islamaumaroc

المأساة الجزائرية أمام الضمير العالمي

  دعوة الحق

33 العدد

لا يسع المرء إلا أن يأخذ منه العجب مأخذه، ويتألم من أعماق ضميره، ويكاد يكفر بهذه الديمقراطية المزيفة، التي طالما لهجت بذكرها الألسن، وتغنت بمحاسنها الشفاه، بعد أن يمعن التفكير في استمرار هذه المأسادة، ويرى كيف تشخص أدوارها على مسرح الإنسانية المعذبة. وتقوم بدور البطولة فيها إحدى الدول الكبار، التي ما فتئت تتبجح بوضعها لحقوق الإنسان، وأنها ما بعثت إلى هذا العالم إلا لتكون رسولة الحرية والتمدين ... ومع ذلك فهي ما انفكت تقترف أفظع ما عرفته البشرية من غرائب الإجرام ضد الإنسانية في أرض الجزائر، وتمارس هذا العمل المزري لمدة ستة أعوام أمام الضمير العالمي، وعلى مرأى ومسمع من الهيئة الأممية، دون أن تستطيع هذه وضع حد لهذا المنكر...
أجل، لقد وضعت المأساة الجزائرية من جديد أمام الضمير العالمي الممثل في تلك الوفود الدولية المجتمعة في هيئة الأمم المتحدة، وقد استمعت أو ستستمع تلك الوفود وشعوب العالم كله إلى بيانات وافية، وتفاصيل كثيرة، حول استمرار تلك المأساة البشعة، التي يقوم بتشخيصها على مسرح أرض الجزائر الاستعمار الفرنسي وأعوانه وحلفاؤه في الدول الغربية، والحلف الأطلسي منذ ست من السنين.
ولعل الضمير العالمي سيستفيق هذه المرة من سباته العميق، ويجلو عن عينه التي حالت بينه وبين رؤية الحقيقة الناصعة، وسماع الصرخة المدوية بعدالة قضية الشعب الجزائري، الذي صمد في النضال البطولي من أجل استرجاع حريته واستقلاله طيلة هذه المدة المديدة.
إن الضمير العالمي قد عرف وسيعرف الكثير من فظائع الاستعمار الفرنسي حاضرا ومستقبلا. ولعله يحاول اليوم أكثر من الأمس أن يفهم المشكلة الجزائرية على حقيقتها، كما تبدو من خلال الصراع الذي يدور بين فئة قليلة مؤمنة بقداسة جهادها في سبيل الحق والواجب، ولحماية القيم والمثل التي ظلت وستظل موضع الإجلال والاحترام لدى الإنسان المدرك العاقل، وبين فئة كثيرة باغية، تنكرت لكل المعاني والقيم الإنسانية. فالمعركة – إذن- تدور رحاها بين الحق والباطل، وبين العدالة والبغي، وبين الديمقراطية الصرفة والاستبداد الذي يريد أن يخمد أنفاس شعب عريق في ماضيه، متطلع إلى استرجاع عزته وكرامته.
وسيقوم نواب أحرار يمثلون شعوبا حرة بشرح وجهة نظر هذا الشعب وحكومته الفتية، تلك الوجهة المتمشية مع مقتضيات العدالة والإنصاف، ومبادئ الأمم المتحدة التي تخول لكل شعب أن يقرر مصيره بنفسه دون إجبار أو إكراه، كما فعل أولئك النواب في اجتماعات الهيئة الأممية في الأعوام الفائتة. ولا يشك أحد في أن الوفود الدولية في هيئة الأمم المتحدة قد أحاطت علما هي وشعوبها بما يعانيه  الشعب الجزائري الأبي من ضروب النكبات والمآسي والأحزان، وما يقاسيه من ألوان الظلم والطغيان، على يد المستعمرين الفرنسيين القساة، وقد بلغ إلى سمع كل أحد ما يتكرر حدوته صباحا ومساء من الفظائع الوحشية على يد جنود فرنسا، ليس في أرض الجزائر فحسب، بل وفي أرض القطرين الشقيقين المجاورين، حيث ينال العدوان الفرنسي سكان البلاد الأصليين وإخوانهم من اللاجئين الجزائريين، من حين لآخر وتسقط الضحايا البريئة إثر كل اعتداء..
إن الرجال الأحرار الذين أخذوا على أنفسهم مناصرة الحرية في كل مكان، قد أبلغوا إلى آذان الضمير العالمي في غير ما مناسبة أنين المعذبين وشكاوي المظلومين، وتوجعات المنكوبين، التي تتوالى منذ ست سنوات في الأرض الجزائرية المحترفة بنار الحرب العدوانية الفرنسية..فهل لهذا الضميران يبرهن على وجوده، بالعمل على وقف أعداء الإنسانية ومجرمي الحرب عند حدهم، أينما كانوا وحيثما وجدوا، والتمكين للسلام أن يسود بين الأمم والشعوب المستضعفة. حتى لا تتزعزع ثقة هذه الشعوب والأمم بهذه المنظمات الدولية، التي تأبى بعض الدول الاستعمارية إلا أن تتجاهلها وتدوس على قراراتها...
