islamaumaroc

العرش المغربي عرش المفاخر والعز الظاهر

  مبارك الريسوني

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

الكون أشرق، والفرحة عمت بإطلالة ذكرى عيد العرش، التي تخلد تربع جلالة الملك الحسن الثاني على عرش أسلافه الغر الميامين الكرام.
إنها ذكرى ملاحم العزة والكرامة، ترمز إلى النبل، وتختزل تاريخ أمجاد أمة، وتشخص جوهر الوفاء وروح الولاء، وتترجم الحب الصادق، وترنو إلى التحدي، وتتطلع إلى التحديث.
ونسأل الله خاضعين ضارعين لرمز عزنا، وصانع أمجادها ومفاخرها أن يحفظه لشعبه العزيز بالسبع المثاني والقرآن العظيم.
فاللهم أدم الآصرة الواصلة بين الأمة والعرش إلى يوم الدين، وبارك لنا على الدوام في هذه الذكرى التي تتطامن إزائها كل الذكريات.
لكم أشرقت سماؤنا الصافية الأديم بإطلالة ذكرى تربع سبط رسول الله على العرش تهافت الناس لرفع التهاني، وتسابقوا لتقديم فروض الطاعة، وتباروا في الإعراب بكل وسائل التعبير عما يتلجلج في صدورهم من حب صادق مكين أصيل، كما يتنافس الأدباء في التعبير بصدق عن إبراز مشاعرهم، معربين عما يغمر القلب من أفراح، والفؤاد من مسرات، وما يخالج الصدر من ألوان الحب الطافحة بالوفاء الغنية بالولاء.
أحبت الأمة جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله حبا لا مثيل له، ذلك ما تفصح عنه ألوف المساهمات الفكرية، ومثلها من المشاهد والصور الغنية بالدلالات من تأنق في الحفلات التي تقام، ورونقها وبهجتها، هذه المظاهر وغيرها تتعانق والمشاعر لتصوغ لنا لحنا جميلا، ولونا فنيا رائعا يتعذر وصفه، ذلك يشخص لنا الرباط المقدس، والوشائج الربانية، والصلات التلقائية التي تزداد بإذن الله قوة ومتانة بين القمة والقاعدة.
جلالة الملك أمده الله بالنفحات الإلهية، وحفظه بالألطاف الخفية حباه الله بمميزات قلما تجتمع في امرئ، وميزه بخصائص فريدة في كنهها وعبيرها، نادرا ما يجود بها الله على مخلوق مجتمعة : من علم نافع، وحكمة بالغة، ومعرفة خصبة وفكر وقاد، وعبقرية ونبوغ، بات بهما مضرب الأمثال، وغيرة شديدة على المقدسات، وحزم وعزم وإرادة، إذا قال فعل، وحب أصيل لكل الأعمال التي بها روح الإنسانية من بر وإحسان، ولطف وتعلق صوفي بالسلم والسلام، والحق والإنصاف، والاستقامة والمشروعية.
وإن السيرة الحسنية حافلة بالفضائل، وخصبة بالقيم الرفيعة، والمثل العليا التي ينبجس بها روح الإسلام، وهي غنية عن كل تعبير، فلقد أفصح عما يتحلى به من رفيع الأخلاق الضخمة بعبير النبوة الألوف من رجالات الفكر والعباقرة والنابهين في الشرق والغرب على السواء، وتناقلت هاته الانطباعات والمشاعر المعبر وسائل الإعلام، وما فتئت هاته الوسائل تشيد بالسيرة الحسنية، وبالروح وبالإيمان القوي الذي وهبه الله إياه.
جلالة الملك الذي وضع اللبنات الأولى لننتقل إلى عهد جديد، من تشييد صروح للمغرب وقلاعه وحصونه، وإنشاء قواعد صلبة له في شتى المجالات والأغراض : من فكرية واقتصادية واجتماعية وسياسية، يعتبر بلا مراء قائدا محنكا مبدعا ورائدا في كل عمل بناء من شأنه أن يحرر الأمة من التبعية، وينقذها من الوصاية، ويعد من رجالات الحوار والتفتح في العالم، يسعى إلى فتح عهد جديد للبشرية في المعمور، من تواصل نافع، وتعاون غير مشروط لتتغلغل في الأعماق المشاعر الإنسانية في أوصال كافة الخلائق.
