islamaumaroc

منطق الحضارة والآداب في مغرب الوحدة والشباب

  محمد محمد بنيعيش

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

أولا : مصير الحضارات وخصوصيات الاستمرار المغربي :
1 – لكل حضارة خصوصياتها، ولكل وطن لغته، ولكل جيل لهجته، بل لكل درب صيغته...
تلك هي القاعدة العامة التي تحدد صلة الحضارات والشعب ببعضها، سواء على مستوى التسلسل التاريخي التفريعي، أو على مستوى المجاورة المكانية والزمانية، إلا أن هذا التسلسل أو المجاورة قد يأخذ صورتين بحسب المرتكزات الحضارية لهذه الأمة والشعب أو ذلك. وهما : إما صورة الاستمرارية والتطور الامتدادي الذي لا يستقل فيه النوع عن الأصل، كخضوع للدورة الزمنية التي تشكل ذلك الأصل بحسب تموضعه التاريخي والمكاني، وإما أن يأخذ صورة الاندثار وانهيار أصل هذه الحضارة أو تلك، بحسب نوعية ارتكازها إما أن يكون حضاريا أو لا يكون، بحسب المقاييس والمعايير التي تقاس بها الحضارات.
وعلى هذا، فلقد اندثرت دولة الفراعنة، ولم يبق منهم سوى الأهرام الدالة على موتهم وفنائهم حضارة وآدابا، لأنهم لم يحترموا الأخلاق، ولم يعطوا للإنسان الشريف اعتباره، فداسوا الكرامة، وقتلوا الرجال، واستحيوا النساء...فبنوا على أنقاضهم وأعراضهم الأصنام والأهرام، وحاربوا رسول الله وأنبياءه، فكانت عاقبتهم أن دمروا على يد أولئك المستضعفين أنفسهم، وبادت وحدتهم المزيفة، وانكسرت شوكتهم، وتفككت دولة الروح وانكسر صليبها، بعد ما حاربت دعوة الحق والصلاح، وآثرت الركون إلى تقليد التحريف والتزييف الذي اختلقه أهل الدجل والنكران في حق رسالة السيد المسيح، فافتروا وهم التثليث، وألهوا المخلوق بجانب الخالق، فضلوا وأضلوا، ثم لجأوا بعد ذلك إلى استعمال السيف لتحقيق الظلم والحيف، فقننوا قوانينهم على أساسه، وتفقهوا في سبله ومسالكه.
وتصدع إيوان كسرى بفارس، لأنه كان مبينا على دخان من نار، ينطفئ بانطفاء موقده، ويغيب بغياب مشعه.
فبعد الهيمنة والاستفزاز لأهل المواثيق والاعتزاز، وبعد الإخلال بشرط الاستمرار المؤسس على حسن الجوار، واحترام من وراء الجدار. تفتتوا تفتت الهشيم اليابس عندما تذروه الرياح. فكانت القادسية امتحانا لنارهم الضعيفة التي لا تستطيع حماية وجودها وشعلتها عند هبوب الرياح والصياح.
وهكذا  حينما نستعرض دول ما قبل الإسلام أو بعده نجدها كلها تتسع لتضيق وتتوحد، لتتفتت وتتشرد، لأنها فقامت على أساس المظالم والمفاسد، واحتقار الإنسان وسلبه أبسط حقوقه، ولهذا كان مآلها العام كما يصف الله سبحانه وتعالى نماذج منه في قوله الكريم :"ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد وثمود الذين جابوا الصخر بالوادي وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد فأكثروا فيها الفساد فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد". (1)
لكنه ببعثة الرسول صلى الله عليه وسلم وقيام دولة الإسلام في تأسسها على الحق والسلام، سيعرف العالم تصورات جديدة للحضارة وتقعيدا راسخا للآداب والأخلاق، تجمع بين الشعوب جمع القوالب والقلوب، وتتوحد الكلمة برابطة الحبل المتين، وليس بخيط العنكبوت المهين، لأنها مؤسسة على عقيدة التوحيد والمحبة، إذ لا محبة بدون توحيد، كما أن التوحيد هو أصل المحبة. لأن التوحيد يوصل للوحدة، والوحدة لا تتم إلا بتناسب الأجزاء وتألفها لإعطائها القبول في المحبة، والمحبة هي تجاذب وتلاحم واتحاد على مستوى المعنى أو المبنى. وفي هذا جاء أمر الله تعالى بقوله :"واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون". (2)
وبهذا الخطاب المتضمن لعناصره توحدت الأمة الإسلامية، وتأسست دولتها على عقيدة التوحيد والعدل والمحبة، وعلى سلوك الفضيلة وحسن الخلق، فعوضت عصبية القبيلة والنسب المحض بعصبية الدين والنسب المتخلق، وحضارة الأهرام وأبي الهول بحضارة المساجد والزوايا والمعاهد والمنتديات العلمية والأدبية والمستشفيات الصحية، وعوض النحت على الحجر لرسم الخلاعة والبطر بالتخطيط على الكتب والأسوار لنشر آيات الله البينات، وترسيخ فن الأخلاق والأذواق.
