islamaumaroc

عيد العرش يترجم وشائج عميقة ومتنوعة تربط بين الملك والشعب

  حمداتي ماء العينين

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995


تصميم الموضوع :
1- الوليجة الدينية.
2- الموروث الحضاري.
3- الحفاظ على القيم.
مقدمة :
إن البريق السطحي المستورد لا يخلق الذات، ولا يحافظ على القيم، التي تضيع بسببه بين محاولة البحث عن الوجود، وبين محاولة الرسوخ قبل وضع الجذور مما يسهل اجتثاث الذات، على كل مستجد صاحبه لمعان مختلف، وقد أعطت التجارب أن ذلك اللمعان السرابي يكون مستوردا في أغلب أحواله، كما دلت التجارب أيضا أن الذين انساقوا وراءه زلت قدمهم عن الطرق، التي اهتدى الإنسان إلى رسمها للمسار الحضاري المستقبلي، انطلاقا من تجارب ومحاولات صرف فيها وقت طويل، وقدرات هائلة، سواء تعلق الأمر بالتراث العقدي، أو المكتسب المادي، أو المنهج السياسي، بصفة هذه الثلاثة، هي أسس القيم الحضارية، التي يجب أن يعمل لإدراكها كل شعب عريق في انتمائه، أصيل في حضارته، عزيز بصلابة أبنائه، متطور بسعة أفق تطلعاته، ومهما? تكن تلك التطلعات أو تلك المكتسبات فلا بد لها من راع يحمي ذمارها ومترجم يستخلص من بعد أفق الزمن الأهداف التي يعدها خططا يعبئ شعبه على العمل من أجل إدراكها، كمثل عليا لا بد بالتضحية لكل غال ونفيس من إدراكها، وهي قيم أسمى لا سبيل إلى الرقي بدونها، فهي تضمن الكرامة والعزة والشرف، وبدون العمل من أجلها يموت الحافز النفسي، ويضعف الرباط الاجتماعي فيهن عظم شباب الأمة ويشحب وجهها، ويثنيه الكسل والخوف والتردد، فتشتعل في جسمه نار الفتن والتناحر والتجاذب السلطوي، حتى تعمه الفتن والتباغض فيهوي في الحضيض، وكل مجتمع أمن نفسه من هذه الأوبئة، عاش عزيزا آمنا يأتيه رزقه رغدا من كل مكان.
ولذا يكون من باب الاعتراف بالجميل أن نحتفل نحن المغاربة بعيد العرش بصفته مصدر الاحتفاظ على القيم الحضارية ببلادنا، لأن العرش المغربي ظل عبر الزمن مخططا لكل نهضة مكنت شعبنا من أي مكسب حضاري سواء تعلق بالموروث الذي ذكر، أو بغيره من شتى المجالات التي أسهمت في بلوغ الهدف الأسمى للتراث الحضاري العملاق، الذي توفر عليه هذا الجناح من الأمة الإسلامية.
وللتدليل على أن العرش ظل المخطط والمنفذ والمحافظ على طود مكتسباتنا الشامخ، نسوق الفقرات التالية :
1 – الوليجة الدينية :
قال الله في كتابه العزيز :"يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم"، ليرفع شك اختلاف والتساوي مع الغير قرن طاعة أولي الأمر بطاعته، ليجد المسلم وازعه الإسلامي هو المحرك والمنظم لعلاقته بولي أمره.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:"من مات ولم تكن في عنقه بيعة مات ميتة الجاهلية".
وقال في حديث آخر رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان عن رسول الله قال في حديث طويل تكلم فيه عن الخير والشر، وتقلب أحوال الأمة، إلى أن وصل إلى توجيه ذلك الصحابي الجليل، ثم قال عليه الصلاة والسلام "الزم جماعة المسلمين وإمامهم..." إلى آخر الحديث الذي رواه البخاري ومسلم.