إن جلالة الملك المصلح الصالح بهذه الروح يتدرج بالمغرب ليرقى به في مدارج العلم والمعرفة والحضارة والأصالة والحداثة، ولا شك فإن النعم في رحاب هاته البشائر ستتهاطل تهاطل السيل المنهمر على أمتنا بدون حساب، وستغترف الخير.
إن عهد الرخاء والازدهار مقبلان، أليس الاستقرار جدولا له؟ أليس الطمأنينة رافدا له؟ إنا ولله الحمد ولجنا النهضة من أبوابها، وارتقينا في سلم الفضيلة، وأخذنا نشق الطريق بتؤدة واتزان وحكمة وروية للتخلص من المثبطات، والتحرر من الإحباطات نحو الأفضل والأصلح.
إن الحديث عن العهد الحسني الزاهر خصب وغنى معا بالمنشآت، لذا لسنا بقادرين على حصر المجالات كلها التي تشخص لنا العبقرية الحسنية من استقرار المغرب، وإنعام الأمة فيه بألوان الطمأنينة، ومن حدث المسيرة الخضراء، والمعلمة الحسنية بالدار البيضاء، إلى غير ما هنالك من عشرات الأمور الأخرى التي تقوم دليلا على العبقرية والتفرد والسبق، سواء تعلق الأمر بالداخل، أو على رصد كل عمل بناء قام به جلالته، ونهض به منذ تربعه على العرش، إيمانا بأن ذلك يعتبر ضربا من المستحيل.
يكفي أن تتصفح موسوعة الموسوعات الحسنية الجامعة المانعة الشاملة للفكر والعلم والمعرفة "انبعاث أمة" لتضم رؤيتك إلى رؤيتي بكل صراحة موضوعية، وتحكم بأن جلالة الملك منارة شامخة للعلم والمعرفة، تسنم منابر الحكمة، ورجح فيها ببعد نظره، ورؤيته الثاقبة للأمور، تجسدها هذه الملحمة الحسنية، لذا أضحت مصدرا لا مناص منها ولا استغناء عنها لكل الباحثين والدارسين على اختلاف مشاربهم ومذاهبهم ونحلهم واتجاهاتهم وألوان معارفهم، لما تتضمنه من حقائق وإبداعات ومعلومات بناءة نافعة غنية بالإفادات .
وبعد هذه الإطلالة الكاشفة واللمحة السريعة عما يحفل به العهد الحسني من غنى في الأعمال الخالدة الرائدة، وخصوبة في العطاءات التي ما انفكت تدر الخير.
عماذا سنتحدث؟
هل عن جلالته بوصفه المحرر الباني؟
أم هل سنتناول موضوع السلام باعتبار جلالته الأب الروحي له في العالم؟
أم سنتناول موضوعات أخرى تألق بها جلالته، فأضحى بما أبدعه وألهمه الله إياه في قمة القمم بفضل المسيرة الخضراء والمسجد الحسني؟
صحيح، فالله معه يلهمه ويشد أزره، إنه من العترة النبوية، وسبط من الأسباط الفضلاء الأخيار، "إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يوتكم خيرا".
وعلى كل ، فإن عصر جلالته الملك من أرقى العصور في تاريخ المغرب ازدهارا في العمران، وقد سجل التاريخ له صفحات بأحرف من نور، سيظل متربعا بها على الأرائك مع الخالدين، وقد توج ذلك بناء المسجد الحسن الثاني على شاطئ المحيط الأطلسي في أقصى الجزء الغربي من العالم العربي الإسلامي، وفي أقرب بلد من العالم الغربي الذي له أكثر من معنى ودلالة، إنه منارة إشعاع روحي، ومعلمة حضارية إسلامية رائعة، لها قداستها ورونقها وفنها الأصيل تغمر قداستها العالم، وتأخذ بالمجامع.