فانطلق المسلمون بلغة الوحدة والمحبة ينشرون الفضيلة، ويؤسسون الحضارة في شتى بقاع العالم، فكان المغرب آخر محطة مركزية وأبرز هدف في توصيله كلمة الحق والوحدة، لأنه كان مستهدفا بالأصل النبوي الكريم، خطابا ونسبا واستيطانا، كما ساهم في ذلك ما عليه إشارة الحديث الشريف في قول النبي صلى الله عليه وسلم :"لا يزال أهل المغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة". (3)
2 – وهذا الاستهداف بالإشارة النبوية كان له أثر كبير على تأسيس دولة المغرب، وترسيخ حضارته ترسيخا إسلاميا روحيا أصيلا ومستقرا، كما سيترجمه عمليا أهله على مستوى السياسة واللغة والفقه والكلام والسلوك، حتى إننا نجد على مستوى الفتح الإسلامي الأول أن عقبة بن نافع الفهري حينما وصل إلى مدينة آسفي أدخل قوائم فرسه في البحر وقال لأصحابه:"ارفعوا أيديكم" ففعلوا وقال : "... اللهم إني لم أخرج بطرا ولا شرا، وإنك لتعلم أننا نطلب السبب الذي طلبه عبدك ذو القرنين، وهو أن تعبد ولا يشرك بك شيء، اللهم إنا معاندون لدين الكفر، ومدافعون عن دين الإسلام، فكن لنا ولا تكن علينا يا ذا الجلال والإكرام". (4)
وتقول بعض الروايات أنه لما أدخل قوائم فرسه في البحر كان يؤكد أن حملاته الجهادية لم تكن ذات هدف استعماري واستيطاني على وجه الاحتلال، وإنما هي دعوة إلى الإسلام الذي يساوي بين المسلمين، عربا كانوا أم عجما، ولا يطلب منهم سوى الرضوخ للحق والعدالة، إذ لو كان هدف المسلمين الأوائل استعماريا لما توغل عقبة بن نافع في مياه الأطلسي، ولما صرح في دعائه كما نقل عنه ما معناه :" اللهم لو أني كنت أعلم أن وراء هذا البحر يابسة فيها أناس مكلفون لخضته جهادا في سبيلك حتى تعبد وحدك لا شريك لك".
كما أنه لو كان الغرض استيطانيا لما عاد عقبة بن نافع لتوه من حيث أتى، تاركا وراءه خيرات المغرب  ومواقعه الجغرافية التي قد لا تتوفر للخليفة نفسه.
وعلى هذا، فالفتح الإسلامي في المغرب كان فتحا أخلاقيا وحضاريا، ولولا غدر كسيلة الأوربي مما أدى لى استشهاد عقبة بن نافع لما حدث ما حدث بعد ذلك من الفتن، إذ كان لردة كسيلة عن الإسلام أسوأ الأثر على استتباب الأمن حتى دارت بينه وبين الوالي زهير بن قيس حروب طاحنة سنة (69 هـ/689م)، سواء حول مدينة القيروان أو في شرق المغرب قرب وادي ملوية، حيث لاذ الأعداء بالفرار إلى قلاعهم الجبلية..".(5)
وفي نفس السنة قاد حسان بن النعمان الغساني حملة جهادية قوامها (40 الف) مقاتل نحو مدينة قرطاجنة... فاقتحمها... ثم بعد ذلك توجه صوب قبائل اجراوة والبتر التي كانت تحكمها امرأة : الكاهنة داهيا البترية الزناتية، ويقول ابن خلدون عن إجراء الكاهنة في محاربة المسلمين :"...وخربت الكاهنة جميع المدن والضياع، وكانت من طرابلس إلى طنجة ظلا واحدا في قرى متصلة، وشق ذلك على البربر، فاستأمنوا الحسان فأمنهم، ووجد السبيل إلى تفريق أمرها،
وزحف إليها وهي في جموعها من البربر فانهزموا، وقتلت الكاهنة بمكان البئر المعروف بها لهذا العهد بجبل أوراس، واستأمن إليه البربر على الإسلام والطاعة، وعلى أن يكون منهم اثنا عشر لف مجاهدين معه، فأجابوا وأسلموا وحسن إسلامهم، وعقد للأكبر من ولد الكاهنة على قومهم من اجراوة وعلى جبل أوراس...". (6)
ومن هذا العهد، وخاصة بعد استخلاف حسان بن النعمان بموسى بن نصير في سنة 77 هـ كثرت أعداد العرب في المغرب من أجل الدعوة إلى الإسلام، والمرابطة للجهاد (7) في سبيل الله. خصوصا بعد الانتصارات التي حققتها في الجزيرة الإيبيرية جيوش طارق بن زياد في (92 هـ/711 م) وموسى بن نصير في (93 هـ/712 م). (8)
3 – ومن خلال هذه الأحداث المقتضبة جدا يتضح أن العرب المسلمين الفاتحين قد كان تعاملهم مع المغاربة البربر تعاملا أخلاقيا وحضاريا، وان استقبال البربر لهم كان على العموم يتسم بالترحيب وقبول الدعوة الإسلامية، باستثناء بعض الشواذ الذين لم يفهموا قصدها في بداية الأمر، بحيث، كما يذكر الناصري، أن الإجراء الذي تصرفت على إثره الكاهنة كان ظنا منها أن العرب تحركهم أطماع مادية دنيوية، ولا يمكن صدهم بصفة نهائية إلا بهذه الوسيلة. (9)
كما يكون من الواجب القول بأن الدخول الإسلامي إلى المغرب كان دخولا حضاريا وأخلاقيا، خاليا من كل تخريب، وإنما التخريب جاء من تولي امرأة ممسوسة ومهووسة لأعلى منصب في البلاد، وهذا ما لا يتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية، ولا يطابق طبيعة البنية الجسدية والنفسية والاجتماعية للإنسان الذي كان الرجل دائما يمثل القوامة على المرأة : بنية ووظيفة.
