islamaumaroc

مسجد الحسن الثاني معلم مغربي إسلامي متميز.

  يوسف الكتاني

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

يزخر عهد جلالة الحسن الثاني بالمآثر السياسية الكبرى، والمعالم الدينية العظمى، والإنجازات العمرانية الخالدة، التي ربطت حاضر المغرب بماضيه، وأعطت لهذا العهد ميزته الخاصة، وميزته بسمات بارزة هامة كثيرة نجد في صدارتها :
- إصدار أول دستور بعد الاستقلال.
- نشره التعليم وتأسيسه الجامعات في سائر الربوع والأنحاء من المملكة حتى بلغت اثنتا عشرة جامعة، وغدا المغرب أكثر البلدان العربية جامعات على الإطلاق.
- المسيرة الخضراء التي كانت حدث العصر والتاريخ، والتي حررت جزءا كبيرا من وطننا وأرجعت إلينا صحراءنا بأسلوب سلمي فريد.
- إنجاز مسجد الحسن الثاني الذي يعتبر رابع مساجد الإسلام بعد الحرمين الشريفين، والقدس الشريف، والذي جاء تحفة معمارية وإنجازا حضاريا عز مثيله في عصرنا الحاضر.
فكيف تم هذا الإنجاز العظيم؟
وما هي مقاصد الملك من إنشائه ومراميه فيه؟
وما هي مزايا ومميزات هذا الصرح الإسلامي المغربي المتميز؟
لقد آثرت في هذه المناسبة السعيدة، في ذكرى عيد العرش الذي يصادف الذكرى الرابعة والثلاثين لجلوس جلالته عل العرش المغربي العتيد، أن أقدم نبذة متميزة عن هذا الصرح الإسلامي العظيم، عن مسجد الحسن الثاني الذي كان بناؤه وإنجازه خلال فترة زمنية قياسية علامة بارزة على طموح هذا الملك الرائد، ورمزا كبيرا لبعد مراميه، وسمو مقاصده.

قرار بناء المسجد ومراميه :
إن اختيار هذا الظرف الوطني والدولي لبناء مسجد على هذا المستوى، يؤكد صفة التحدي التي طبعت حياة الحسن الثاني، وقراراته الكبرى، ونجاحه فيها جميعا، اعتمادا على حدسه السياسي الدقيق، وفهمه العميق لدروس التاريخ المغربي خاصة، ومعرفته الكبرى لطبيعة الشعب المغربي، باعتباره شعب ملاحم وبطولات وتحديات، كما يدل على ذلك تاريخنا الطويل قبل الإسلام وبعده، وذلك ليؤكد في إصرار هوية المغرب الإسلامية، وأصالته الدينية العميقة، وليؤكد للعالم أجمع أن المغرب وفي لتاريخه، متشبث بدينه، متمسك بأصالته، وأنه  لا ينبغي بديلا عن دينه وشريعته، مع انفتاحه وتقبله لكل تطور وتجديد في دائرة أصالته ودينه وقيمه، ومن هنا بادر إلى إقامة هذا الصرح الخالد ليكون معلم بلادنا ومعلم الإسلام في العصر الحاضر، وذلك في نفس الوقت الذي يبني فيه السدود، ويفتح الثغور والمراسي، وينشئ المصانع والمعامل، وينشر الجامعات، ويقيم المؤسسات، وليؤكد مرة أخرى، أن بلادنا تعمل من أجل المعاش والمعاد مصداقا لشعار لهذا المسجد العظيم، وهو قول الرسول صلى الله عليه وسلم :"من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة"

