islamaumaroc

عهد الحسن الثاني عهد المساجد والمباني

  أحمد سعد

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

"إن الملوك إذا أرادوا ذكرهم
من بعدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تطاول شأنه
أضحى يدل على عظيم الشأن"
كثيرة هي المظاهر الحضرية في عهد الحسن الثاني، وكثيرة هي "الألسن" التي تخلد مظاهر هذه الحضارة وتعيدها على الناس جيلا بعد جيل، فمنذ عشر سنوات تظافرت أقلام ثلة من العلماء والمفكرين والمهندسين – كل في دائرة اختصاصه – على إبراز بعض مناحي الشخصية الفذة التي يتمتع بها صانع هذه الحضارة جلالة الملك الحسن الثاني، فكانت أبحاثهم صورة مصغرة لمغرب الحسن الثاني آنذاك أخرجوها للناس بعنوان " الإنسان والملك".
ولا شك أن السنوات العشر الماضية كانت قد شهدت ما يستحق أن يسجل بمداد الاعتزاز والافتخار، بعدما سجل بلسان البناء والعمران وما مسجد الحسن الثاني بالدار البيضاء إلا كلمة واحدة من كلمات هذا اللسان، وفي كل جهة من جهات المغرب، وفي كل بقعة من بقاع هذا الوطن الحبيب بناية لمسجد أو قنطرة أو سد أو ميناء أو مطار أو معمل. يقول لك " قف ترى عظمة وعهد الحسن الثاني، وهمة الحسن الثاني ممثلة لا في كثرة المباني وتنوع العمران فقط، ولكن أيضا من نوعية هذه وتلك، بحيث تقرأ في كل أثر عمراني شيده الحسن الثاني تاريخ المغرب المسلم المتحضر الآخذ بأسباب التقدم والمعاصرة، فابتداء من بناء ضريح محمد الخامس إلى بناء مسجد الحسن الثاني، مرورا بعدد لا يحصى من المباني، لن تلاحظ سوى هندسة أصيلة تخاطبك بلسان عربي مغربي فصيح، هذه همة الحسن الثاني.
هذه خاطرة قصيرة وضعتها بين يدي كلمة متواضعة أريد أن أسجلها حول البناء والتعمير بصفة عامة، وبناء المساجد بصفة خاصة في العهد الحسني بإقليم تزنيت، وكما هو الشأن في كل أقاليم المملكة، فإن استحضار صورة الإقليم أوائل الستينات ومقارنتها مع صورته في هذا الوقت أول التسعينيات ستثير لدى المقارن الدهشة، من كثرة التقدم الذي حصل في العمران خلال هذه المدة، فمن قرى صغيرة بسيطة البنيان إلى مراكز حضرية ذات تجهيزات ومرافق اجتماعية ومدن كاملة راقية، ومن بيوت مبنية بالطين غالبا إلى منازل عصرية مشيدة فوق تصاميم معمارية رائعة، لا في مدن الإقليم ومراكزه الحضرية فقط، بل أيضا في القرى والمداشر، فكما يقال : الناس على دين ملوكهم، وهمم الملوك ملوك الهمم. فإن المغاربة سرعان ما سرى إليهم شعاع ديدن ملكهم، وصدى همة قائدهم، فبعدما لاحظ عامة الشعب اهتمام ملكهم المحبوب الحسن الثاني بالبناء والتعمير وفق الأصالة المغربية، صار الناس يقلدونه، فقبل الستينيات لم يكن في مدينة تزنيت عاصمة الإقليم، بله المراكز والقرى، منزل متقن البناء، فضلا عن حسن التصميم ومجانسة المظهر، فكل منازل المدينة تقريبا مبنية بالطوب والثابية، ليس فيها ما يشد الأنظار، لا في مظهرها الخارجي ولا في محتواها الداخلي، وعل نفس الشكل كانت المساجد الأربعة الموجودة آنذاك بالمدينة.
