكن حصر هذه الجهود الموفقة في القيام بصلاح نظام التعليم، وتوجيه اهتمام الشباب إلى تحصيل العلوم الدينية والرياضية والهندسية، والآداب، وسائر الفنون، وتشجيعهم على ذلك ماديا  ومعنويا، وحض العلماء على مثابرة البحث العلمي والتأليف، وبوأهم المكانة اللائقة بهم في المجتمع "فرفع بهذا العمل المفيد للعلم راية، وأفاد المعارف خدمة جليلة". (1)
وتوج هذا العمل الجليل بإرسال البعثات الطلابية إلى مختلف الدول الأوربية لتحصيل العلوم التجريبية، واكتساب مزيد من الخبرات في الأساليب العسكرية، والوسائل التقنية الحديثة.
وكان يتتبع، عن كثب، وباهتمام كبير، عملية الإعداد للشبان الذين تم اختيارهم للتوجه إلى أوربا للدراسة والتحصيل، ويتجلى ذلك في الرسائل التي كان يبعث بها – بانتظام – إلى بعض المسؤولين في الدولة من مساعديه، كالرسائل التي أرسلها إلى باشا طنجة الجيلاني ابن حمو، والمؤرخة في 25 رجب عام 1292، ونصها بعد التقديم : (2)
" فقد وجهنا صحبته خمسة عشر من نجباء الطلبة بقصد التوجه لبر النصارى (3) لتعلم "تطبجت" (4) والهندسة، وغير ذلك من أمور الحرب، بعد تعلم الكتابة واللسان (5) بطنجة، ليسهل عليهم مباشرة التعلم ببر النصارى، وأمرنا خديمنا الطالب محمد بركاش (6) بأن يقر كل فريق منهم بالمحل الذي يناسبه حتى يتعلموا ذلك، ويوجه كل فريق منهم للمحل المعين له، كما أمرنا بالأمناء بأن ينفذوا لهم مؤونتهم مدة إقامتهم بطنجة، وأعلمناك لتكون على بال، وتنزلهم بالمحل الذي يناسبهم، والسلام".
ويظهر اعتناؤه بالشبان المتفوقين في الدراسة والراغبين في السفر إلى الخارج ضمن البعثات الطلابية في الرسالة السلطانية التي وجهها إلى قائد الصويرة الحاج عمارة بن عبد الصادق بتاريخ 23 صفر الخير عام 1293، ونصها بعد المقدمة : (7)
"فقد وصلنا كتابك، وصحبته طلبة الحساب الذين وجهت بقصد اختبارهم عملا بأمرنا الشريف، فوجد أثر النجابة لائحا على الستة المذكورين بالطرة، ويليهم الثلاثة المذكورين إثرهم. وعليه، فسرحهم لحال سبيلهم، وعين بدلهم من فيه قابلية التعليم، ووجه العشرين الباقين هناك بقصد اختبارهم ولابد، والسلام".
ويتأكد اعتناء السلطان المجدد مولاي الحسن الأول بالشباب وتوجيههم إلى الخارج لتعلم العلوم التجريبية والفنون الحديثة، والتي تعود بالنفع العميم على المغرب في مسيرته الحضارية، بالرسالة الوزيرية التي بعث بها الحاجب الوزير موسى ابن أحمد إلى باشا فاس، وتتعلق بطلبة مغاربة يتعلمون بجبل طارق، وهي مؤرخة بـ3 رجب 1293، ومحتواها بعد التقديم : (8)
"فإن ولد فلان تعلق باله بتعلم الطب فوجهناه زائدا على العدد 24 الذي توجه بقصد السفر لجبل طارق، فيصير جميعهم خمسة وعشرون عسكريا، وأعلمناك لتجره مجراهم، وتلحقه بهم، وتأمر الأمناء أن يصنعوا له الكسوة والفراش ما جعلوه لأحد الأنفال المذكورين، عن أمر سيدنا، أيده الله، وعلى المحبة والأخوة، والسلام".