وإذا كان بناء هذه المعلمة الحسنية مفخرة الأمة الخالدة تعبر بصدق عن تغلغل الروح الإسلامية في المشاعر والوجدان، وتشخص تعلق العرش والشعب بالمقدسات الإسلامية، فإنها تخلد العبقرية الحسنية في مضمار الحضارة والمدنية، ذلك أن مسجد الحسن الثاني تاج قداسة يتجاوز إبداعه القدرات البشرية، إنه آية في الفن المعماري والرونق في عصرنا هذا، إذ لا يمكن لأديب أن يتوفق في التعبير والإحاطة لما حواه هذا المسجد العظيم من ضروب الإبداع والجدة والحداثة والدقة في الزخرف، وإن علا كعبة في مضمار البلاغة والبيان والمعانين لأن وصفه فوق كل صياغة وتعبير، فإذا أذن المؤذن أصغى المحيط، وطأطأ الموج رأسه، وصمت الهدير، وارتفعت السماء السبع :
"كل له قانتون بديع السموات والأرض"
تلك آيات ونفحات تترجمها المشاعر المضمخة بأريج الإيمان، وعبير التقوى، لا يدركها إلا من قذف الله في قلبه نور الاستقامة : "من لم يجعل الله له نورا فما له من نور".
والمغرب اليوم بفضل السياسة الحسنية الرائدة عرف تسامحا، وترسخ ذلك في عمق الأمة، وبدا التعايش قاعدة، ذلك بسبب ما شاهده هذا البلد عبر عصور خلت من حضارات تلاحقت، وتلاقحت وأفرزت لنا ما نشاهده اليوم – والحمد لله والمنة – من تفاهم وألفة ووئام بين الأديان والأجناس.
وتميز كذلك العهد الحسني بمسيرة حضارية ألهمه الله إياها، "إن تنصروا الله ينصركم"، ألهبت المشاعر، وشحذت العزائم والإرادات، وأمدت الأمة بأسرار كان لها انعكاس إيجابي تشخص في مواجهات لضروب التحديات.
والمسيرة حركة تحريرية راقية تغلغلت في أعماقها القيم الإسلامية، لم يكن أحد يتصور في ظرف كهذا طغت فيه العنترية، واستبد به قانون القوة والغاب، هذا الأسلوب في المطالبة بحق مشروع لاستكمال الوحدة الترابية.
ولا شك أن هذه المسيرة في هذا الظرف بالذات لها دلالات، إذ كان حافزا لتوحيد الصفوف، وسببا في تفجير كنوز طاقات إبداعية، مما يسر على المغرب تجاوز مصاعب وتخطي عقبات، ولذلك استرددنا ما ضاع منا، وأخذنا في بناء كل البنيات التحتية والفوقية، ذلك ما أذهل العالم وحير الكل.
إن هذه المسيرة ستظل على مر الأزمان والأعصار مصدر إلهام وقوة تنبجس الخير، وتخفق بالحياة، تتحدى كل مظاهر الاستيلاب والتبعية والاسترقاق.
ومن خلال هذه الإضاءات والشذرات يتضح بأن جلالة الملك يعتبر الأب الروحي للسلام في العالم، يتجنب بحكمته المعهودة الجلية فيه حل المشاكل بالعنف، وهذا ما امتاز به منذ أن قلده الله الأمانة ولو اتسع المجال لتحدثنا عن أدوار جلالة الملك في صنع السلام والاستقرار الدوليين، ولكن يكفي أن نذكر بالإشادات لمعظم قادة العالم بذلك خصوصا السلام الذي يسود في الشرق الأوسط وينعم به هناك الملايين ممن أقلقهم الحذر والترقب والخطر والروع والفتنة، وله مواقف أخرى، لا تقل عن ما قام به في الشرق الأوسط، في إفريقيا والغرب، ناهيك مساعيه الديبلوماسية التي وما انفكت تعطي ثمارها يوما بعد يوم على الصعيد الدولي.
وإذا جاز لي أن قفز على أحداث من الأهمية لأسباب، فلا يمكن إطلاقا  غض البصر عما اعتزمه جلالته من فتح حوار بين السنة والشيعة، إن هذا الحوار من شأنه أن يردم الهوة التي طالما خلفت متاعب لنا نحن في غنى عنها.
الأمة فخورة برمز عزها، وإن احتفالها واحتفائها بهذه الذكرى برصيد حضاري، واحتفاء بمنظومة ثقافية تستوعب كل المفاخر، وتستجمع كل ما من شأنه أن يربط الأمة بأمجادها، الطريف منها والتليد.
إن العرش بالمغرب له جذور ضربت في أعماق القلوب، وأصبح أنشودة سرمدية تنعم الأمة بدفئه، وأريج عطره، وعبيره الذي به يعبق الكون على الدوام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here