ويهمنا هنا أن نبين كيف سوى الرسول صلى الله عليه وسلم بين الجماعة والإمام إذ قرن وجود كل منهما بوجود الآخر بحيث صدر التوجيه النبوي الكريم إلى الصحابي الجليل بأنه إذا لم يكن للمسلمين جماعة ولا إمام فعليه اعتزال تلك الفرق كلها.
هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية هي مصدر وليجة المحبة والعلاقة بين مجتمعنا وبين ملكه، فهي تسمو بالعلاقة معه لتكون جزءا من الإيمان، وبذلك الرقابة عليها ليست من نوع الرقابة السياسية أو المادية التي تربط بين الحاكم والمحكوم في المجتمعات العلمانية، بل خلجات قلب المؤمن مدرك أن الله يعلم ما يتحرك في داخلها، ومن ثم فإذا أعطى والي أمره طاعته ارتقت رعايتها إلى الخالق، وأصبح الجزاء على نكثها لا تجير منه أرض ولا سماء، لأنه بيد الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور.
هذه العلاقة التي نظم الله أحكامها، وشد إحكام وشائجها تزداد تكريسا وقوة وصمودا، يعمل كل واحد من طرفيها بإخلاص وجد، لإدراك أهدافها وجني ثمار الغاية من تكوينها، وهذا ما عودنا العرش العلوي باستمرار عليه، إذ عطاء حاضره أضخم من صنعه ماضيه، وفي كل خير، حتى إذا ما طالعنا النصف الأول من هذا القرن دخل العرش معمعة الصراع مع جميع الرواسب، التي أدخلت إلى المغرب من طرف أعدائه بعناية ومكر، لتهز اقتصاده وتزعزع أمنه، وهدفها هو اغتصاب سيادته، وبعد أن وضعت الكنيسة بصفتها راعية ومباركة تحركات دول الصناعة الغربية إلى الاستعمار، بعد أن وضعت آخر نظرة على نعش السيادة المغربية بزعمها، مطمئنة أن إزاحة كل العراقيل ابتداء من تماسك أجزاء الأمة، ومرورا بنهب أموالها، واستلال روح الوطنية من نفوس كثير من أبنائها، إضافة إلى زرع الشك والتناحر بين أقاليمها، وانتهاء بتطويق العرش بمجموعة من الاتفاقيات التي أعدت كلها إما على إثر انتصارات عسكرية حققها خصوم المغرب عليه، وإما نتيجة تراكمات اقتصادية لا سبيل له إلى الخروج منها، فأخذ أصحابها يملون الشروط التي تمهد الطريق لإحكام سيطرتهم على كل قدرات الوطن.
بعد هذا كله فوجئ أعداء المغرب، وحتى المغاربة أنفسهم بأن أريكة العرش حليت بتربع شاب، عرف كيف يرعى تلك الوليجة الدينية، ثم يفجر من خلالها بركان ثورة حكمت كل الحواجز التي ظن صانعوها بأنها خلدت خلود الزمن، فأعطى جلالة المغفور له محمد الخامس لهذه الرابطة مفهومها الذي تركها عليه النبي الأمين عليه صلوات الله وسلامه، فازدادت تلك الآصرة قوة وتحكما في النفوس فاستطاع المغرب من خلالها أن يحقق بفضل القائد العظيم ووارث سره الطافح بدلائل النبوغ ومبشرات إنجازه ضخم المعجزات، استطاعا معا تعبئة شعب لم يبق بيده من إمكانياته إلا استثمار عقد البيعة ليستخرج من المستحيل أكبر المكاسب حجما، مما مهد السبيل لإدراك بقية أساسيات أهداف التطلع إلى المستقبل، ومكن من الحفاظ على قيم الموروث الحضاري.