ومن مظاهر هذه الأخلاقية الحضارية عند المسلمين الفاتحين هو تقليد ابن الكاهنة الإمارة على قومه من اجراوة وجبل أوراس كما مر بنا، كما كان من عناصر الوحدة التي أخذت تضرب جذورها في المغرب هو توليه طارق بن زياد البربري قيادة جيش عرمرم لم سبق له أن اجتاز الحدود المغربية، وخاض يمخر عباب البحر نحو الأندلس، إذ كيف أمكن تقليد هذا القائد المحنك هذا المنصب وتسليمه قيادة جيش يطيع أوامره ويأتمر بها، فهو إما أن يسعى في نجاته وانتصاره وإما أن يخوض في هلاكه وتدميره؟
العقل يقول بأنه لا يمكن تقليد هذا المنصب الخطير لصاحبه إلا بعد التأكد العميق من وجود اطمئنان كبير إلى ولاء القائد، وإيمانه بالوحدة الدينية، التي هي أساس الوحدة الوطنية عند المسلمين، والتأليف بين القلوب والأجساد معا، كما أن هذه الوحدة الدينية أعطت بالضرورة وحدة لغوية أدبية التزم بها القائد كما التزم بها العامي، وقد تجلت هذه الوحدة اللغوية والرسوخ الأدبي العربي في وعي المغربي المسلم بصورة خاصة عندما ألقى طارق بن زياد خطته على الجيش المسلم بعد اجتيازه البوغاز، ووطئه بجبل طارق الذي حمل إسمه كشاهد جغرافي على رجل تاريخي، وحد الإسلام قلبه وسيفه، ووحد لغته ووطنيته... وهي خطبة بليغة ومحفزة بأسلوب أدبي، تزينه لغة الإيمان بالله تعالى والثقة به، مما أضفى على كلماتها شجاعة أدبية : صيغة ومضمونا، ونثرا سجعيا جميلا صادقا، ما زال الأدباء المفكرون والعامة من المهتمين بالتاريخ يرددون مطالعها على شكل حكم، واسترداد تاريخي لأمجاد المغرب الموحد.
ثانيا : الحضارة المغربية بين أصالة التأسيس ووحدة التاريخ :
1 – وكاختزال للتاريخ فإن المغرب بهذه الوحدة التي انطبعت فيه على صورة الفتح الإسلامي الأول سيصبح مأمنا لأهل الحق وأولياء الله الصالحين، كما أنه سيصبح محط أنظار أهل البيت من العلويين.
ذلك لأن المغرب بقي بعيدا عن التأثر بالشعوبية العرقية التي أخذت تطفو على الساحة السياسية والاجتماعية والثقافية في العهد العباسي، وخاصة من جانب أهل فارس ومن والاهم، مما سيؤدي إلى إقصاء العلويين من تسلم زمام القيادة بعدما كان التعاون قائما بينهم – أي العلويين والعباسيين – لإزاحة ظلم الأمويين وسطوتهم. لكن شجع السلطة سيطغى على العباسيين بإيعاز من الفرس لحاجة في نفس يعقوب قضاها، إذ سيستأثرون بالسلطة امتدادا ونقضا للاتفاق المبدئي الذي كان بينهم وبين العلويين على سبيل الاجتهاد الناقص مما سيدفع بهؤلاء الأخيرين إلى المطالبة بحقهم، فكان بعد ذلك أن تحول الإخوة إلى أعداء، فأهدرت بسبب هذه المنافسة الدماء، فكانت "موقعة فخ" التي انهزم فيها العلويون، فر بعدها إدريس الأول متجها نحو المغرب، حيث استقبل بحفاوة بالغة وبتقدير كبير ينم عن وعي الشعب المغربي بقيمة أهل البيت، ومؤهلاتهم الروحية والأخلاقية للعمل على توحيد الصفوف، وجمع كلمة المسلمين، لما يتمتعون به من عصبية دينية مدعمة بعصبية نسبية مستخلصة من العصبية الأولى ومرتكزة عليها.