ومن يومئذ والناس ينظرون إلى مثلهم الأعلى جلالة الملك الحسن الثاني، فيعتبرون البناء لا مجرد جدران تأويهم وتأوي عائلتهم، ولكنه فن وحضارة وسجل تاريخ. فقلما تدخل في هذا الوقت بيتا من البيوت صغار الموظفين والتجار، فضلا عن كبار هؤلاء وأولئك، إلا وتجد نقشا وفسيفساء، وهندسة جذابة في المظهر الداخلي، وحتى في الفناء. أما الميسورون فقد شيدوا لهم قصوا رائعة أبدعت فيها يد الصانع التقليدي نقشا ونحتا لبست بالجبس والرخام، وزخرفت بالزجاج الملون والزليج، وعلى ذلك المنوال شيدت المساجد، فانتعش الاقتصاد، وازدهرت الصناعة التقليدية، وتقدم الفن، ودخلت الإقليم صناعات ومهارات كثيرة لم يكن للناس عهد بها، كان المسجد أول المستفيدين منها.
وكما قلنا فإن عهد الحسن الثاني يعتبر عهد المساجد، حيث بلغ اهتمام الناس ببنائها مبلغا لم يبلغه قط، فمن قبل هذا العهد لم تكن بالإقليم إلا صومعتان أو ثلاثة، واليوم تعد فيه الصوامع بالعشرات، وبالتالي فالمساجد التي تصلى فيها الجمعة اليوم تبلغ حوالي 60 مسجدا، بينما لم تبلغ قبل هذا العهد عدد أصابع اليد الواحدة، وفي مدينة تزنيت التي لم يكن فيها إلا مسجد، جامع واحد، صار فيها اليوم سبعة مساجد لصلاة الجمعة، بالإضافة إلى أربعة أخرى للصلوات الخمس. والقديمة منها جدد بناؤها، والجديدة بنيت على أسس هندسية رائعة، وأقدمها المسجد الكبير، هكذا يعرف، لأنه الكبير بالنسبة للمساجد الثلاثة القديمة، أما الآن فإن المساجد الجديدة تنافسه في هذه الصفة، وتزيد عليها، ولا تبقى له إلا صفة وميزة الأقدمية، وهي في الحقيقة صفة إسمية ورمزية فقط، وإلا فإنه جدد مرات عديدة، آخرها قبل سنتين أو ثلاثة، ولا تجد فيه الآن ما يمت بصلة إلى ما قبل العهد العزيزي حيث جدد لأول مرة سنة 1314 هـ.
وقبل هذا التاريخ كان المسجد الكبير في تزنيت مجرد بناية صغيرة تحتوي على مسجد متواضع وغرف صغيرة متواضعة يسكنها الطلبة الذين يتلقون العلوم ويحفظون القرآن في هذا المسجد، كما هو الحال في كثير من مساجد الإقليم، بحيث تجعلهم هذه الوضعية يدعون كذلك مدارس علمية أو قرآنية أو هما معا.
وقد مارس التعليم في هذا المسجد عدد من العلماء، منهم العلامة الطيفوري ،(1) والأدوزي (2) وغيرهما، وقد كان له أوقاف من عقار وأشجار ومياه تصرف في تمويل الطلبة، وشؤون المسجد.
ولما عين جلالة السلطان مولاي عبد العزيز رحمه الله سعيد الكلوني قائدا على المنطقة سنة 1314 هـ كما أسلفنا، كان أول ما اهتم به المسجد الكبير، فهدمه عن آخره، وشرع في تجديد بنائه وفق تصميم ينم عن عظمة الباني ومكانته، إلا أنه ما إن أتم بناء جزء من المقصورة حتى حالت الظروف بينه وبين تتميم ما عزم عليها، فقامت مدينة تزنيت في شخص سكانها بعد ذلك ببناء جزء آخر من المقصورة وبنت كذلك (كما قال سيدي أحمد اعموا) مفتي الجماعة محلات شبيهة بالأكواخ لإيواء الطلبة، ومسكنا يسمى بالمجلس لأستاذهم، فبقي المسجد على هذه الحال إلى أن نظمت الأحباس، فقامت وزارتها بإتمام المقصورة، وبنت صومعته الحالية سنة 1354 هـ، وبقيت المدرسة على حالها إلى أن جددتها جمعية علماء سوس في أوائل عهد الاستقلال، وألحقتها بمعهد محمد الخامس بتارودانت، إلا أنها في الأخير حولت إلى مدرسة ابتدائية باسم مدرسة العين الزرقاء (سميت بالعين القريب منها).
