islamaumaroc

عرش ماجد أصيل، وشعب وفي نبيل

  محمد يسف

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

كنا – ونحن صغار – نتغنى بأنشودة الملك والعرش :
يا مليك المغرب  يا ابن عدنان الأبي فنشعر بالفخر والاعتزاز، أن يكون انتماؤنا إلى أمة تجذرت في عمق الزمن، وغاصت في لجة التاريخ وكبده، قاد خطاها على درب المجد والعظمة، منذ أن أشرقت شمس الله فوق ربوعها، ملوك أمجاد أطروا مسيرتها، وحرسوا وجودها، وصنعوا تاريخها وحضارتها، ووهبوها حياتهم وفكرهم، فوهبهم الشعب حبه وولاءه، وأسكنهم من القلب سويداءه، من عهد إدريس الأول إلى عهد الحسن الثاني، في سلسلة ذهبية موصولة الحلقات، محكمة العرى، وعبر رحلة إيمانية رائدة، عز نظيرها في دنيا الناس، كتب العرش والشعب خلالها بإيمانهما والتحامهما، قصة الحضارة المغربية.
لم تكن رحلة العرش والشعب في معترك الحياة رحلة احتفالية إشهارية، ولا كانت نزهة سياحية ترفيهية استجمامية، ولكنها كانت للتأصيل والتجديد، والبناء والتشييد. خاضا خلالها وأثناءها معارك ظافرة، وكسبا انتصارات باهرة، ومرا أحيانا بمسالك صعبة، ومعابر وعرة، كان اجتيازها يتطلب قدرا زائدا من الحيطة والخبرة والشجاعة والحكمة ليتم قطعها بأقل كلفة وأدنى خسارة. ولم يحدث أبدا أن تخلت القيادة عن الشعب، أو تقاعس هذا عن نصرة القيادة حتى في أدق ساعات الحرج وأخطرها، بل على العكس من ذلك، كانت الشدائد والأزمات لحاما رابطا يحكم آصرة الوحدة، ويشد أسبابها، ويسند ظهرها، ويقوي عضدها، ويذكي روح الوحدة والالتفاف، فإذا الأمة، عرشا وشعبا، قلعة منيعة وحصن حصين، لا تستطيع قوة مهما عتت أن تنال من كبريائها أو تستبيح حماها.
قد يتساءل من يتساءل عن أسباب هذا الحب المتبادل بين الراعي والرعية وبين العرش والشعب، وهو حب يعرف الكل بأنه بلغ حد الهيام بشخص الملك وافتداء العرش بالنفس والمهج، هذا في عصر اشتدت فيه غضبة الشعوب على أنظمتها، والمحكومين على حكامهم، واتسعت مسافة الخلف بين الفريقين، إلى حد أن كثيرا من النزاعات والحروب في العالم النامي، مردها في الأكثر الغالب إلى العلاقة المتردية بين الشعوب ومن يحكمها قسرا واغتصابا.
والجواب على ذلك سهل هين، وهو أن العرش المغربي يختلف عن باقي الأنظمة الأخرى الممارسة للحكم، فهو مؤسسة شعبية قائمة على البيعة والتراضي والاختيار الحر الذي تمارسه الأمة بواسطة أهل الحل والعقد منها، وهم من نالوا ثقتها ففوضتهم أن يتكلموا باسمها، ويعبروا عن ضميرها، ويترجموا إرادتها، بما عهدت  فيهم من إخلاص ووفاء، وارتفاع فوق الأغراض والمصالح الشخصية.
ومع هذا الأسلوب في الاختيار، وهو يمثل قمة القمم في الحرية والديمقراطية الصحيحة النابعة من قناعة الشعب وسلامة اختياره لمن منحهم حق قيادته، فإنه يستند إلى معايير هادية تمثل الثوابت التي بها قوامه، وعليها مداره، والتي أصبحت شعارنا لنا وعنوانا علينا نحن المغاربة شعبا وعرشا. وهي :"الله، الوطن، الملك" إنه الثالوث المقدس، الذي لا يجوز أن يمس.
ولعله السر الذي يكمن وراءه استمرار مؤسسة العرش العتيدة عبر العصور والقرون متحدية عوامل الزمان والمكان، لأنها تستمد قوتها من الله.
أولا : بتمسكها بالالتزام بشريعته، وإقامة حدوده، ومن الحب الكبير الذي يكنه له الشعب.
ثانيا : لأنها ليست مفروضة عليه من خارج نفسه، حتى يسعى للتخلص منها، بل هي نابعة منه، مستوطنة فيه، لا تنفك عنه بحال من الأحوال. ولذلك كان من الطبيعي أن يحميها ويناضل عنها.
ولا يفوتني – في هذا السياق – أن أشير إلى قاعدة ثابتة، قررها كتاب ربنا الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، حين قال :"كذلك يضرب الله الحق والباطل، فأما الزبد فيذهب جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأض" فالنافع الصالح للبلاد والعباد من الأقوال والأعمال والدول والأنظمة، ثابت باق أبدا، مهما اشتدت العواصف، وهبت الزوابع، وتناوحت الرياح رياح الفتنة.
ذلك هو حال عرشنا العتيد الذي ما أشبهه، من تعلق الأمة به، إلا بمملكة النحل، في تناسقها وتكاملها، والتفافها حول قيادتها، فكما أن عالم النحل لا يستغني أبدا عن نظامه الملكي، فكذلك شعب المغرب لا يتصور أن يعيش ويتطور ويرقى إلا في ظل نظامه الملكي العريق، وذلك هو قدره واختياره.
نعم، ملكية المغرب، ملكية مرنة متطورة مع تطور الحياة، فهي في الوقت الذي تحافظ فيه على الثوابت والركائز والأصول التي بها قوام الأمة، تسعى دائما إلى التكيف مع مقتضيات التطور.
وهكذا أجمعت في غير تناقض ولا تعارض بين الأصالة والتجديد فهي محافظة على الروح والجوهر والذات، متجددة في الشكل والمنهج والأسلوب. وهو ما يستطيع الدارس أن يلمسه بوضوح في سياسة الحسن الثاني وفلسفته ومنهجه الذي أعطى مؤسسة العرش بعدا جديدا سبق به أرقى الأنظمة المعاصرة في أرقى دول العالم وأكثرها تقدمية وديمقراطية.
أريد أن أقول : إن العرش كما نحس به نحن المغاربة، ليس نظاما للحكم فحسب، بل هو مع ذلك وإلى جانبه رسالة حضارية ممتدة عبر العصور والأجيال، وخطاب موجه من السلف إلى الخلف، ممتلئ بكل معاني الكمال والجمال والنخوة، لا بد أن تعيه الأجيال اللاحقة، وتعي معه ضخامة الإرث الحضاري والتاريخي والبطولي الذي آل إليها، فأصبحت مسؤولة عنه، ومسؤولة عن إثرائه وإغنائه والإضافة إليه.
وشخص الملك هو الرمز الذي يعمق في وعينا وإحساسنا هذه المعاني التي صنعها سلفنا في الماضي، وهو الذي يذكي فينا روح الاعتزاز بموروثنا، ويخلق لدينا حوافز الأخذ بأسباب العظمة والقوة، التي تجعل منا كائنا ذا شأن بين العالمين، كما جعلت من أسلافنا قوما أولي قوة وأولي بأس شديد في الماضي.
ففي شخص الملك يلتقي عندنا الماضي، والحضر، والآتي.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here