ولقد كان إدريس الأول واعيا بهذا البعد الذي تمثله العصبية الدينية والنسبية، فما كان منه إلا أن وثق روابط الوحدة بين عناصر الشعب المغربي من خلال وصل النسب العربي بالنسب البربري بلغة زواج شرعي تم بين المولى إدريس الأول العربي والسيدة كنزة البربرية، فتوحد من خلاله الدم العربي بالدم البربري، واندمج النسب البربري بنسب أهل البيت مصاهرة، مما ساهم في تكريس وحدة الشعب المغربي عبر التاريخ، بحيث ستعرف المؤسسات الاجتماعية والسياسية في المغرب بعد ذلك تسلسلا نسبيا محفوظا تتعاقب من خلاله السلالات المغربية على شكل دول موحدة، دينيا ونسبيا ووطنيا ولغويا، يتعاقب عليها العرب والبربر تعاقبا يصعب فيه التمييز بين العربي والبربري، إذ انصهر هؤلاء وأولئك في بعضهم انصهار الذهب في الفضة، أو ذوبان الثلج في الماء.
وحتى حينما نستعرض الدول التي تعاقبت على حكم المغرب باختلاف ألقابها فإنها في الحقيقة ليست سوى صور تاريخية لعملة واحدة موحدة، فالأدارسة، ومن جاء بعدهم مم المرابطين والموحدين والمرينيين والوطاسيين والسعديين والعلويين، كل هؤلاء وأولئك ليسوا سوى مظهر من مظاهر الوحدة المغربية، ظهرت أسماؤهم وتلونت تجديدا للحفاظ على استمراريتها وترسيخها.
وكمثال على ذلك، مؤكد لقولنا هذا، هو ما يمكن استخلاصه من كلمة "دولة الموحدين"، التي قامت على استرداك خلل المرابطين، إذ أن "دولة الموحدين" كانت امتدادا لدولة المرابطين بوجه من الوجوه إصلاحيا بعدما كادت تهتز الوحدة المغربية، وتعجز السلطة المرابطية عن بسط نفوذها للحفاظ على كمالها، وهكذا قامت "دولة الموحدين، مرتكزة على أساس ديني توحيدي، ترتب عنه توحيد الوطن، والحفاظ على استقلاله، كما فعل قبلهم المرابطون مع الزيريين، بل كان هدف الموحدين أبعد من هذا، وهو محاولة توحيد العالم الإسلامي من خلال توحيد مذهبيته وإنقاذه من الصراع المترتب عن اختلافها. (10)
ولهذا يمكن القول : بأن مبدأ الوحدة في تاريخ المغرب مثل عنصرا متجذرا عبر كل مراحل التاريخ المغربي الحضاري، وذلك على مستوى علمي وعملي تطبيقي، فكان من مظاهر سعي المغاربة التاريخي نحو الوحدة، والتزامهم بمبادئها، هو أنهم لم يجرؤوا على التلقب بلقب "الخلافة" مادامت توجد خلافة واحدة تجمع المسلمين، ولم يظهر مصطلح "الخلافة" ومعانيه عند المغاربة إلا في فترات دقيقة، إما أن الخليفة الرسمي كان قد فقد دوره، فاستدرك بتلقيب المؤهل له حتى لا يضيع معنى الخلافة، ويصبح رمزيا ومناقضا لمهامه، كما فعل (المهدي بن تومرت) عند تنصيبه لعبد المومن بن علي وتلقيبه بأمير المومنين.
وإما بعد أن زالت الخلافة أو كادت، فكان لا بد أن ينصب من يملأ هذا المنصب الشاغر حتى يبقى المسلمون محتفظين بأصالتهم السياسية ذات البعد الوحدوي في شتى المجالات، بحيث قد ترسخ هذا اللقب التاريخي بالتنصيص عليه في الدستور المغربي الذي قدمه جلالة الملك الحسن الثاني للاستفتاء، وتبناه الشعب بأغلبية ساحقة وجلاء فصله التاسع عشر بقول "الملك أمير المؤمنين". (11)
2 – فالمغرب بتأسيس وحدته على عصبية الدين والنسب واللغة والوطن استطاع أن يقف في وجه المد العباسي في بعده السياسي والسلالي المحض، والمد العثماني في بعده الشعوبي واللغوي الصرف، والمد الغربي في بعده الاستعماري الإمبريالي الماكر. وبهذا الصمود استطاع أن يحافظ على هويته الحضارية والثقافية والمذهبية، بل استطاع أن يحافظ على دورته التاريخية السليمة في التحلي بلباس الأصالة التأسيسية لدولته الأولى، رغم ما تعاقب على حكمة من الدول التي لا تخرج من دائرة أصالته الدينية واللغوية والنسبية.
ولهذا، فالدول المغربية عبر التاريخ هي دول أصيلة، وليست بدول لقيطة لا تعرف تاريخها ولا نسبها ولا مركزيتها، ومن جميل الملاحظة على الدورة التاريخية للدولة المغربية أنها ابتدأت بالأصالة النسبية، وعادت إليها كآخر محطة تاريخية عرفها المغرب في صورته السياسية والاجتماعية، إذ أن تأسيس الدولة المغربية الأولى كان علويا نسبة إلى  أحفاد علي كرم الله وجهه، وقد شخص هذا التأسيس إدريس الأول وابنه إدريس الثاني، وبعد المد والجزر التاريخيين ستعود الدولة المغربية إلى نفس النسب وهي الدولة العلوية كوارث حضاري ونسبي لنمط الدولة المغربية التاريخية التأسيسية. وقيام الدولة العلوية بمرتكزها الديني، وعصبيتها النسبية، وتواصلها اللغوي، سيكون المساهم في تحقيق الوحدة الوطنية المغربية، والصمود في وجه المد الاستفزازي والهيمني الذي كانت تسعى إليه الدولة العثمانية والدول الأوربية الاستعمارية بصفة خاصة.
