islamaumaroc

أبو سالم العياشي المتصوف الأديب

  عبد الله بنصر علوي

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

يدور حديثنا عن أبي سالم العياشي العالم والمتصوف والأديب، الذي ننتاوله في هذا المقال لنرد له الاعتبار :
وفاء لما قدم من أعمال جليلة..
وما ألفه من مصنفات علمية..
وما ساهم به من جهود في سبيل نشر الثقافة الإسلامية..
وما سعى إليه من إجلاء حقائق الشريعة والحقيقة..
لذا، فهو من رجال الله الذين تطلعوا إلى بناء مجتمعهم وفق الأسس الإسلامية.
وهو من أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
وهو من العلماء الذين يخشون الله في السراء والضراء.
وهو من الأعلام الذين يشرفون تراثنا المغربي نظرا لكونه :
أ – من شيوخ الزاوية العياشية (أو زاوية سيدي حمزة كما تسمى اليوم) التي أسهمت بجانب الزوايا الأخرى كالناصرية والفاسية والدلائية وغيرها في الإشعاع العلمي، والوعي بمتطلبات واقعهم الفكري.
ب – وهو رحالة شهير، خبر علماء الشرق الإسلامي وجادلهم بالتي هي أقوم، واتصل بهم معرفا بالمغرب وعلمائه، عاقدا معهم عهود الأخوة والولاية.
جـ- وهو عالم نبغ في علوم الرواية والدراية فحدث وفسر، وحلل كثيرا من قضايا الأصول والتشريع.
د – وهو متصوف سلك طريق السنة وتمذهب بالطريقة الشاذلية، فكان القدوة في السلوك، والمثال في النقاء، والنموذج في الطهر.
هـ- وهو مفت في العلوم الشرعية، مدرك لعصره وما عرفه من مستجدات وإشكاليات.
وهو أديب وشاعر، شكلت رؤاه نمطا إبداعيا جمع فيه بين التعبير عن الذات والتعبير عن القيم الجماعية، فكان الالتزام بالواقع وبالفن سبيلا إلى إغناء الأدبية المغربية.
ز- وأبو سالم العياشي أخيرا هو مشارك في ثقافة العصر وعلومه بالقدر الذي استوعب مشاغل فكره وقضايا بيئته، فكتب في أغلب أنواع القول، فكان في عصره كالمرابط الدلائي، والحسن اليوسي، وعبد الرحمان الفاسي، وغيرهم من العلماء الذين تأثرت ثقافتهم بالعلوم الإسلامية المتسمة بالنزعة الروحية.
ولذلك، يمكن أن نضيف - لقول بعضهم وقد تناقلته الألسن وكتب التراجم: "لولا ثلاثة لانقطع العلم من المغرب في القرن الحادي عشر الهجري : محمد بن ناصر في درعة، ومحمد بن أبي بكر في الدلاء، وعبد القادر الفاسي في فاس" – أبا سالم عالما رابعا في ربوع الأطلس الكبير.
هذا العالم هو ابن ينتمي إلى الزاوية العياشية التي أسسها والده محمد بن أبي بكر الفيجيجي بلدا، العياشي مسكنا، الإدريسي نسبا. وهو وإن لم يكن عالما مشاركا في شخصيته الصوفية واتصاله برجال التصوف الشاذلي مما أثر عنه، وخاصة بعد أن أذن له أبو بكر الدلائي بتأسيس زاوية تقوم بإرشاد الناس وتلقينهم الشريعة الإسلامية، وإطعام المحتاجين وأبناء السبيل. ومحمد بن أبي بكر العياشي هذا ممن ذكره الحسن اليوسي في محاضراته ضمن شيوخ التصوف والعلم الذين لقيهم. أما تأسيس الزاوية بأيت عياش (وقبله كانت الزاوية الدلائية في الدلاء والناصرية في درعة والفاسية في فاس) فقد كان مجلا حقق لمنطقة الأطلس الكبير إشعاعا دينيا وعلميا وصوفيا واجتماعيا.
