islamaumaroc

شخصية المولى إسماعيل وأثرها في تحقيق أهداف الدولة العلوية

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

كان المغرب يشعر في أواخر الدولة السعدية بتمزق في وحدته، وبانتشار الفتن في كثير من أقاليمه، زيادة على احتلال الأجانب لأجزاء من مدنه الشاطئية، فكان لزاما على من يريد إنقاذه أن تكون له أهداف واضحة يرسمها لنفسه، وأن تكون له خطة عمل يستخدمها لتحقيق أهدافه، وذلك ما دعى الشرفاء العلويين إلى الزعامة الكبرى في أوائل القرن الحادي عشر الهجري، وإلى السعي من أجل التمكن من تسيير شؤون البلاد المغربية ومن العمل على الحد من سطوة كثير من المتناحرين داخل المغرب، ولما شعر بو حسون السملالي الذي كان يحكم بلاد سوس ودرعة وسجلماسة بخطر هذه الزعامة تحايل على المولى الشريف بن علي بواسطة عامله على سجلماسة فنقله إلى سوس وأودعه في قلعة بها، لكن ابنه المولى محمد استطاع أن يستميل إليه أهل سجلماسة، فبايعوه  وأعلنوا الثورة ضد عمال أبي حسون، وقويت شوكته بهم، وصار يسعى في توسيع رقعة حكمه، والعمل على التغلب على بعض مجاوريه، وبدا بمحاربة الدلائيين الذين كانوا يسيطرون على مدينة فاس ومكناسة إلا أنه لم يستطع التمكن منهم، فصالحهم، ثم ارتأى أن يتوجه إلى الناحية الشرقية لمضايقة حكام الأتراك، ولإخراجهم من المدن المغربية التي كانوا مسؤولين عليها، واضطر أخيرا إلى إبرام معاهدة صلح بينه وبينهم، ولم تكن هذه السياسة المرنة التي جعلته يوقف الحرب ضد السملاليين والدلائيين والأتراك لترضي أخاه المولى الرشيد لأنه رآها سياسة مخالفة لمقاصد الثورة، غير محققة لأهدافها المثلى، إذ لا معنى للرضا بالتجزئة الوطنية، وبالاكتفاء بالحكم على منطقة من مناطق المغرب مع الإبقاء على الزعامات الأخرى، فإن العلويين لم يثوروا من أجل يحكموا جزءا من البلاد، ولكنهم ثاروا من أجل القضاء على التمزق الداخلي ليستطيعوا بتوجيه القيادة أن ينشروا الأمن، وأن يستعدوا لتحرير ما تبقى من المدن الشاطئية في قبضة الدول الأوربية، وهكذا اتضحت معالم الثورة في نفس المولى الرشيد، وذاعت بين الناس، ولم يكن المولى محمد يرتضي موقف أخيه، ولكنه كان يجامله في حياة والده، وكان المولى الرشيد يعرف حقيقة هذه المجاملة، ويعيش في حذر، وينتظر الفرصة لإبدائها، فلما مات والده سنة 1069 فر هاربا من أخيه، ووجد الفرصة سانحة للإعلان عن رأيه، وللبحث عن مناصرين له وليحموه إذا أعلن عن مناهضته للسياسة التي كانت متبعة والتي أصبحت تقنع بالحكم الإقليمي وبمجارة الأوضاع، ومداراة القيادات المتحكمة في نواحي البلاد، تلك القيادات التي لم تقدر على تعميم الأمن، ولا على تحرير الوطن، ولا على خلق التآزر الكمال المؤدي إلى العزة والرفاهية والاستقرار، وعصب به جماعة من الأعراب في شرق المغرب، فبايعوه، ولما علم أخوه بذلك أقبل بجنوده ليردعه، لكن شاءت الأقدار أن يكون المولى محمد أول ضحية هذه الحرب قبل احتدامها واستعارها، فارتأى الجيش ألا يقاوم، وأن يستسلم للمولى الرشيد، وأن يعلن البيعة له حفظا للمصالح العليا واعترافا بكفاءته، وحسن غيرته على المغرب العزيز.