ولقد كان السلطان إسماعيل من أبرز المتصدين لهذا المد، وخاصة في مواجهة الأتراك الذين كانوا يجاورون تخوم المغرب على الحدود مع الجزائر. (12)
3 – وبعد توالي امتداد الدولة العلوية في فترة تاريخية عصيبة، وتحديات عسكرية وعلمية مرة تأتي من جانب أوسع دولة في العالم وهي الدولة العثمانية، ومرة من جانب أمكر دول العالم وهي الدولة الصليبية الأمبريالية، الحاقدة على بلاد الحضارة والأصالة، والذي بالأمس القريب كان باسطا نفوذه في عمق القارة الأوربية، سيعرف هذا البلد – وهو المغرب – كبوة عارضة بسبب هذا الحصار الحضاري، وبسبب استنفاذ الجهد والطاقة لتحقيق المواجهة المتكافئة، خاصة وأن العدو الاستعماري سيأتيه من جانب الخلل الذي سببته الدولة العثمانية في التوازن العسكري والموقعي (الاستراتيجي)، إذ لولا اختلال الدولة العثمانية وضعفها، مما أدى إلى احتلال الفرنسيين الجزائر، لما استطاع الأوربيون النفوذ إلى شبر واحد من بلاد المغرب الموحد من جانبه البري، إذ عن طريق هذا الاحتلال استطاع الفرنسيون أن يتمركزوا بكل ثقلهم في الجانب الشرقي على الحدود مع الجزائر لمواجهة المغرب، ما أدى إلى موقعة "إيسلي" التي انهزم فيها المغاربة (29 رجب 1260 هـ/14 غشت 1844 م)، بالإضافة إلى هذا ما طبع المستعمر بطابع التكالب الجماعي التآمري في نزعته الصليبية الأمبريالية لتحقيق الهيمنة العسكرية، وتفتيت الخصم الحضاري وإذلاله، حتى لا تقوم له قائمة فيها بعد كما أن التقدم التقني والصناعي الذي استفادت منه دول الغرب بقسط وافر قد ساهم في تكريس هذه الكبوة، مع العلم أن هذا التقدم ومبادئه العلمية والأخلاقية كان في أصله السليم من تصدير المغاربة عن طريق الأندلس في قرطبة وغرناطة...الخ.
وهذا التقدم الذي ظهر على المغرب تميز باللؤم، ونكران الجميل، والاستبداد العلمي الخالي من الطابع الحضاري والأخلاقي، وهو عكس السلوك الذي ميز المغاربة في تصديرهم للعلم وسخائهم في تعليمه.
ولهذا فالتقدم الذي عرفته الحضارة المغربية كان ولا يزال تقدما أخلاقيا وسلوكيا قبل أن يكون تقدما مدنيا وعمرانيا وتقنيا.
أما التقدم الغربي فهو تقدم استعماري واحتكاري لا قيمة له حضاريا.
ولهذا، فقد كان السلطان سليمان في موقفه بسد الأبواب أمام التسرب لأوربي تحت غطاء المبادلات التجارية والصناعية موقفا حتميا وظرفيا لوعيه آنذاك بخطورة البعد الذي يرمي إليه التعامل الأوربي مع الدولة المغربية في امتدادها الحضاري والتاريخي.
لكنه مع ذلك لم يستطع أن يقاوم التيار مقاومة تامة لأن الحصار العلمي، وتقزيم تبادله، احتكارا من طرف الغربيين، وفجوة الدولة العثمانية بتناقضاتها، الجامعة ما بين التخلف التقني والصناعي المؤدي إلى الضعف العسكري وما بين الرغبة في الهيمنة وبسط النفوذ، كل ذلك جعل المغرب يتعرض لموقف حرج استطاع رغم ذلك أن يقاوم التيار إلى آخر نفس ممكن، رغم ضعف الإمكانيات، وضعف أو غياب المساعدات العربية، والخلل الذي جاءه من خلال ضعف الجيران، وهم الجزائريون بصفة خاصة، لأنه عن طريقهم استطاع العدو أن يتمركز بقوة في أراضيهم وهاجم المغاربة في بلادهم.