ولعل الحديث عن الزاوية العياشية ودورها في الحركة العلمية سواء داخل منطقة آيت عياش، وخراجها في المغرب وكذا المشرق العربي، جدير بالاهتمام من طرف الباحثين. وقد أسهمنا في ذلك بنصيب متواضع حين درسنا شخصية أبي سالم المتصوف والأديب... وهو تاريخ دفين ندعو أبناء المنطقة إلى الإسهام بالتعريف بزاويتهم، إذ أن تاريخها تاريخ للمغرب وثقافته، وذلك بالكشف عما يملكونه من وثائق يفيد منها الباحثون، سيما وأن من رجال الزاوية علماء كبار، يكفي أن نشير إلى أبي سالم، مدار حديثنا، وابنه حمزة ومحمد بن يوسف العياشي ومحمد بن حمزة وعبد الله بن حمزة وعبد الله ابن عمر... ممن لهم مؤلفات عديدة نعرف بعضها ونتطلع إلى الدفين أو الضائع منه.
ومن ثم شهدت هذه الزاوية حركة فكرية منذ فجر الدولة العلوية للمشرق، فعمل ملوكها على إقرار الوحدة الوطنية في ظل الشرعية الإسلامية وتحقيق الأمن والاستقرار، مما مكن الزاوية في ممارسة نشاطها العلمي وإشعاعها الثقافي، وقد وصلت أصداء هذه الحركة إلى ما قبيل عصر الحماية بقليل، فكان من مظاهرها :
أ – الصلات العلمية والروابط الثقافية مع الزوايا الأخرى، والفاسية منها خاصة، فقد كان علماؤها يؤمون الزاوية من حين لآخر وإلى وقت قريب.
ب – وجود خزانة الكتب، وهي من بين أهم الخزائن العلمية التي تحتوي على مخطوطات هامة لها قيمتها العلمية، ولها تنوعها الثقافي، مما هو جدير بالمحافظة عليه، وإتاحة ظروف الاستفادة من كنوزها ونوادرها، حتى نربط بين ماضيها المشرق وحاضرها الذي نأمر كبير العناية به. وفي ذلك ضرورة لإحياء العلوم، يقول عنها أحمد بن عبد العزيز الهلالي :
وجدت بها ما يملأ العين قرة
ويسلي عن الأوطان كل غريب
دواوين في جل العلوم جليلة
ينال بها الآمال كـل غريـب
جـ - كثرة الطلبة، سواء من منطقة الزاوية أو من الوافدين عليها، أمثال عثمان بن علي اليوسي وأحمد بن سعيد المجيلدي، وإبراهيم بن علي الدرسي السباعي، ومحمد بن محمد بن إبراهيم العثماني السوسي وغيرهم.
في هذه الحركة العلمية نشأ أبو سالم، ورغم أن المصادر لا تكشف لنا بتفصيل عن حياة أبي سالم، سواء المصادر التي كتبها : كالفهرسية الرحلة وبعض رسائله الإخوانية، وسواء بعض المصادر التي كتبها معاصروه من أصحاب التراجم والفهارس.
ويمكن أن نستقرئ تلك المصادر لنقسم حياة أبي سالم (من مولده ليلة الخميس، أواخر شعبان 1037 إلى وفاته يوم الخميس 17 من ذي الحجة 1090) إلى مراحل ثلاث :
الأولى : (1037 – 1059) :
تلقى فيها تعليمه الأول على يد شيوخ الزاوية ثم رحل عام 1053 إلى بلاد درعة التي احتضنت الزاوية الناصرية في ربوعها، ثم انتقل إلى فاس حيث جامعة القرويين تزخر بالطلبة وشيوخ العلم.