وبمجرد انتقال الحكم للمولى الرشيد ظهرت الخطة السياسية والعسكرية التي ستنهجها الدولة العلوية، وهي الخطة التي رسمها المولى الرشيد لأخيه المولى إسماعيل، فرباه عليها وأمره بتنفيذها حينما كان نائبا عنه، وأوصاه بجعلها أساسا من أسس سياسته إذا ما انتقل الحكم إليه، وبين له أنها تبنى على نقطتين ضروريتين لازدهار البلاد وتقويتها :
النقطة الأولى: الحرص عل تحقيق الوحدة وعلى نشر الأمن، وتنمية الوعي الوطني.
النقطة الثانية : الحرص عل تحرير المغرب وإنقاذ المدن الواقعة تحت السيطرة الأجنبية.
وبالفعل، فإن المولى إسماعيل قد استوعب رأي أخيه وتمثله تمثلا عميقا، وسعى في تطبيقه، مستغلا في ذلك قوة شخصيته، وسلامة تفكيره، ومضاء عزمه، ووضوح غيرته على وطنه ودينه، بحيث نراه بمجرد إعلام البيعة له بعد وفاة أخيه المولى الرشيد في اليوم الثاني من عيد الأضحى من سنة اثنتين وثمانين وألف توجه بعنايته لمحاربة من تلكأوا في البيعة، ولمواجهة من كان يظن أن المغرب سيبقى على حالته التي كان عليها.
إن بيعة المولى إسماعيل تعتبر مرحلة حاسمة في تحقيق النقطتين السابقتين، كما تعتبر سبيلا من سبل الازدهار المغربي في مختلف المجالات لأن القدرة على التحرير، والسعي في الأمن، من أهم الوسائل التي تساعد على الازدهار الاقتصادي والتجاري، وعلى النماء العمراني.
وفيما يأتي تفصيل الحديث عن موقف المولى إسماعيل من النقطتين السابقتين.
فبالنسبة للنقطة الأولى المتعلقة بالحرص على تحقيق الوحدة، وعلى نشر الأمن، وتنمية الوعي الوطني، نرى أن السعي في توحيد المغرب، وربط أجزائه بعضها ببعض، كان من الأهداف الأساسية في المخطط التأسيسي للدولة العلوية، إلا أن المولى محمد بن الشريف حينما عجز عن تحقيق هذا الهدف، وصار مرنا في قبول الصلح مع الزعامات الأخرى ثار عليه أخوه المولى الرشيد  حسب ما سبقت الإشارة إليه، وبدأ بالعمل على القضاء على أهل زاوية الدلاء نظرا لتخوفه من سلطتهم، كما توجه إلى بلاد سوس، فتغلب على ما تبقى من دولة السملاليين، حين موته تحمل المسؤولية من بعده المولى إسماعيل، وقاوم بعض المتمردين الذين ظنوا أن موت المولى الرشيد سيفسح لهم المجال من جديد، وهنا ظهرت شخصية المولى إسماعيل سواء في حسن تدبيره أو في مقدرته على تنفيذ مخططاته، الهادفة إلى إقرار الأمن ونشر الطمأنينة، وإبعاد كل من لم يع ما تستفيده الأمة من الوحدة والاستقرار.
وتعددت الواجهات، لكن المولى إسماعيل كان أقوى منها، فقد استطاع أن يتغلب على (الخضير غيلان) في شمال المغرب، وحاربه إلى أن ظفر به في تطوان، قتله وقتل معه أولاد النقسيس الذين كانوا يؤازرونه، كما استطاع أن يقاوم ثورة ابن أخيه أحمد بن محرز الذي رفض البيعة، واستولى على مراكش ونواحيها، كما حارب احمد بن عبد الله الدلائي الذي أقام بنواحي تادلا، ظنا منه أنه سيعيد الدلائيين وجودهم، ولم تأخذه في مواجهة الثائرين رأفة، بحيث نجده يقف موقفا قويا ضد ولده محمد العالم حينما دعا لنفسه بسوس عام أربعة عشر ومائة وألف، ووجه إليه من يحاربه غإلى أن ألقى القبض عليه في ربيع الأول من عام ستة عشر ومائة وألف، فنفذ فيه الحد، وقطع يده ورجله من خلاف، وأدى ذلك إلى موته في اليوم الموالي.