إن مضامين هذه الرسائل الثلاث تكشف عن مقدار الجهود المبذولة من أجل تعهد الشباب وتكوينهم علميا وفنيا، ليصيروا أعضاء صالحين لوطنهم يمنحونه حبهم، ويخلصون في خدمته لإعلاء شأنه ورفع درجته.
وشملت هذه الجهود المحمودة والمباركة مجالا آخر لا يقل أهمية عن مجال التعليم، وأقصد به النظام العسكري الذي خصه هذا السلطان العظيم بكامل رعايته، وأولاه كبير عنايته، حيث أقدم على إصلاحه وتطويره، وتزويده بالشباب المكونين جيدا، والمدربين على الأساليب الحديثة.
وقد أرسل العديد منهم في بعثات إلى الخارج لتلقي تداريب عسكرية جديدة في عدة تخصصات، وكان حريصا أشد الحرص على أن تتم عملية انتقاء العناصر الموفدة لهذه الغاية في أحسن الظروف، ووفق شروط ومعايير موضوعية ومضبوطة.
وخير ما يبرز اعتماده على الشباب في إصلاح الجيش وتقويته، الرسالة السلطانية التي بعث بها إلى الوزير علي المسفيوي بتاريخ 10 صفر عام 1292، ونصها بعد التقديم : (9)
"فإن قصدنا – بحول الله – بهذا العسكر السعيد الذي شرح الله صدرنا لجمعه هو
أخذ الأهبة والاستعداد وإظهار أبهة الإسلام والإرهاب الذي أمر الله به.
وعليه، فنأمرك أن تجمع ثلاثمائة 300 من العسكر من خدامنا أهل ثغر طنجة وأهل الفحص الغربية، واخترهم متأصلين معتبرين في قومهم من أهل النجدة والفائدة صغارا أصحاء، أقوياء على الخدمة، سالمين من العيوب التي تنافي الخدمة العسكرية، وباشر أمرهم بنفسك بغاية الاعتناء والحزم، واجعل ذلك من أهم أمورك وآكدها، فإن هذا أمر ديني ينبغي الوقوف فيه والاعتناء به أكثر من غيره، فقم على ساق الجد في أمره حتى يتم حول الله وقوته. وإن كان هناك من يحسن تعليمه وتحريبه (11) فذاك، وإلا فأعلمنا لنعين لكم من هنا من يحسن ذاك.
وقد أمرنا الأمناء بأن ييسروا لك ما تحتاج إليه من كسوتهم وآلة تحريبهم، ويدفعوا لمن تجمع منهم مؤونتهم بحساب خمس أواقي للواحد في كل يوم، وإن تم العدد المذكور وكمل جمعه وترتيبه على الوجه المطلوب، فسيبقى هناك مقابلا لحراسة ذلك الثغر السعيد المحروس بعناية الله إلى حين الاحتياج إليه، ولا عمل على ما كنا قدمناه لك من توجيه الخمسين 50 فقط، والله يعينك والسلام".
فالأمر السلطاني صريح بوجوب الاعتناء بالشباب في الميدان العسكري، وإعدادهم لأعظم المهام وأشرفها، وهي الجهاد في سبيل الله، والذود عن حوزة الوطن من أطماع المستعمرين الذين كانوا يتربصون الدوائر بثغوره الهامة، وبالخصوص ثغر طنجة السعيد المجاهد الذي يقع في ملتقى البحرين، ويعد صلة الوصل بين المغرب والقارة الأوربية صاحبة هذه الأطماع.
لذلك فلا غرو من إلحاحه على تبني الشباب في عملية تجديد الجيش وتطويره، وحضه على إظهار عظمة الإسلام وعزته، والإرهاب الذي أمر الله عز وجل المسلمين به، وهو قوله تعالى  في محكم كتابه العزيز :"وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرون من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون". (12)
إن المرام الذي توخاه السلطان في هذه الرسالة السلطانية العامة هو تحصين سواحل المغرب، وحمايتها من كل غزو خارجي، والاعتماد في ذلك على الشبان الأقوياء المتحمسين الذي رضعوا الشجاعة، وجبلوا على حب الشهادة.