الثانية : (1059 – 1073 ) :
لما استوعب أبي سالم ثقافة المغرب تاقت نفسه إلى علوم المشرق، حيث كانت الرحلات من التقاليد المصطفاة عند علماء الإسلام، وكان لها فضل عظيم في صقل العقول. فرحل ثلاث مرات إلى المشرق في أعوام 1059 و 1064 و1072. آخذا من علماء مصر ومكة والمدينة المنورة وفلسطين فضلا عن اتصالاته الوثيقة والمباشرة مع علماء ومتصوفة من طرابلس والإسكندرية والقدس وغيرها. وتعد هذه المرحلة أخصب مراحل حياة أبي سالم الفكرية إذ حقق التواصل بين المغرب والمشرق فأتاح مجالا لنقاش الأفكار وتبادل الآراء.
الثالثة : (1073 – 1090) :
وهي مرحلة التفرغ للتدريس والتأليف، فدرس بالزاوية وبفاس، وأجاز عددا كبيرا من طلبته : عبد السلام بناني، وعلي بن أحمد الحريشي، ومحمد بن عبد الرحمان الفاسي، ومحمد ابن القاسم بن زاكور وغيرهم. وفي هذه المرحلة غرب في عهد المولى رشيد هو وأهل الزاوية إلى مدينة فاس في عصر كثرت فيه الفتن والزعامات المحلية مما جعل المولى الرشيد يهتم بتحقيق الوحدة الوطنية وإعادة الهوية المغربية إلى أصالتها وتطلعاتها إلى العلم والعمل. وبعد أن أذن المولى إسماعيل لأبي سالم وأهله بالرجوع إلى موطنهم بدأ عهد الازدهار العلمي في الزاوية العياشية.
وهذه المراحل الثلاث كلها أخذ وعطاء لأن أبا سالم العياشي من أبرز ذوي الاتصال العلمي والصوفي والأدبي بأعلام عصره في المغرب والمشرق خلال الربع الثالث من القرن الحادي عشر الهجري، ويميز في فهرسته بين شيوخه في علوم الشريعة وشيوخه في علوم الحقيقة... مما يدل على سعة علمه، وميله إل التصوف. وقد بلغ عدد شيوخه أزيد من خمسة وستين شيخا أجازه أغلبهم. وأبو سالم في هذا التلقي لم يكن مجرد ملقن، بل كان مجادلا ومشاركا على نحو ما نلمسه في علاقته بإبراهيم بن حسن الكوراني.
إن دراسة أبي سالم على شيوخه في مختلف المعارف قد كونت شخصيته العلمية والصوفية والأدبية في ضوء منهج الرواية الذي اهتم به عصره اهتماما بالغا، إذ كان الاعتماد على السند تأكيدا على الثقة بالعلم، وتوثيق بالمتن، وسلامة المعارف، فقد قيل " لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء". وفي تشبث العلماء بعلو السند إلى المؤلف نفسه وحرصهم عليه – باعتبار أن الإسناد العالي سنة محبوبة والقرب من رسول الله رتبة مطلوبة – ما جعل أبا سالم ينهج نفس المنهج فتعددت أسانيده لتعدد شيوخه سواء في المغرب أو المشرق.
وأبو سالم في هذا المنهج يحرص على السماع من شيوخه مباشرة، لأن السماع لا تعادله الإجازة وإن تعددت.
كما أن منهج الدراية كان سبيلا لدى أبي سالم إلى مقاربة الاجتهاد، ونقد الرأي، وتدقيق المتن.
وهذه الأسس المنهجية التي اعتمدها أبو سالم تجلت في مؤلفاته أيضا التي تعددت مصنفاتها وتنوعت أغراضها، ويصل عددها إلى الثلاثين تأليفا سنحاول قراءة بعضها لاستقراء جملة من الأفكار.
الرحلة العياشية : ماء الموائد.
تشكل الرحلة العياشية موسوعة ثقافية ودائرة معارف إسلامية، لأنها ديوان علم شمل الرسائل، والملخصات، والأسانيد، والطرق الصوفية وعلوم المسالك والممالك، وأصناف الأدبيات فأبو سالم لم يأل جهدا في سبيل جمع الفوائد والفرائد. يقول :"وقصدي من كتابة هذه الرحلة أن تكون ديوان علم لا كتاب سمر وفكاهة. وإن وجد الأمران فيها معا فذاك أدعى لنشاط الناظر فيها سيما إن كان صاحب تلوين، وأما صاحب التمكين فلكل شيء عنده موقع ونفع".