إن استعمال القوة كان ضروريا لتحقيق الوحدة وإلا ظل المغرب في تجزئة خطيرة، تضعف قواه وتغري الطامعين فيه، وتبدد جهود العاملين على إصلاحه، وقد مارس المولى إسماعيل هذه القوة منذ شبابه، وقبل أن يعتلي عرش المغرب، أليس هو الذي نفذ حكم الإعدام في ستين رجلا من قطاع الطرق حينما كان نائبا لأخيه بمدينة فاس، فكانوا عبرة لغيرهم، (1) واشتهر بطشه بين الناس فعزفوا عن الجريمة، واضطروا للابتعاد عنها، وحينما تحمل المسؤولية عرف الكل أنهم أمام ملك لا يتسامح للظالمين ظلم، ولا للمنحرفين بانحراف، وشعر المواطنون بأنهم في أمن وأمان سواء داخل المغرب أو خارجه، وحمل رجال الأمن طرفا من المسؤولية، بحيث إذا أخلوا بمسؤوليتهم حوسبوا على ذلك، وعوقبوا على إهمالهم وعدم يقظتهم ومن أجل ذلك أكثر من بناء القصبات والقلاع في مناطق مختلفة من المغرب، وتعهد ما كان منها قبل عصره، وملأها بجنود تكون مهمتهم حماية الطرق وأمن المواصلات، بحيث إذا وقع خلل  في أمن الدولة أو في أمن الناس كانوا مسؤولين عنه بأنفسهم وفي الوقت ذاته، كان كلف أهل كل منطقة بتموين حماة القلاع ليشعر الجميع بالمسؤولية، وليحرص الكل على استتباب الأمن ونشر السلام، (2) ولم يكتف بمراقبة الأمن الداخلي، بل وجه عنايته أيضا إلى أمن مواطنيه خارج المغرب، فكان يرعى مصالحهم، ويعمل من أجل ضمان إقامتهم في الخارج، ويتعهد أثناء موسم الحج طريق الركب الحجازي ليحميه من اللصوص وقطاع الطرق، فكان يزود الركب بالعدة والعتاد ويجعل الرئاسة لرجل حازم قادر على المواجهة والمقاومة، وحفظ مصالح الحجاج، زيادة على تزويده بالمرشدين من الفقهاء وأصحاب الفتوى.
وكان من عادة المغاربة تدوين رحلاتهم  والتحدث عن مسالك الطريق، ومعالم المدن وعادات الناس وقد يكتفي بعضهم بذكر المنازل وتخطيط المراحل، ليسهل على المسافرين من بعدهم اتخاذ أحسن السبل، والتوقي من مخاطر بعض الطرق التي يتوقع الخوف عند سلوكها، ومن هذا النوع رحلة حجازية توجهت من مدينة فاس في عهد المولى إسماعيل برآسة الحاج علي بن محمد الذيب يوم الأربعاء تاسع رجب من عام سنة مائة وألف، وفيها يوجد إشعار بكون الركب الحجازي بعد مروره على طرابلس الغرب وتجاوزها تعرض لغارة بالمكان المعروف بالزعفراني من لدن العرب القاطنين هناك المعروفين بأولاد زيان، الذين استولوا على تسعة عشر من الإبل الحاملة للركب، لكن الرئيس قد توجه بنفسه ومعه عدد من التجار المسلحين إلى شيخ القبيلة المذكورة وأظهر له سوء فعل أفراد قبيلته، فما كان منه إلا أن يعتذر ويطلب العفو وحينئذ مكنهم من أربعة عشر جملا، ووعدهم برد الباقي، (3) وهكذا لم يستطع هؤلاء أن يستمروا على اعتدائهم أو أن يحتفظوا بما اختطفوه لأنهم خافوا من عواقب ما يفعلون.