2 – الموروث الحضاري :
ليس سهلا أن تملص الأمة من الأمم أو شعب من الشعوب من موروثها الحضاري ثم تقفز إلى المستقبل دون تعثر أو انزلاق، ولعل تجربة الاشتراكية العالمية هي خير دليل على ذلك، إذا ما من دولة تخلت عن الموروث الحضاري بما فيه من سلوكيات سياسية، وعلاقات بين الحاكمين والمحكومين، ورعاية عطاءات الأجيال الماضية والاستفادة من تجاربها، فاستطاعت أن تحقق أي شيء. إننا لا نعلم شبعنا تفسخ من تلك القيم، ثم وصل إلى الهدف، وأن تفكك دول أوربا الشرقية وانزلاقات بعض الدول العربية لخير دليل على تبرير هذا الادعاء.
وهذا يؤكد استمرار آصرة المحبة المتبادلة بين العرش والشعب عندنا، إذ استمرار الإنسان في مسيرة مستمرة منذ مئات السنين يملأ نفسه بعزة تمكنه من مواجهة كل التحديات، وهذا ما ثبت بالفعل، فيه ألجم المد العثماني عن هذا البلد الذي اختار سلالة الرسول صلى الله عليه وسلم لتولي أموره، وبه أوقف الحروب الصليبية التي شكلت وقعة (وادي المخازن) إحدى مظاهرها، وبذلك التلاحم ضد المد الاستعماري لأكثر من قرن من الزمن، ومن خلاله لم تجد الشيوعية المغلفة بأية تسمية طريقا إلى بلادنا، وبه أنجزنا ملحمة الاستقلال وعن طريقه حققنا معجزة القرن (المسيرة الخضراء). هذا في الوقت الذي ظل العرش واقفا في وجه كل التحديات لتبقى للمغاربة هويتهم الحضارية، التي تعتز بالإسلام منقذا ومهذبا رعي قيما حضارية تمتد جذورها في أعماق التاريخ.
وبفضل نبوغ والي الأمر، وبعد نظره، وإحاطته بأحدية التفاعلات الحضارية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والاستراتيجية، استطاع أمير المؤمنين أيده الله ونصره أن يبلغ المغرب بفضل قيادته أكبر من حجم إمكانياته، وأعظم من تطلعات النابهين من أبنائه، فمكن جلالته إمارة المؤمنين من دورها الذي يرتبط بإيمان المؤمن، فبدل حرج التعامل مع الواجب عندما تهتز جهود أحد طرفي ذلك العقد الذي حدث عند أمم أخرى، وجدنا نحن أنفسنا نتيه فخرا وشموخا بإنجازات لا يستطيع تحقيقها إلا الموفقون من العظماء، إذ تم التوحيد بمعجزات غطى مظهر عظمة المسيرة الخضراء خلفيات كثير منها، دون أن يخفى على العارفين مدى عبقرية العظيم الذي استطاع الحفاظ على المكاسب، وتخطيط وتنفيذ سياسة النماء على مختلف الواجهات، في خضم صراع مع كل القوى العالمية التي انبهرت بإنجازات جلالته، ودفع الحسد والعداوة العقدية والحضارية أكثرها إلى إحداث حبائل متنوعة لتوريط المغرب أو لوقف مسيرته، وقد كررت سابقا أن الذي غاب عنهم عند أية خطة لنيل من المغرب يكمن في نقطة واحدة هي أنهم يتعاملون مع عبقري عصره جلالة أمير المؤمنين الحسن الثاني، فكل حبائلهم كانت ملهمة لجلالته بأن يستخرج من عمق أهداف أصحابها وسيلة للدفع بعجلة التطور إلى الأمام في الحفاظ على القيم.