فإلى متى يستمر هذا العدوان الفرنسي الصارخ على شعب أعزل لا ذنب له إلا أن يروم حياة العزة والحرية والكرامة في وطنه، الذي ورثه عن أبائه وأجداده؟ إلى متى يتجاهل ساسة فرنسا ميثاق حقوق الإنسان الذي وقعوا عليه مع بقية الأمم؟ وإلى متى يدوسون بأقدامهم على كل قانون سماوي أو وضعي في حربهم الإجرامية، التي لا يراعون فيها حرمة امرأة، ولا طفلا رضيعا، أو شيخا هرما، أو محاربا جريحا، كما تقضي بذلك قوانين الحرب، التي اتفقت على العمل بها كل الأديان والأجناس.
إننا نأمل أن يعلن الضمير العالمي في هيئة الأمم المتحدة جهارا هذه المرة عن إدانته لفرنسا جزاء وفاقا لما ترتكبه من منكر ضد أبناء الإنسانية في الجزائر، وأن يكشف عن أساليب الإبادة الجماعية التي تطبقها في السجون والمحتشدات، ومراكز التجمع المحاطة بالأسلاك الشائكة، والموجودة في مختلف أنحاء القطر، إن كل الأحرار في العالم يريدون من المنتظم الدولي أن يصدر حكمه العادل على المجرمين، ويقرر حق هذا الشعب المجاهد في أن تعاد له سيادته المغتصبة، التي لم يبخل في سبيلها بأعز ما يملك من الأنفس والأموال. وأن يترك وشأنه يقرر مصيره بنفسه، عملا بدستور هيئة الأمم المتحدة. التي عليها أن تتحمل مسؤوليتها أمام التاريخ، وأمام الأجيال البشرية المقبلة، فتلزم المتمردين – بكل الوسائل – باحترام قراراتها والتزام جادتها، إذا كانت هذه الهيئة جادة حقيقة فيما تصدر من قرارات، عاملة بحق على أبعاد أسباب الحروب، وتدعيم قواعد السلم في جميع أطراف العالم على السواء ...
إن فرنسا بانسحابها من هذه المحكمة الدولية، وجبنها عن أن ترى نفسها في قفص الاتهام، والعالم يطالبها بتقديم الحساب علي ما جنت يداها في حرب الجزائر، وعلى إهمالها الفاضح لقرارات الهيئة الدولية، إن فرنسا بصنيعها هذا تريد أن تتمادى في حربها التي أهلكت بها الحرث والنسل في وطننا، وتريد أن تلتجئ إلى المناورات والمؤامرات مرة أخرى، كما فعلت في سنوات خلت، عسى أن تتمكن من تحقيق ما يحلم به ساستها، من تطبيق سياسة ظاهرها الرحمة وباطنها من قبله العذاب، تلك السياسة التي خلفها الزمن، وأصبحت أسطورة سخيفة، لا يؤمن بها أحد، لأنها مناولة لتطور الزمن، وسير التاريخ، ومجافية لروح العدالة والحرية، اللتين أضحتا مطمح كل شعب يصبو إلى حياة العزة والرقى والازدهار. إن الاستعمار يريد أن يستمر في خداعه وتضليله للرأي العام، ولكنه لا يخدع إلا نفسه، إنه يريد أن يتخذ من مبادئ هيئة الأمم لعبة وسخرية، كما اتخذها بالأمس، ويريد أن يواصل سفك الدماء البشرية، والتحكم في رقاب أبناء الإنسانية، إرضاء لأغراضه ومطامعه الاستغلالية، غير مبال بتلك المبادئ والقوانين التي يجتمع ممثلو الدول والشعوب تحت لوائها، ويعملون لحل المشاكل على هديها.
هذه هي الفكرة الرجعية التي ما زال يتشبث بها أقطاب الاستعمار الفرنسي المحتضر، وتلك هي نواياهم السيئة، ضد وطننا المكافح، ولكنهم لن يجنوا منها غير الخيبة المرة.
إن الشعب الجزائري الباسل، الذي آمن بحقه في أن يعيش سيدا في بلادهن حرا في وطنه، قد عقد العزم على أن يواصل جهاده المظفر، بقيادة حكومته الفتية، وجيشه الوطني المقدام، حتى ينتصر الحق على الباطل، ويتحرر شعبنا المناضل.
 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here