إن الرعب الذي أدخله المولى إسماعيل في قلوب المجرمين والظالمين ساعد على استتباب الأمن ونشر السلام، وأن القوة الني مهد بها الوحدة كانت سبيلا من سبل الاستقرار والاطمئنان، ولم يغب على عموم الناس أنه رقيب عليهم محافظ على حقوقهم، وأنه ما اشتهر به من بطش إنما هو على من يستحق ذلك، وإلا فهو كريم العطاء، سمح السجايا، حام للمحتاجين والمستضعفين.
وأما بالنسبة للنقطة الثانية المتعلقة بالحرص على تحرير المغرب، وإنقاذ المدن الواقعة تحت السيطرة الأجنبية، فإنه من المعلوم أن المغرب مني بطمع كثير من الدول الأوربية، التي كانت تسعى لاحتلال أراضيه، واستغلال خيراته، وقد عمدت الدولة السعدية إلى محاولة تخليص كثير من الموانئ والمحارس من أيدي الاستعمار البرتغالي، لكنها بعد موت أحمد المنصور لم تستطع مواصلة التحرير، نظرا للاضطراب الذي أصيبت به البلاد، بسبب الحروب التي وقعت بين أبناء المنصور، والتي استغلتها الدول الأجنبية لمصالحها، ولقد تجاوز التخاذل بين الإخوة حده فصار سبيلا من سبل الخيانة، بحيث نرى المامون المعروف بالشيخ قد سلم مدينة العرائش إلى الإسبانيين مقابل مؤازرتهم له ضد بعض إخوته، واضطر أهلها إلى النزوح عنها بعد قتال عنيف، وتألم المغاربة حزنا على فقدها، فلبسوا أحذية سوداء حدادا على فقدها، واحتجاجا على فعل المامون، وواصلوا لبس هاته الأحذية إلى أن أنقذها المولى إسماعيل من قبضتهم في شهر ربيع الأول من سنة ألف ومائة هجرية، وحينئذ خلعوا تلك الأحذية السوداء، وعادوا إلى فرحتهم وشعروا بعزتهم بفضل هذا الملك العظيم، الذي ساعده على النصر جيش منظم قوي أعده إعدادا كافيا، ورباه تربية تعينه على المواجهة، وتقوي فيه روح الشهامة والفتوة، وحرص على أن يجعل الجيش عصبية تربطه به، إما ربطا أسريا أو ربطا دينيا، فمن النوع الأول القسم المكون من أخواله (الودايا)، وأما النوع الثاني فهم (العبيد) الذين جمعهم وفقا للسجل الذي كان يحمل أسمائهم على عهد المنصور، ذلك السجل الذي وصل إلى المولى إسماعيل عن طريق أحد موظفيه المعروف بعمر عليليش، فأمر بمجرد الاطلاع عليه بالبحث عنهم في كل مكان باعتبار كونهم ملكا للدولة، وأنها مسؤولة عنهم وعن تربيتهم، لو لم ير الفقهاء ضررا في القيام بهذا العمل، لكن وقع اختلاف بينهم حينما صار يقحم بعض الزنوج  السود الذين لم تثبت أصول رقيتهم، فقد اعتبر بعض الفقهاء ذلك استعبادا للأحرار من دون مبرر، لكن الذين رأوا أن إدماجهم في الجيش لا يعد تملكا لهم، إنما هو إجبار لجنديتهم لم يروا في ذلك بأسا. (4)
وعلى كل حال، فإن المولى إسماعيل حينما استوفى هؤلاء العبيد أراد أن يرفع عبودية الناس عنهم، وأن يربطها بعبوديتهم لله التي لا فرق فيها بين أبيض ولا أسود، ولا بين شخص عادي وبين الملك الحاكم، فقال لهم وقد أحضر صحيح البخاري أمامهم : نحن وأنتم عبيد البخاري اي عبيد ما يتضمنه من الأحاديث الصحيحة، ومن الأحكام الإسلامية والعقائد، وقع بذلك التزام مشترك يرفعهم من الاعتزاز القبلي على الاعتزاز الديني.