ورغم هذا، فالاستعمار الفرنسي أو الإسباني، لم يستطع كلاهما أن يقتحم الجدار  الأمني والصفوف الجهادية للمغاربة إلا تحت غطاء المخادعة الحمائية، علما منه بأن المغاربة لن يسكتوا على احتلاله أراضيهم مهما كلفهم ذلك من التضحيات ومشاق الجهاد "إذ منذ أن أخذت القوات الفرنسية والإسبانية تتوغل في المغرب قبل إعلان الحماية انطلقت الانتفاضة الشعبية المسلحة في عمليات حرب تحريرية امتدت طيلة سبع وعشرين سنة (1907 – 1934)، وواجه الجيش الفرنسي النظامي المجهز بالأسلحة المتطورة وحدات شعبية متفرقة لم تكن تحمل سوى بنادق من صنع قديم، لكنها كانت تغنم في كل معركة من السلاح الذي يتركه الجيش الفرنسي المهزوم ما يساعدها على مواصلة المقاومة، وكان وضع مقاومة المغاربة لاسبانيا لا يختلف عن ذلك في الشمال". (13)
ثالثا : الوحدة والشباب في المغرب على محك الامتحان والمناورة :
1 – وجاءت فترة الامتحان العسير الذي جس به المستعمر نبض الوحدة والشباب في وجدان الشعب المغربي، فقد لجأ المستعمر الغاشم إلى محاولة فك عرى الوحدة الوطنية التي أسسها إدريس الأول، وذلك من خلال إصدار "الظهير البربري" في ظروف غامضة، وتحت ادعاءات وافتراءات مزيفة (ظهير 7 ذي الحجة عام 1348 الموافق 16 ماي 1930 م)، وقد جاء الفصل الأول من الظهير يحيل في عموميته على القضاء العرفي اختصاص النظر في الأحوال الشخصية للبربر من نكاح وطلاق ووصية وميراث، مع أن الشرع الإسلامي حدد أحكامها التي كان العديد من البرابرة المسلمين يطبقونها باقتناع وإيمان، وبذلك يكون تطبيق الظهير شروعا في تنحية الإسلام عن المناطق البربرية، ومنطلقا لزحزحة البربر عن دينهم الذي اعتنقوه عن طواعية منذ الفتح الإسلامي، وخرقا صريحا لمقتضيات عقد الحماية الذي تعهدت فيه فرنسا باحترام وحدة المغرب تحت سيادة السلطان، وبصيانة الدين الإسلامي ومقومات المغرب التاريخية على مدى التراب المغربي بسهوله وجباله. (14)
وعند هذا الحدث المفتعل يتجدد التأكيد على الوحدة الوطنية عند المغاربة، وستتوهج شعلتها فداء بالروح والدم، وتعبيرا بالبندقية والعصا والسكين، إذ بهذه الغلطة السياسية الفادحة التي ارتكبتها الحماية في حق الشعب المغربي وتاريخه الأصيل، توحدت صفوف الحركة الوطنية حول العمل الوطني المشترك بأسلوب الموحد، والتقى في ذلك شباب جامعة القرويين مع طلبة المعاهد الفرنسية وخريجيها، فما دام الفرنسيون قد اختاروا الإسلام بالسياسة البربرية فإن الوطنيين اختاروا السياسة البربرية بالإسلام جزاء وفاقا". (15)
سواء أكان صدر" الظهير البربري" أم لم يصدر فإن اندلاع الثورة التحريرية كان لابد  وأن يتحقق لأن طابع الحرية متجذر في أعماق شباب المغرب تجذرا روحيا دينيا وأخلاقيا أدبيا، وحضاريا تاريخيا، ونسبيا أصيلا.
وعند هذا الحدث الذي كان بمثابة إيقاظ للهمم، وتنوير للعقول، وتحميس للفعاليات الشابة : شباب الروح والجسد، قررت عناصر الزاوية" والطائفة" أن تخرج من عهد السرية، وأن تخوض ضد الحماية امتحانا عسيرا، وبدأت بذلك بين الطرفين تجربة المواجهة أو اختبار القوة.
ومن مدينة سلا انطلقت المظاهرة الوطنية الأولى ضد السياسة البربرية... وتحدد أسلوب التظاهر في اللجوء إلى المساجد لقراءة "اللطيف" جهرا بصوت واحد يجلجل الأسماع، ويهز القلوب والمشاعر، استنجادا بالله سبحانه وباسمه "اللطيف" أن يلطف بعباده فيما حل بهم من بلاء.
ولا يلجأ عادة إلى هذا الذكر بهذه الصفة إلا عند حلول النكبات الكبرى، وكان يتخلل ذكر اللطيف هذا الدعاء الذي أفرزته المناسبة "اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، وأن لا تفرق بيننا وبن إخواننا البرابرة".
وبهذا الأسلوب الروحي الذوقي عمت الحركة مدن المغرب، تضامن فيها الشمال بالجنوب، والشرق والغرب، حتى إنه قد انتظم بالمسجد الأعظم بتطوان اجتماع شعبي ردد فيه اسم "اللطيف" مما جعل السيد التهامي الوزاني الصوفي أحد زعماء الشمال يكتب "أن المنطقة الشمالية تضامنت مع أختها بقراءة "اللطيف" في المساجد". وبهذا الحدث دخلت حركة "اللطيف" التاريخ، وانضاف التأريخ بعامها الذي يدعى عام "اللطيف"..
فكان ذكر الله بهذا الاسم هو المحرك الروحي الأول والرئيسي للجهاد والدفاع عن حوزة الوطن، وحماية ثغره، ومقومات وحدته حتى نال استقلاله بقيادة ملك البلاد محمد الخامس ووارث جلالة الملك الحسن الثاني الذي نهج نهجا قريبا من نهج الذكر باسم "اللطيف" في تحرير أراضينا المغتصبة في الجنوب من خلال تنظيم "مسيرة خضراء سلمية" مؤسسة على معنى روحي، ووحدة دينية كأساس للوحدة الوطنية المغربية، تمثلت في حمل آيات قرآنية بالأيدي، مما أدى بالمتطوعين أثناء المسيرة إلى ترديد ذكر الله تعالى بصيغ موحدة كسلاح أقوى وأسلم لضمان حفظ الله تعالى وحمايته لهم، ولتحقيق الحرية
والاستقلال، فكانت النتيجة استرجاع أقاليمنا الصحراوية دون إراقة للدماء، وبمنطق الحضارة وأخلاق السلم والحرية.