أما المسجد أو المقصورة فقد تم إصلاحه منذ مدة يسيرة مع الحفاظ على شكله وسقفه الخشبي الجميل.
هذا هو المسجد الكبير والعتيق في مدينة تزنيت، وقد بنى أحد المحسنين مسجدا جامعا ثانيا خارج السور أواخر السبعينيات، وبنت وزارة الأوقاف بتعاون مع بعض المحسنين ثالثا في ما كان يسمى "مطار المدينة"، وهو أكبر مساجد المدينة وأروعها وأحسنها موقعا، أنفقت عليها الملايين بناء ونقشا وتفريشا وإنارة، دشن بمناسبة عيد العرش سنة 1983.
أما المسجد الرابع فقد شيده أحد المحسنين في حي المسيرة، وكان مسجدا صغيرا نسبيا، شرعت فيه صلاة الجمعة منذ حين بعدما كانت تصلى فيه الصلوات الخمس فقط.
أما المسجد الجامع الخامس، فهو أيضا مسجد للصلوات الخمس قديم، يدعى "مسجد آيت امحمد" شرعت فيه الجمعة منذ سنتين تقريبا.
وفي الحي الصناعي شيد السكان مسجدا جامعا سادسا متوسطا دشن منذ سنة.
ولا يزال المسجد الجامع السابع يشيد، وهو على وشك الانتهاء، وقد كان هو الآخر مسجدا للصلوات الخمس أزيلت بنايته من مكانها وأقيم بدلها مسجد رائع بكامل مرافقه، وبه تكون مدينة تزنيت قد رسمت في سمائها لوحة جميلة مزدانة بسبع صوامع يراها القادم إليها من أي جهة جاء بعدما كان لا يرى إلا صومعة واحدة مشهورة بالأذرع الخشبية التي تتفرع من زواياها الأربع، ومازالت وكأنها اليوم تحاول أن تحتضن بناتها اللواتي ولدن لها في عهد الحسن الثاني بعد عقم دام قرابة قرن.
إن قافلة البناء والتعمير التي حركها جلالة الملك الحسن الثاني تتزايد سرعتها، ويتسع مدلولها ليشمل كافة الميادين، فصاحب الجلالة كما – قال أحد المهندسين – ينشئ وينجز في جميع الميادين ويقوي ويدعم أسس البناء المغربي، سواء كان ذلك في السياسة أو المعمار أو التقاليد الأصيلة أو الصناعة التقليدية، أو كان ذلك في الفنون الجميلة الشعبية والسينما والرسم والموسيقى والمسرح.
فالعاهل الكريم لم يفتأ يضع اللبنة على اللبنة، والحجر على الحجر معلنا نفسه أمام الملأ عنوانا ناطقا للبناء والعمران والتشييد.


1) هو الشريف الحسن بن الطيفور السموكني، نزيل تزنيت، لازم هذا المسجد عشرين سنة، يدرس ويخرج التلاميذ النجباء، ويقضي ويفتي له مجموعة من الفتاوي، وآثار أدبية، بالإضافة إلى مؤلفات، أصولي ماهر متمكن، ويده في التفسير والحديث واللغة والأدب غير قصيرة، توفي يوم 20 جمادى الثانية 1278، وقد أوقف خزانته على هذا المسجد، ولا تزال بقية من مخطوطاتها موجودة. من كتاب (رجالات العالم العربي بسوس) باختصار.
2) هو عبد العزيز بن محمد الأدوزي المولود حوالي سنة 1273، له همة وعزيمة في التفنن، وتدريس غرائب الكتب واستنساخها، وتقييد الأوابد والشوارد، درس الأصول والبيان والأدب واللغة والتفسير والحديث، له كنانيش مفعمة بالفوائد والفرائد، وشرح الشمقمقية قبل أن يظهر لها أي شرح، توفي يوم 23 ذي الحجة 1336. (نفس المصدر)

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here