وفكر حين جمعهم في أنهم محتاجون إلى التربية، وأنهم يجب أن يتوالدوا ويتكاثروا عن طريق التناكح الشرعي، وأعد للبنات الصغيرات عريفات بالتربية يلقنهن كل ما يحتجنه من المؤهلات، ليصبحن فيما بعد أمهات صالحات قادرات على رعاية الأولاد وحماية البيت، كما أعد للذكور نظاما خاصا للتربية والتعليم بني في أغلبه على قواعد علمية بحيث يتولى الطفل منذ نشأته كل ما من شأنه أن يقوي فيه الهمة، وأن يربي فيه الطاعة، ويتدرب تدريجيا ابتداء من السنة العاشرة على ركوب الخيل، وعلى استعمال السلاح، والاطلاع على الصناعات المتصلة آنذاك بآلات الحرب، سواء كانت برية أو بحرية. وقد ذكر ابن زيدان في كتابة "الإتحاف" أن المولى إسماعيل كان يرشح مهرة الطلبة العارفين بنسخ الكتب وضبطها وإتقانها أصحاب الخط البارع من فاس ومكناس وغيرهما من العواصم المغربية نسخ كتب الأحاجي والروايات، كألف ليلة وليلة، و"العنترية" سيرة عنترة بن شداد وغير ذلك. ويعدد النسخ ويفرقها في جيشه وكبار عسكره، ويلزمهم بمطالعتها. (5)
وهكذا نرى أن العناية بالجيش وتربيته كانت أمرا ضروريا في سياسة المولى إسماعيل، وأنه كان يوليه من الحزم واليقظة والاستعداد ما يجعله قادرا على المواجهة وعلى حمل السلاح من أجل التحرير، ومن أجل حماية المواطنين.
إنه  بهذا الجيش القوي، العارف بأساليب الحروب، المتأمل في سيرة الأبطال، المتمكن من الشهامة، استطاع أن يحرر كثيرا من المدن المغربية من أيدي الأوربيين، فقد حرر  كما هو معلوم مدينة طنجة والمهدية وأصيلا، وقد ذكرنا من قبل أنه حرر مدينة العرائش.
ولم تكن هاته المعارك التحريرية لتنتهي دون أن تترك مخلفات تقتضي فتح الحوار بين المغرب وبين بعض الدول، من أجل البحث عن الحلول الصالحة، لربط علاقات ودية تحول بينهم وبين الحروب المتواصلة.
وبالفعل، فإن المولى إسماعيل أوفد سفارات من هذا النوع، نذكر منها على سبيل المثال السفارة المشهورة التي توجه فيها محمد بن عبد الوهاب الغساني الوزير إلى اسبانيا، من أجل البحث عن الوسائل العملية لإطلاق سراح بعض الإسبانيين الذين يوجدون في قبضة الدولة المغربية بعد حرب العرائش، وهي سفارة تدل على مدى قوة المغرب في تبريراته، وعلى الروح القوية التي كان يتحدث بها المفوض المغربي في هذه القضية، وعلى اعتماده الأصول قانونية وفتاوى فقهية، وكانت نقطة الخلاف مبنية على الطريقة التي استسلم فيها الإسبانيون،، فهم كانوا يرون أنهم رضخوا للسلم قبل أن تقتحمهم جنود المغاربة، وأما الطرف المغربي فإنه كان يرى أن هذه المدينة قد سقطت عنوة والسقوط العنوي يسمح لأن يجعل جنود الأعداء أسرى أرقاء يتحكم فيهم المتغلب وفقا للنظام الإسلامي في معاملة أسرى الحروب، وكان المولى إسماعيل قد طالب آنذاك مقابل إطلاق سراح مائة أسير إسباني بتمكين المغرب بخمسة آلاف كتاب وبخمسمائة أسير مسلم، سواء كان مغربيا أو غير مغربي، معتمدا في ذلك على فتوى الفقهاء، وحفظا لكرامة المغرب من الإهانة، إذ لم يتلجئ إلى استغلال موقفه القوي في استرداد حقوقه المغتصبة، وفي استرداد الحرية أكثر من الأسرى المسلمين الذين كانوا يعاملون في إسبانيا آنذاك معاملة قاسية مهينة. (6)