2 – وعند هذه الأحداث الوطنية المجسدة للوحدة المغربية ذات البعد الحضاري والأخلاقي نقف هنيهة لنعبر حول أصالة المذهبية المغربية وعناصرها الراسخة رسوخ الأصابع في الراحتين، والتي ساهمت بشكل فعال في تحقيق الوحدة الوطنية من خلال الإجراء الأول والثاني، أي : اعتماد ذكر الله وآياته مرتكزا أساسيا في تحقيق الوحدة الوطنية المغربية.
فموضع الدعوة إلى الذكر باسم "اللطيف" جهرا وجماعة في صيغة موحدة ينبئ صراحة وبرهانا قويا بأن المغاربة كانت تجمعهم مذهبية روحية معروفة لديهم، ومقبولة لديهم بالإجماع" وهي المذهبية الصوفية السنية في طريقتها التعبدية السلوكية، إن أن الجهر بالذكر الجماعي والاجتهاد في الدعوات لا يحصل ولا يستساغ بشكل اجتماعي إلا عند الصوفية والمنتسبين لهم، والمقلدين لهم، فالتجذر الروحي في وعي ومشاعر المغاربة جعلهم يستجيبون بتلقائية إلى نداء "اللطيف" كسلاح روحي يوظفه الصوفية ومازالوا لحد الآن في المهمات من الأمور، وعلى رأسها الحفاظ على وحدتنا الوطنية والترابية.
والأصالة المذهبية عندنا نحن المغاربة كعامل موحد ومؤسس لحضارتنا، ومجدد لشبابنا، فإنها تتمثل في المذاهب الثلاث التالية وهي :
- المذهب الأشعري في الجانب العقدي
- والمذهب المالكي في الجانب الفقهي
- والطريقة الصوفية الجامع بينهما في الجانب الروحي والسلوكي.
وهذا التقسيم يرتكز على أساسيات ومعطيات تاريخية وعلمية موضوعية توارثتها الأجيال المغربية جيلا عن جيل، في منتدياتها ومدارسها ومساجدها وجامعاتها، ولم يكن يعتبر الفقيه فقيها حتى يحصل هذه المذهبيات الثلاث، الموحدة في وعي الإنسان المغربي المسلم، وهي كما ذكرها عبد الواحد بن عاشر الأندلسي الفاسي رحمه الله  في منظومته بقوله :
وبعد العون من الله المجيد
في نظم أبيات للأمي تفيد
في عقد الأشعري وفقه مالك
وفي طريقة الجنيد السالك
ومعلوم أن منظومة (ابن عاشر) هي منظومة علمية حضارية مغربية كان حفظها ولا يزال إجباريا على كل طالب علم، سواء في جامعة القرويين، أو في المساجد العامة والزوايا الصوفية، كما أنها تدخل ضمن الضروريات العلمية لكل طالب يسعى لنيل الإجازة في العلوم الشرعية.
3 – وحينما نحلل علاقة هذه المذهبيات الثلاث ببعضها نجدها ذات واقع تلازمي لا يكاد ينفصل عن بعضه بعضا وبأي وجه من الوجوه.
- فالمذهب الأشعري دخل المغرب وهو مملوء بشحنة روحية صوفية سنية لأن المهدي ابن تومرت كان تلميذا في هذا المذهب لأبي حامد الغزالي، والغزالي كان أشعريا صوفيا سنيا، ولا بد أن الصياغة العقدية والكلامية ستصاغ بسبب هذا التلازم المذهبي بصيغة ذوقية صوفية متميزة.
- والمذهب المالكي دخل المغرب عن طريق علماء أفاضل نقلوا بصدق مذهبية الإمام مالك رحمه الله، بل اعتبروا من أوثق الرواة عنه كيحيى بن يحيى الليثي الذي لم يشتهر بشيء غير "الموطأ" من كتب الرواية. (16)
والإمام مالك كما يروي عنه على شكل قد يصل إلى حد التواتر أنه قال :"من تفقه ولم يتصوف فقد تفسق، ومن تصوف ولم يتفقه فقد تزندق، ومن جمع بينهما فقد تحقق".
ولجمالية المذهب المالكي وارتباطه الأدبي والأخلاقي بالتصوف أخذ مكانته في المغرب والأندلس بلد الحضارة والعلم والأدب والنظارة، واستمر حضوره إلى يومنا هذا، حيث بقي المغرب البلد الوحيد الذي يحمي المذهب المالكي الأصيل من الذوبان والتلاشي، ويذود عنه بإصدار من أمير المومنين الحسن الثاني، ومن علماء وأولياء المغرب الصالحين، ويتبين هذا الإصدار خاصة في قضايا العبادات، والأحوال الشخصية، وما إلى ذلك من فروع الفقه، ولا أدل على ذلك من صدور طبعات لمنظومة "المرشد المعين على الضروري من علوم الدين" مشروحة، وتحقيق " التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد" لابن عبد البر، وغيرهما من الكتب المالكية التي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بأمر من أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني نصره الله وأيده.