موقع متميز وفريد :
إن اختيار مدينة الدار البيضاء لتحتضن هذا المسجد العظيم، اختيار له أبعاده ومراميه، وفي مقدمتها تقدير الدور الخطير الي لعبته هذه المدينة الخالدة في معركة التحرير والجهاد الوطني، وخاصة "كاريير سانطرال" الذي كان عرين المقاومة ومأوى الأسود الذين دوخوا الاستعمار، وليكون المسجد معلمها الكبير، وصرحها الخالد، هذا بالإضافة إلى إقرار إقامة المسجد على الشاطئ بعضه على اليابسة وبعضه الآخر على البحر، استمـدادا من الآيـة الكريمـة "وكان عرشه على الماء" ليؤكد الملك بهذا الاختيار في هذا الموقع الحساس الذي اختير بعناية وتصميم على ساحل الأطلسي، ليطل من الدار البيضاء على بلاد المغرب وأوربا، أنه منرة إسلامية هادفة، وجسر اتصال بين المغرب المسلم وبين القارة الأوربية، وعنوان تواصل الإشعاع الحضاري المغربي عبر الجيران وعبر العالم كله، وشاهد على أصالة بلادنا وتمسكها بدينها وقيمها، وذلك ما يرمز إليه الإشعاع المنطلق من المنارة الشاهقة العالية، ليكون نور إيمان، وشعاع هدى إلى يوم الدين، وهو ما أكده جلالته بقوله :"وليكون المصلي فيه، والداعي والذاكر، والشاكر والراكع والساجد، محمولا على الأرض المطهرة، فأينما نظر وجد سماء ربه، وبحر ربه".

إشراك الشعب ومساهمته في بنائه :
كما نجد بعدا ساميا آخر من أبعاد ومقاصد جلالة الملك، عندما قرر إشراك شعبه ومساهمة أفراد الشعب ومؤسساته في إقامة هذا الصرح الإسلامي الكبير، إذ كان يمكن أن تتكلف أموال الأوقاف بتغطية بنائه والقيام بمصروفاته، ولكنه بادر وأعلن للشعب أنه يريد مشاركته في بنائه فردا فردا، ليكون المسجد مؤسسة الشعب والملك، وليتأكد من جديد هذا التلاحم القائم بين القيادة والشعب، والذي استمر طوال تاريخنا الكريم، مما جعل أفراد شعبنا ومؤسساته ومنظماته تبادر مسارعة إلى تلبية النداء، وإلى التسابق في إقامة هذا الصرح العظيم بهذا التضامن والتآزر مما لم يكن له مثيل حتى تعدت المبالغ المتبرع بها في بضعة أيام مئلت الملايير، وليتبارى أفراد شعبنا بمختلف طبقاته، ويتسابقوا للحصول على شهادات التبرع والاكتتاب لكل فرد من الأفراد والعائلات، حتى تعددت التبرعات بالنسبة للكثير من الأفراد والهيآت على اختلاف الصفات وتعدد الأعمال.