ومن هذه السفارات السفارة الودية التي كانت بينه وبين الانجليز في عهد الملك جاك أخي شارل الثاني، فقد وجه المولى إسماعيل لتهنئته سفيره عبد الله بن عائشة، ووفق في اختياره، نظرا لما كان لهذا السفير من علاقة ودية بينه وبين الملك الجديد، قبل أن يتولى عرش إنجلترا، فهو الذي كان قد ساعد ابن عائشة حينما كان أسيرا لديهم على إطلاق سراحه واسترداد حريته. (7)
ومن هذه السفارات السفارة التي وجهت إلى فرنسا من أجل إظهار موقف المغرب من اعتداءاتها الصريحة هذه، وقد أشار ابن زيدان في كتاب "الإتحاف" إلى هذه السفارة التي يستفاد من لهجتها ما كان يتمتع به المغرب من قوة وحزم وصراحة، فهي قد أوضحت كون فرنسا لم تع بعد حقيقة المغرب، وأنها لم تسر في معاملته على النهج الذي اتضح لدى الانجليز والإسبان، فالمغرب دولة قوية لا تسمح لأي كان في أن يستمر على ظلمها أو الاعتداء عليها.
وعلى كل حال، فإن المولى إسماعيل كان بحزمه وقوته خير منفذ للعنصرين السابقين اللذين تأسست الدولة العلوية من أجلهما، وكانت شجاعته من أعظم العوامل في خلق مغرب قوي برجاله، قوي بمبادئه، ولله در أبي القاسم الزياني الذي حاول في كتابه "البستان الظريف في دولة أولاد مولاي علي الشريف" أن يربط سياسة هؤلاء الملوك بسجايا خلقية وعلمية، فاختار للمولى إسماعيل صفة الشجاعة، وقال عنه :"وبالشجاعة أدرك السلطان إسماعيل ما أدرك، وبلغ ما بلغ رحمه الله". (8)
ومن المعلوم أن الشجاعة كما تبدو في الميدان الحربي تبدو في بعد النظر، وفي أخذ القرارات، وفي متابعة الأحداث، وفي رد الفعل، وفي إبداء الرأي، وفي قبول النصيحة، وفي استشارة الحكماء، وفي الخضوع إلى أصول الشرع، وتلك كلها سمات كانت تطبع شجاعة المولى إسماعيل في الميدانين الداخلي والخارجي، وما زال المغرب إلى الآن يلهج بذكرها، ويفتخر بصاحبها ضمن ما يفتخر به من القادة العظام، والملوك الأبطال، الذين أرسوا قواعد مجده، وجاهدوا من أجل تحريره، وتحقيق وحدته.


1) الاستقصا للناصري ج :7، ص : 41 طبعة دار الكتاب.
 ( 2 اقرأ مقال الأستاذ عبد العزيز بن عبد الله حول "القصبات والقلاع الإسماعيلية" بمجلة دعوة الحق 268 سنة 1988.
 3) الرحلة المذكورة مسجلة ضمن الخروم الجديدة بخزانة القرويين تحت رقم 32.
4) انظر مقالا لصاحب البحث نشر بمجلة الوعد الحق – العدد الأول من السنة الواحدة والعشرين سنة 1980 تحت عنوان "تنظيم جيش البخاري في عهد المولى إسماعيل".
5) إتحاف أعلام الناس بجمال أخبار حاضرة مكناس ج:2، ص : 71.
6) انظر بحثنا حول هذه السفارة بأعمال الدورة الأولى لجامع مولاي علي الشريف الخريفية التي أقامتها وزارة الشؤون الثقافية بمركز البحوث العلوية بالريصاني.
-(7  عن إبراهيم حركات من مقاله المنشور بدعوة الحق السنة 12 العدد الرابع تحت عنوان "ابن عائشة أمير البحر في عهد المولى إسماعيل".

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here