- أما الطريقة الصوفية كمدرسة ومؤسسة تربوية تكوينية للشخصية المغربية فهي أشهر من نار على علم، وأرسخ من شفة على فم، لأن جل العلماء والأوساط الشعبية والحكام المغاربة كانوا يؤيدون الصوفية في مدرستهم التربوية، وكانوا يقتبسون منهم سلوكهم، ويستنجدون بدعواتهم عند حلول المصائب والملمات، وما ذكر "اللطيف" الموحد لمشاعر المغاربة، والشعبة الرئيسية في اندلاع الثورة التحريرية، ووحدة الصف المغربي في مقاومة المستعمر إلا صورة قريبة وجلية كل الجلاء في تأكيد ما قلناه، ولهذا فلم يكن يعتبر بإجازة الفقيه إلا إذا قرأ علم السلوك على النهج الصوفي السني من خلال منظمة (ابن عاشر) وغيرها.
هذا، ولم يظهر الاعتراض على الطرق الوصفية إلا بعد مناورات المستعمر في محاولته تزييف الروح الأصيلة التي كانت تجمع المغاربة عبر التاريخ.
وبكلمات جد مقتضبة أقول :
 إن كثرة الزاويا وتمركزها في كل بقاع المغرب دليل قوي على أن المذهبية المغربية الأصيلة كانت ومازالت – كما ذكرنا- في منظومة ابن عاشر، وهذه الزوايا قد امتدت جذورها في التاريخ إلى عهد التأسيس بقدوم المولى إدريس وامتد حضورها في أعماق الجنوب المغربي حتى السنيغال، إذ أن وجود الطريقة التجانية مثلا، وغيرها من الطرق المغربية في البلاد الإفريقية المجاورة للمغرب كالسينغال ومالي، فيه دليل على أن المغرب عبر التاريخ لم تكن له حدود في جنوبه سوى هذين البلدين، وذلك للحضور المكثف للمغاربة في هذه الأماكن مما يعني أن ما بين المغرب والسينغال كان يمثل كله أرضا مغربية، وبالتالي يؤكد كدليل إضافي مغربية الصحراء وذلك عن طريق الحضور الصوفي المكثف في البلاد المجاورة في الماضي للمغرب.
الخلاصة :
وأخيرا، فإن هذا الحضور الواقعي التاريخي للمذهبيات الثلاث في المغرب يبين لنا أن المذهبية المغربية حضارية بالدرجة الأولى، وأن الفكر المترتب عن الالتزام بها فكر أصيل ومتحرك ومحرك يعرف مركزه ومداه، وليس أنه فكر دخيل، عارض وغامض لا يعرف له تاريخا، ولا منشأ، ولا مأوى، ولا زاوية تأويه، ولا حاضنة مذهبية تحتضنه.
وعند هذا الاستعراض المختصر الذي يجمع بين التاريخ والفكر المغربي، وبين أحداث ماضيه وحاضره، نستخلص أسرار الوحدة الوطنية في المغرب، وندرك لماذا يتشبث المغرب ملكا وشعبا بمنطقه الحضاري : الوحدة والشباب. وذلك لأنه أصيل في عقيدته ومذهبيته وسلوكه ونسبه.
فالوحدة أساسها التماسك البنيوي والوظيفي، والتماسك مظهر للقوة والانضباط والصمود في مواجهة التحديات من أجل الوحدة الوطنية وعناصرها المتماسكة.

 

 

_____________________
1) سورة الفجر، الآيات : من 6 إلى 14.
 2) سورة آل عمران – الآية 1032)
3) رواه مسلم عن سعد بن أبي وقاص.
4) الناصري :"الاستقصاء" ج :1 – ص :82.
5) - الناصري :"الاستقصاء" ج :1 – ص :83.
6) ابن خلدون :"تاريخ ابن خلدون" ج :6 – ص :109-110.
الناصري : "الاستقصاء". ج:1 – ص:91 -92.
7) عبد العزيز سالم :"تاريخ المغرب الكبير". ط 1981 ج2 – ص :256.
8) الناصري :"الاستقصاء" ج:1 – ص :95-96-99.
9) الناصري :"الاستقصاء" ج:1 – ص :91 -92
10) عبد الهادي بوطالب :"ذكريات شهادات ووجوه"... الشركة السعودية للأبحاث والنشر.
11) عبد الهادي بوطالب :ذكريات، شهادات ووجوه" .. ص 117.
12) الناصري : "الاستقصاء" ج:7 – ص :64-64.
13) عبد الهادي بوطالب: "ذكريات، شهادات... ووجوه" ص :33.
14) عبد الهادي بوطالب: "ذكريات"ص :171.
15) عبد الهادي بوطالب: "ذكريات" ص :172.
16) "موطأ الإمام مالك" : رواية محمد بن الحسن الشيباني – دار القلم – بيروت / لبنان ص :24.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here