وقد حالفه التوفيق في اختيار شباب قبيلتي الفحص والغربية، وهما – كما نعلم – موطنا المرابطين والمجاهدين من الجبلين والريفيين الذين كانوا يفدون على هذا الثغر المجاهد، وجاره ثغر أصيلة (13) لمحاصرة الغزاة، فهم أشبال أسد وأبناء مجاهدين جاهدوا في الله حق جهاده، فنالوا جزاء الحسنى وزيادة.
وبالتمعن في هذه الرسائل يتضح لكل ذي بصر نافذ، وبصيرة ثاقبة أن السلطان المولى الحسن الأولى، كان وفيا لوطنه وأمته، مخلصا لهما في العمل الدؤوب المتواصل، الذي يعضده فيه الشبان الأكفاء المخلصون، وقد كانت أعماله عزائم ومكارم لأنها مستمدة من روح الشباب، وصادرة عن خصلة أصيلة كان يتصف بها، وهي العزم، فكأنه المقصود فيما عناه الشاعر الحكيم أبو الطيب المتنبي بقوله : (14)
على قدر أهل العزم تأتي العزائم
وتأتي على قدر الكرام المكارم
وزاوج في جهاده الأكبر بين محاربة آفة الجهل في أمته واستئصال شأفة الأمية من كيانها، رغبة في نشر ألوية العلم والعرفان بين أبنائها، ويرفع درجات العلماء، عملا بقول الله تعالى :"يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات"، (15) وبين محاربة العدو الغادر الذي لا يؤمن جانبه برغم المعاهدات المبرمة معه، والمعاقدات المنعقدة، واقفا في وجهه أعظم قوة من الشباب، كلهم جنود بسل من طينة مغربية طيبة أصيلة، يعون قول الله تعالـى :" وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين". (16)
وتتعدد مزايا هذا السلطان العظيم في تطوير الدولة المغربية وتجديدها في ظل التشبث بكتاب الله العظيم، وسنة رسوله الكريم، والاهتداء بصراط الله المستقيم، والمحافظة على هوية المغرب العربية الإسلامية، فأعظم به من عبء ناء به، هو ذروة النهية والفضيلة، والحكمة البالغة التي يهبها الله سبحانه لصفوة الخيرة من عباده :
"يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب". (17)
وقد أورث الله جل جلاله هذه الحكمة لحفيده الكريم رائد الشباب وراعيه الأمين ملك العلماء جلالة الحسن الثاني حفظه الله وأيده، فهو خير خلف لخير سلف في الاعتناء بالشباب – إكسير المجتمع – والاعتماد على كفاءاته في بعث الدولة المغربية وتجديدها.
فهنيئا لملكنا الهمام المظفر بعيد الشباب السعيد، الذي هو عيده الشريف، عيد همة الأمة المغربية وعزتها، والله يعز من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.


1 – العلامة المؤرخ ابن زيدان، الإتحاف : 2/116.
2 – أصلها محفوظ بمديرية الوثائق الملكية، الوثائق : 3/442، رقما : 475، بعناية مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بنمنصور.
3 – يقصد به أوربا.
4 – أصلها أمازيغي، ومعناه : علم المدفعية، والطبجية : هم جنود المدفعية.
5 – التحدث باللغة الأجنبية.
6 – النائب السلطاني في الشؤون الخارجية، توفي عام 1303 هـ.
7 – الوثائق : 3/457، رقمها : 481.
8 – نفس المرجع، ص :459، رقمها :483.
9 – الوثائق: 3/421، رقمها: 466.
10 – الأبهة : العظمة
11 – تدريبه.
12 – سورة الأنفال – الآية :60
13 – تسكن قبيلة الغربية بين أصيلة وفحص طنجة، وهي تابعة إداريا للأولى.
14 – الديوان : 4/12، ط:2/ شرح ذ. عبد الرحمان البرقوقي، والبيت مطلع القصيدة الرائعة التي مدح بها سيف الدولة بمناسبة انتصاره على الروم في وقعة الحدث، والقصيدة من بحر الطويل.
15 – سورة المجادلة – الآية :11.
16 – سورة البقرة – الآية : 190.
17 - سورة البقرة – الآية : 269.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here