islamaumaroc

المغرب في العهد السليماني

  عبد القادر زمامة

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

على عتبات العهد الجديد كان المغرب على موعد مع العهد السلمياني، الذي تسابقت فيه الأحداث داخليا وخارجيا إلى مكان الصدارة، وتشابكت فيه المستجدات والمصالح والأطماع الأجنبية.
وظهر ذلك بوضوح في المخاض السياسي الذي كانت تعانيه دول البحر الأبيض المتوسط المجاورة.
والظاهرة الفذة التي تواجه الباحثين والدارسين الذين يضعون العهد السلمياني في إطاره الحقيقي من التاريخ العام، وزاويته الخاصة من تاريخ المغرب هي :
أنهم لا شكون من قلة المصادر... ولا من إشكالية غموض الأحداث والمواقف... ولا من ضياع الوثائق والمستندات... ولكنهم على العكس من ذلك يشكون من أشياء أخرى هي :
هذا الخليط من المؤلفات والمؤلفين والأقوال والتفسيرات والاهتمامات المتنوعة عند مؤرخي هذا العهد السليماني، لا فرق في ذلك بين المؤرخين التقليديين الذين عاصروا الأحداث في المغرب أو نقلوا عمن عاصرواها... وبين الباحثين والدارسين الجدد المعتمدين في تحليلاتهم على السجلات والوثائق والمستندات المتوفرة في دور المحفوظات... مغربية وغير مغربية...
لذا الاعتبار المنهاجي والموضوعي في نفس الوقت. ينبغي أن نتخطى هذه الظاهرة، وأن نحمد للمؤرخين التقليديين مجهوداتهم، وأن نقدر للمؤرخين الجدد اهتماماتهم وتفسيراتهم، وأن نستعرض هنا بعض الإشعاعات الداخلية والخارجية التي واكبت العهد السليماني بالمغرب، وكان لها طابع خاص...
كانت القضية الشائكة الأولى التي واجهت السلطان مولاي سليمان، هي قضية التفرقة والتمزق والصراع على الوصول إلى الحكم بعد نهاية حكم مولاي اليزيد... وكان ينظر إليها نظرة الحكيم المتبصر المتعمق في فهم الأحداث وخلفياتها، ويعلم بحدسه أن القضية إذا لم تحسم بالتغاضي والصبر واليقظة والتدبر السياسي، فإنها لا تلبث أن تصير ورقة في يد الخصوم والأعداء يحركون بها إعصار الفتنة تمهيدا لفرض مخططاتهم وتحقيق أطماعهم المعروفة في هذه البلاد...
فاستعمل التدبير السياسي قبل التدبير العسكري... وانطلق يرسل إشعاعاته في طول البلاد وعرضها يجادل ويناقش ويحاور ويخاطب النيات الصالحة والإرادات الحسنة، معتمدا على وضوح مقاصده ونصاعة حجته، محذرا من خيوط السرية والعلنية التي أخذت الأطماع الأجنبية تحرك بها بعض الجهات، وكانت النتائج في الجانب الذي تحدث عنه المؤرخون والدارسون بتقدير وإكبار.
ويأخذ الكلمة منا هنا المؤرخ أبو العباس الناصري ليتحدث في فقرة ذهبية حقا، رسم في مرآتها صورة ناصعة لهذا الملك الذي سبقت إشعاعاته الشخصية تدبيراته العسكرية، والذي حسم هذه القضية حسما دخلت به أحداثها في ضباب النسيان...
وكانت القضية الثانية الشائكة التي واجهت مولاي سليمان بعد سنوات الخصب والعطاء الفلاحي الأولى هي : سلسلة التمردات التي عمت البلاد، ونشرت القلق والخوف، حيث كان هذا التمرد يأخذ أساليب شتى في أسواق البادية وأحواز المدن الداخلية والمراسي البحرية، وكان محركو هذه التمردات ينتمون إلى عناصر من المشبوهين والمشعوذين، يستعملون عامة الناس وخاصتهم لتحقيق أهدافهم ومطامعهم الشخصية في الوصول إلى السلطة والنفوذ...
فكان من المتعين إذ ذاك أن يقرن إشعاعاته وتدبيراته السياسية بالمواجهة العسكرية حفظا لكرامة الدولة، وإبقاء على وحدتها وهيبتها...
وهنا يأخذ الكلمة منا عدد من المؤرخين المعاصرين للأحداث وفي مقدمتهم :
- أبو القاسم الزياني
- وأبو عبد الله أكنسوس
- والمؤرخ الضعيف
- وأبو الربيع الحوات
وكلهم يتحدث في المؤلفات والرسائل التي رأينا عن هذه التمردات بدءا ونهاية، وزمانا ومكانا، وأسبابا ونتائج، فيظهر جليا للدارس الباحث ما كانت هناك من إشعاعات سليمانية في الحلم والعدل والرحمة... فعلت ما لم تفعله القوات العسكرية في تهدئة الأعاصير، وإطفاء نار الفتن... والمحافظة على وحدة البلاد...
ويأخذ الكلمة منا هنا عدد من الشعراء الذين صوروا المواقف وسجلوا التحركات والحركات وفي مقدمتهم :
- حمدون ابن الحاج
- وسليمان الحوات
- والزياني
- واكنسوس
- وإبراهيم الرياحي التونسي... وغيرهم.
لنجد في قصائدهم أصداء الإشعاعات السليمانية التي كانت سمة السياسة، وعنوان التدبير، ونهاية المطاف...