وبذلك كانت الرحلة أوثق مصدر عن كل الجوانب التي تعرضت إلى الحياة الفكرية والاجتماعية والتاريخية والاقتصادية في النصف الثاني من القرن الحادي عشر الهجري/السابع عشر الميلادي، سواء في المغرب أو المشرق العربي، كما أن الرحلة مصدر لكثير من النصوص الأدبية والشعرية وخاصة من الإخوانيات والمديح النبوي. ونظرا لقيمتها العلمية الكبيرة اعتمدها مصدرا كثير من المؤرخين والمترجمين والرحالة : كالقادري في "التقاط الدرر" والأفراني في "صفوة من انتشى" والناصري في رحلته "شيخ الطرقة" والهشتكوي في رحلته "نزهة الأقطار" والإسحاقي في "رحلة" والزياني في "الترجمانة الكبرى" والكردودي في "الدر المنضد"... وغيرهم ممن استفادوا من منهجها ومن معارفها، سواء من دراسة منطقة ما، أو ترجمة شخصيات ذكرتها، أو تاريخ العلاقات بين المغرب والمشرق، أو بحث في النصوص الأدبية شعرا ونثرا، أو
مختارات للوجادات، أو ولع بالأسانيد العلمية، أو نقد للنصوص الفكرية، أو النهل من الأحكام الفقهية أو الأخبار الصوفية... الخ . مما تضمنته الرحلة.
إن رحلة أبي سالم "ماء الموائد" جديرة بالتقدير والقراءة. وفي تداول مخطوطاتها وطبعها بالمطبعة الحجرية بفاس ما أبرزها دعامة للفكر المغربي في فجر الدولة العلوية.
اقتفاء الأثر بعد ذهاب أهل الأثر :
وهو فهرسة أبي سالم التي اعتنى فيها بشيوخه، وبالعلوم التي درسها عليهم وأسانيدهم في التلقين، وقد دعاه إلى كتابتها ما لمسه من ضعف في رواية العلماء.
وعن أهمية هذه الفهرسة يقول الكتاني في "فهر س الفهارس" إنها ثبت حلو السياق، جيد الأسانيد، نفيس الاختبار، لا لطف منه في إثبات المغاربة بعد " فهرس ابن غازي". وينقل رأي بعض العلماء :"من أراد أن يعرف مبلغ أبي سالم في العلم فليطلع على كتابه "اقتفاء الأثر"... يجد بحرا لا ساحل له، ويتتبع أسانيدها التي يتواتر بعضها إلى عصره.
تنبيه أهل الهمم العالمية على الزهد في الدنيا الفانية:
وهو من كتب أبي سالم في التصوف، يبحث في شروط الزهد باعتباره الخطوة الأولى نحو التصوف. لذلك فهو يوصي بعض طلبته ومريديه بعدم أكل الدنيا بالدين حفاظا على صلاح الدين، ويأمر بالاكتفاء بالقليل من القوت فإن الماء والتمر من النعيم، ويذكر أن الله يعطي الآخرة لمن يحبه فحسب، ويرى أن الإقبال على الدنيا علامة على إعراض الله، مؤكدا على ضرورة اللجوء إلى الله تعالى في كل وقت، واستحضار معايب الدنيا ومذامها، والإكثار من تصوير ذلك في القلب، ويرى أن مما يقوم السلوك ويعين على الزهد التمرس بمطالعة كتب الصوفية : ككتب الغزالي، وابن عطاء الله، وابن عاشر.