3 – الحفاظ على القيم :
لا أحتاج أن أذكر القارئ الكريم بالاستفزازات التي عرفها المغرب منذ الاستقلال سواء صدرت إليه من الخارج بصفة مكشوفة "المواجهات العسكرية" أو تسربت إليه خفية قصد بلوغ نفس الأهداف، كما لا أحتاج أن أذكر بموضة الانزلاق في متاهات الحزب الواحد والتمسك بالاشتراكية كوليد للثورة الشيوعية، وما نتج عن اتباع تلك المبادئ من نسف قيم حضارية كانت متأصلة في كثير من الشعوب فخلعتها للتدثر بلمعان سريان خادع سرعان ما وصلته فلم تجده شيئا ووجدت عنده البؤس والفقر وعدم الاستقرار.
هذا في الوقت الذي ظل المغرب لأكثر من عقدين من الزمن محاطا بمجموعات من الدول أصبحت ترى أن من لم يسلك ذلك المسلك لم يبق له دور ولا حضور في عالم اليوم والغد، ومع صعوبة مواجهة مارد دعاية ذلك التيار الذي اجتاح جل دول العالم الثالث، وفي خضم صراع خفيه أكثر من باديه استطاع جلالة أمير المؤمنين أن يجنب شعبه وبلده هزات الاستخفاف بالمعتقد الإسلامي الصافي النقي، الذي يجعل الإنسان أداة بناء، ورسول سلام، وداعية إقناع، بأسلوب حكمة القرآن، وأخلاق سيرة الرسول، دون عنف أو طيش أو غدر أو خيانة.
كما استطاع جلالة القائد العظيم أن يرتقي بالمغرب إلى الدولة العصرية بكل ما تحمل الكلمة من معاني، ولكن دون التفسخ من أخلاق الإسلام، وتطبيقه وتدبر معاني أحكامه ونظرياته، وكذلك أيضا دون قطع الصلة بين الإنسان المغربي اليوم ما أنجزه الآباء والأجداد من قيم حضارية، ظلت وستبقى هي مصدر اعتزاز بناء هذا البلد بالانتساب إليه، ومما لا شك فيه أن الشعوب التي تخلت عنها أصبحت اليوم تستنطق التاريخ ملتمسة التعرف على بعضها علها تتدرب من جديد على سلوكياتها، رغم ما يعتور سبيلها من تعثر، بينما نحن – والحمد لله – ننعم بسلوكيات دينية وأخلاقية تمد وطننا بمناعة تحصنه من الاستلاب، وتمكنه من انتقاء حسنات المستجدات التي لا تتصادم ومعتقده، ولا تستل كبرياء المواطنة الإسلامية من أنفس أبنائه، وبذلك تمسك بذكرى عيد العرش مناسبة مترجمة لكل هذه الإحساسات في الوقت الذي ظل وسيبقى هذا العيد يجسد التطلع إلى المستقبل. فجلالة أمير المؤمنين يرسم كل سنة من خلال خطابه الذي يوجه للأمة الأهداف البعيدة، التي ينوي الوصول إليها، والخطط العملاقة التي ابتدأ التنفيذ فيها، فما خيب – ولله الحمد – أملا في وعد قطعه على نفسه، ولا ترك خطة ابتدأها إلا وأكملها.
ولذلك فإن وليجة المحبة والإخلاص والبيعة تزيدها الأيام قوة وصلابة بفضل الرعاية والعمل والتخطيط والتنفيذ والسهر المتواصل، الذي يوفره أمير المؤمنين لشعبه، وبفضل أيضا محبة تسمو على التعبير والإخلاص لا يصح الإيمان بدونه يتمسك به كل فرد من هذا الشعب الأبي لملكه.
فلتدم اللهم تلك الوليجة رباطا مقدسا يصنع بواسطته أضخم المكاسب، ويصد كل الأطماع، ويستل جذور كل المفاسد بتعاون العرش والشعب على تقوى من الله ورضوان إلى أن يرث الله الأرض ومن علها.
ولتدم الله حياة أمير المؤمنين مكللا بالنجاح، مصحوبا بالتوفيق، رافلا في الصحة، تحفه عنايتك مقرور العين بولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد وصنوه السعيد المولى رشيد وسائر أسرته الشريفة.
والله ولي التوفيق

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here