ومعلوم أن العهد السليماني بالمغرب استمر أكثر من ثلاثين سنة، وأن هذه المدة شاهدت تقلبات سياسية، كما شاهدت تقلبات طبيعية... خصبا وجدبا... وكل ذلك له انعكاس على الحياة العامة في المغرب... وكان السلطان مولاي سليمان حاضرا بشخصه وإشعاعه في كل موقف ليتخذ التدبير  المناسب في الوقت المناسب، وليخرج من الأزمات بالحل المناسب...
ويأخذ الكلمة منا هنا المؤرخون المعاصرون ليفصلوا الحديث عن القضية المعروفة بقضية تلمسان، والمهاجرين من التلمسانيين، وكيف طوى مولاي سليمان صفحتها بذكاء وشهامة ونبل وسياسة... كانت منقبة من المناقب ومفخرة من المفخر.
كما يفصلون الحديث عن المساعدات التي قدمها مولاي سليمان لأقطار المغرب العربي الثلاثة التي كانت معرضة لهجمات وحصرات بحرية بسبب ما فجرته حروب نابليون في اروبا وحوض البحر الأبيض المتوسط، وكانت هذه المساعدات تشمل الأقوات، والسفن والدعم السياسي والدبلوماسي، وثائق ذلك متوفرة لمن زار قسم السجلات والمستندات في مكاتب مغربية وغير مغربية.
ويزخر العهد السليماني بخصب علمي وأدبي صار فيه العلم  سمة متجلية في المجتمع المغربي في المدن والقرى ومرافق الدولة ووظائفها، كما صار الأدب شعرا ونثرا سمة متجلية في المناسبات والمراسلات والمؤلفات والمجالس المنعقدة لدراسة الموضوعات المتعددة، وكثيرا ما تكون هذه المجالس منعقدة تحت رئاسة مولاي سليمان نفسه، وهو الذي أظهر كفاءته العلمية قبل الجلوس على عرش المغرب وبعد جلوسه، وقد شهد له ذلك أعلام مشهورون، وكما شهد بذلك له ما كان يقدمه من إجابات وإرشادات وانتقادات موضوعية في المجالس العلمية التي يترأسها في مراكش وفاس ومكناس ويغيرها من مدن المغرب.
ولا ننسى أن العهد السليماني في الناحيتين العلمية والأدبية والملامح الفكرية، كان استمرارا طبيعيا لعهد سيدي محمد بن عبد الله، وأن هذه الثمار من تلك البذور...
ومن المصادفات التاريخية التي حدثنا عنها شيخ الحركة السنوسية أبو عبد الله محمد بن علي السنوسي (دفين جغبوب) أنه انتقل إلى فاس، وكان من طلبة القرويين في العهد السليماني، واستمر طلبه للعلم هناك سنوات طويلة لازم فيها دروس :
- حمدون ابن الحاج
- والطيب ابن كيران
- وإدريس الراقي
- ومحمد اليازغي
وغيرهم من أعلام ذلك العهد الخصب بالأساتذة والمدرسين والمؤلفين...
كما أن الشيخ أبا العباس التجاني التجأ إلى السلطان مولاي سليمان بفاس فأحاطه بهالة من الإكرام والتقدير، فصل المؤرخين جوانب منها... كما فصلوا خطوات مسيرة الطريقة التجانية غرب إفريقيا.. فإشعاعات مولاي سليمان كانت تحركها سياسة اقتنع بجدواها لمد الجسور... إفريقيا ... وعربيا... وإسلاميا...
أما الجوانب الأخرى من السياسة الخارجية المتعلقة بدول أوربا والبحر البيض المتوسط، فإن الزوابع التي أحدثها حروب نابليون، والصراعات المتعددة الجوانب التي خاض غمراتها من موسكو إلى مدريد... ومن القاهرة إلى عكا، جعلت مولاي سليمان محط أنظار المتصارعين الأقوياء منهم والضعفاء يطلبون التحالف والمعونة والدعم... ولاسيما ما يرجع للأقوات والسفن، وتجهيزاتها، والمعدات المعدنية والنباتية.
فكان ملك المغرب يدرك أن هذه الحروب التي امتدت رقعتها من أروبا إلى آسيا وإفريقيا، لا ناقة له فيها ولا جمل، لاسيما وقد بدأت تسفر عن وجهها، وتصيب لهيبها أقطارا إسلامية وتحاصر أخرى.
لهذا تملص من التحالفات... ولكنه راسل وأجاب واستقبل المندوبين والمبعوثين في حدود اللياقة السياسية، شارحا وجهة نظر المغرب في التزام الحياد الإيجابي بمعناه في ذلك العهد، الشيء الذي أثار حفيظة المؤرخين الأجانب حين كتبوا عن العهد السليماني ما كتبوا ، فسموا الحياد تزمتا، والابتعاد عن الخصومات تعصبا، لأنهم كانوا ينظرون على عادتهم بمنظار غير المنظار الذي ينظر به المعنيون بالأمر إلى الأحداث الجارية، وظلت إشعاعات السلطان مولاي سليمان في الأحوال الداخلية، والأحداث الخارجية إشعاعات ملهمة تدل على أداء رسالته بصدق وأمانة وذكاء، كما تدل على قدر وافر من الابتكار والاجتهاد لمجابهة الأحداث أكثر من ثلاثين سنة...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here