الحكم بالعدل والإنصاف الرافع للخلاف فيما وقع بين فقهاء سجلماسة من الاختلاف في تكفير من أقر بوحدانية الله وجهل ماله من الأوصاف :
وهذا الكتاب من كتب التوحيد المهمة التي يسجل فيها أبو سالم أبرز الصراعات الفكرية التي عرفتها بيئته العلمية. فقد أحدثت دعوة محمد بن عمر بن أبي محلى ضجة كبرى، إذ دعا العوام إلى ضرورة إزالة المنكرات بالعقائد الإيمانية والمعارف الدينية، وألزم الناس بضرورة التعرف إلى الصفات الإلهية ومعانيها ومتعلقاتها، "فمن لم يعرف التوحيد على الوجه الذي ذكره السنوسي، ومن لم يعرف النفي والإثبات في كلمة الإخلاص فهو كافر لا يضرب له الإسلام بنصيب". وغير ذلك من الآراء التي أذاعها ابن أبي محلى حتى وقعت فتنة بسجلماسة ومراكش. وقد رد عليه كثير من العلماء، ناكرين عليه خطر التشدد في الدين مادام الدين يسرا، وما شاذ أحد الدين إلا غلبه، وممن ألف في الرد عليه مبارك العنبري، والحسن اليوسي، وأبو سالم العياشي.
وفي هذا المؤلف يذكر أبو سالم خطب هذه الدعوة وخطرها فيناقش أصحابها من أمر الاعتقاد، ويدحض دعاويهم بكثرة الأدلة النقلية والعقلية. وقد أكبر من شأن هذا التأليف الكتاني الآنف الذكر، فهو يرى فيه أنه كتاب عظيم يدل على اضطلاع وافر وملكة واسعة.
منظومات في التوسل :
ولأبي سالم منظومات كثيرة، منها ما يتعلق بالتوسل خاصة من أبرزها :
-  وسيلة العريق بأئمة الطريق، يتوسل فيها بشيوخه في التصوف ويذكر أسماؤهم وأسانيدهم وعلومهم.
-  هالة البدر في التوسل بأهل بدر، يتوسل فيها بالصحابة من أهل بدر المهاجرين منهم والأنصار.
ديوان الشعر :
وأبو سالم شاعر من شعراء فجر الدولة العلوية، ذكره عبد الرحمن ابن زيدان في كتابه "المنزع اللطيف" في التلميح بمفاخر مولاي إسماعيل بن الشريف، وتدور أشعاره حول الموضوعات التالية :
المديح النبوي : وأطول قصائده فيه التوجيهات التي نظمها على أعاريض الخليل، وتصل أبياتها إلى نحو ثلاثمائة بيت. ومنها الوتريات وهي التي نظمها على روي الحروف الهجائية، وهي التي نظمها إلى نحو السبعمائة بيت. عدا كثير من القصائد والمقطوعات في سائر أنماط قصيدة المديح النبوي.
وتمثل قصيدة المديح النبوي لدى أبي سالم أثرا عميقا في النفوس الكليلة "لأن القصائد – خصوصا إذا كانت عن حضور قلب – أثرا عظيما في تفريج الكربات، ونيل الرغبات، أعظم من أثر الوفاق والدعوات وترتيبها في الخلوات، وقد جرب ذلك فظهر صدقه، ولا يبعد أن يكون لترتيب الألفاظ على وزن مخصوص ما ينشرح به الصدر، للتضرع واللجاء إلى الله، ويقوى معه الرجاء في حصول المطلوب".
توفرت البواعث والواعي
من اللسن الفحول وكل واع
على مدح الرسول فكل شخص
يردده بقــول أو سمــاع
ولقصيدة المديح النبوي لدى أبي سالم مذهب شعري من حيث اختيار الموضوع والفن، ومن ثم فهو لا يتشبث بالمقدمة التقليدية للقصيدة العربية مادامت المدحة النبوية هي السبيل إلى المدح باعتباره قيمة فنية في القصيدة العربية.
ومن الأغراض الشعرية الأخرى التي نظمها أبو سالم نجد مدح العلماء والمتصوفة وشعر الإخوانيات والطبيعة والزهد والرثاء. أما مدح الملوك فلا نكاد نجد إلا قصيدة واحدة قالها في المولى إسماعيل، وقد كانت شخصيته مجالا للاعتزاز والارتياح بسبب حملاته الجهادية التي قام بها ضد الغزاة والبغاة المحتلين.