المسجد مؤسسة حضارية متكاملة :
إذا كان جلالة الملك توخى أن يكون المسجد صورة حية ومثالا فريدا لما بلغته الصنائع والفنون في بلادنا من تقدم وسمو، وروعة وأصالة، ولما بلغه الصانع والفنان المغربي من تطور كبير، وتفنن رائع، حتى غدا نموذجا لا يبارى ولا يغلب، وأصبح أعجوبة المباني ومفخرتها بفضل الروعة التي بلغتها أبهاؤه، وحيطانه، وسقوفه، وأبوابه، وسائر مرافقه، وجوهرة مباني، وتحفة مؤسساته.
وهكذا نجد المرافق التي قامت على مساحته الشاسعة التي تضم حوالي مائة ألف مصل، نجدها متعددة متنوعة متكاملة قصد من إقامتها أن يكون مسجد الحسن الثاني مسجدا جامعا لا يقتصر على أداء الصلوات الخمس، وإقامة الجمعة، فقد أقيمت مقصورة خاصة بالنساء تمكينا لهن من أداء شعائرهن وشهود حلقات العلم إلى جانب الرجال، تحقيقا للتكامل بين الجنسين في حياة المسلمين جميعا، ثم هناك المدرسة القرآنية المقامة على شكل هلالي، شرق المحراب تتكون من ثلاثة طوابق تضم قاعات مخصصة لحفظ القرآن الكريم وأخرى للعروض والمحاضرات والندوات، وهناك المكتبة المتخصصة في العلوم الإسلامية ومختلف العلوم الأخرى، ستكون نموذجا فريدا للمكتبات بفضل ما جهزت به من آلات وأدوات تيسر الأمر على الباحثين والدارسين وطلبة المعرفة، هذا بالإضافة إلى المتحف الوطني للفنون الإسلامية الذي تكمل به وتتجمل به مرافق هذا الصرح العظيم حتى لكأن الشاعر العربي يعبر عن ذلك عندما قال :
همم الملوك إذا أرادوا ذكرهــا
من بعدهم فبألسن البنيــان
أو ما ترى الهرمين قد بقيا وكم
ملك محاه حوادث الأزمـان
إن البناء إذا تعظـم شأنــه
أضحى يدل على عظيم الشان
الشعر يخلد هذا الصرح العظيم :
وإذا كان الملك الحسن الثاني قد احتفى بوضع الحجر الأساسي لمسجده في عيد الشباب وسط علماء شعبه، وطلبة الكتاتيب القرآنية، ورجالات المغرب، فإنه توخى تدشينه عند إكماله في ذكرى المولد النبوي الشريف ليؤكد إيمان المغاربة، وكبير تشبثهم بدينهم وتعلقهم برسول الله وآله الأطهار.
إن روعة هذه المؤسسة الحضارية الكبرى، وجلال قدرها، ودقة فنونها، وجميل موقعها، وفخامة إنشاءاتها وإنجازاتها، قد حرك الكوامن من شعراءنا وأدبائنا وفتح قرائحهم، وشحن عزائمهم، فانطلقت ألسنتهم وأقلامهم لاهجة بحسن الثناء، ودقيق الوصف، ورقة المعاني، مما شكل ديوانا كاملا حول محاسن هذا المسجد ومزاياه، وطموح بانيه العظيم.
وقد آثرت هنا أن أختم هذا البحث بنماذج حية من أشعار الشعراء يوم تدشين هذا الصرح الخالد، اخترت منها أربعة نماذج تنويها بالشعراء وتقديرا لإبداعهم، يقول الأستاذ محمد الحلوي في مطلع قصيدته"مسجد القرن" :
بلغت بالعزم مالا تبلغ الهمم
وشدت ما لم تشيد مثله الأمم
هذا البناء الذي أعليت شامخه   
قد غض طرفيه من إجلاله الهرم
شتان من شيدوا للموت أضرحة
ومن بنايتهم قربى ومغتنم
دعوت جن سلميان لترفعه
فبادرت نحوك الأملاك تزدحم
عبأت فيه من الطاقات أمهرها
ودعم العلم في إرساله القلم
أرسيته فوق موج البحر سامقة
قبابه تختفي من حولها القمم
لم يشهد البحر عملاقا بشاطئه
له من الماء – يجري تحته – دعم
ترنو النجوم إليه وهي خاشعة
وينثني الموج عنه وهو محتشم
قد أبرز الفن في أبهائه تحفا
روائعا عز أن يأتي بها حلم
وتقول الشاعرة آمنة المريني في قصيدتها "المفخرة الكبرى " :
الجامع الحسني مفخرة الدنى
عبر الزمان، قريبه والنائي
لم تبن يونان وفرس مثلها
أو يعرب في عصرنا الوضاء
غيطت لها السبع العجائب إذ بدت
تاجا يرصع مفرق العلياء
صرح ثوى فوق المحيط كأنه
عرش تألق فوق صفحة ماء
أو لجة وضاحة قد شدها
"جن الحكيم" لصخرة صماء
ويقول الأستاذ عبد الواحد أخريف في قصيدته "معلمة الإسلام الخالدة " :
بيت بناه أمير المؤمنين على
هدي من الله زلفى واحتساب جدى
ما شاده ملك في مثل روعته
ولا تخيله من شيد العمدا
صرح الهدى يرفع الإسلام مؤتلقا
ويضمن الفوز والعرفان والرشدا
يقوم فوق مياه البحر شامخه
والعرش قام على المياه منفردا
عرش الإله كما التنزيل بينه
والله أصدق من أثنى ومن شهدا
بيت عل شاطئ "البيضاء" هيكله
شطراه قد حملا للسالكين هدى
هذا إلى البر يدعو للفلاح به
وذاك للبحر يهدي كل من وردا
شعت على الكل أنوار الهداية من
منابع الخير لا أحصي لها مددا
ويقول الشاعر المصري محمد التهامي في قصيدته "مسجد الحسن الثاني الجديد على ضفـاف المحيـط ":
يا كل أهل الأرض لو أدركتمو
معنى السلام، فذاك في الإسلام
يا مسجدا شاء الإله قيامه
فهدى يمين العاهل المقدام
وعزائم "الحسن الكبير" عزائم
كبرت عل الإرجاء والإحجام
فأقامه – يسع الورى – أبعاده
مزجت طموح الصحو بالأحلام
قد قام بين الراسيات وفاقها
وغدا بها علما من الأعلام

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here