يقول أبو سالم :
قرع السمع من كلام البشيــر                 ما أنال القلوب فـرط السرور
حين قال البشير من بعد يأس                 قد أباد البغاة سيـف الأميـر
سيف فخر الملوك مولاي اسما              عيل نجل الشريف حامي الثغور
خلـد الله ملكــه وحبــاه                       خيره ووقاه كـل الشـــرور
يالها من بشــارة بغــزاة                      هي أخت قريظة والنضيـــر
قطعت دابر الفساد وسـرت                  كل حي ومن غدا بالقبـــور
وهي أبيات تعبر عن تقدير أبي سالم للمولى إسماعيل الذي دافع عن الثغور المغربية، وحمى بيضة الإسلام من الأعداء.
وأبو سالم في أشعاره شاعر بالقدر الذي تتيحه بيئته، حيث أثقلت ثقافتها المعرفية النص الشعري بمكتسبات علمية، لأن الشخصية المغربية عبر عصورها كانت شخصية مشاركة تمرست بألوان من التحصيل في مختلف العلوم الشرعية منها والأدبية، بالإضافة إلى أن أبا سالم استمد من التراث النقدي – كما وصل إليه – مقوماته الفنية. ولم تكن ستة آلاف بيت شعري التي نظمها إلا تطلعا إلى فن به تكتمل شخصيته، ويلتئم فكره، يقوي إبداعه.
إن أبا سالم في سائر مصنفاته جدير بالبحث والدراسة في مجالات متعددة رحلة كانت أم فهرسة، أم فقها أم توحيدا أو تصوفا، أم رسائل أم أشعارا... وهي مجالات كلها تبرز شخصيته في سياق حرصه عل التوجيه والإرشاد من ضوء التحلي بأخلاق الإسلام وعلومه، مما أكبره معاصروه، والذين أدركوا فضله وقيمته العلمية التي نالت الحظوة والتقدير.
قال عنه الفاسي في "الإعلام بمن غبر".. :"حسن الظن في جميع الخلق، كثير الزيارة لمن يتوسم فيه الخير".
وقال عنه الإفراني في "صفوة من انتشر"... :"كان من أهل الخير والصلاح، متسما بالزهد والورع، مائلا في دروسه إلى علم الطريقة، وجانحا إلى تعظيم الصوفية".
وقال عنه القادري في "نشر المثاني"... الإمام الفاضل الشائع الفضائل والفواضل العلامة الكبير، المحقق النحرير، المحصل المشارك، المحقق المفهوم والدارك، الواسع الرواية، الحسن الدراية، الرحالة الجوال، الفصيح القوال".
كما مدحه شعراء عصره، قال الحسن اليوسي :
أبا سالم ما أنت إلا كسالم
لدينا ولم يقض اللقاء فسالم..
وقال محمد بن عبد الجبار العياشي :
يا سيدا سعدت به الأيام
وتفاخرت بلقيه الأعلام...
وليس من باب القول المكرور أن ندعو إلى ضرورة إحياء ذكرى أبي سالم العياشي وكذا ذكرى ثلة من العلماء الأفذاذ الذين عرفتهم منطقة تافيلالت ومدغرة على شساعة ربوعها. وهذا ما يجعلنا ننادي بإلحاح على العناية بتراث الزوايا وتوفير الحاجيات الضرورية لرواد الخزانة الحمزاوية خاصة، كي تتاح للباحثين الرحلة إليها، والاستفادة من تراثها. ولن يتأتى هذا إلا بفهرسة مخطوطاتها التي لم تر النور بعد... وفي هذا السياق نحيي جهود العلامة محمد المنوني في فهرسته لبعض مخطوطات الزاوية الحمزاوية.
لذا نأمل من وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية العمل على إنجاز الفهرس العام لمخطوطاتها.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here