islamaumaroc

السلطان محمد بن عبد الله

  إدريس العلوي البلغيثي

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

اضطلع السلطان سيدي محمد بن عبد الله – طيب الله ثراه – منذ اعتلائه عرش أجداده الميامين بمهمة إصلاح المجتمع المغربي من المفاسد التي كانت تعتري كيانه، والأمراض التي تنخر جسمه، وتهدده بالانحلال والتلاشي.
وقد بذل في سبيل هذا العمل الجليل جهودا جبارة، سخر فيها حنكته السياسية الرصينة، وتجربته الرائدة في الحياة الاجتماعية، مستندا في ذلك إلى الشريعة الإسلامية السمحة، وبمصدريها الأساسيين : الكتاب والسنة، ومعتمدا على سعة ثقافته المتعددة الينابيع، والتي اكتسبها بجده واجتهاده، ونماها بممارسته للعلوم والآداب، وهو ما اعترف به في قوله : (1) " إن من أعظم نعم الله علي وأجل مننه لدي أن وفقني للاشتغال بالعلم والبحث عنه والمذاكرة لأهله، وإني بعدما خضت في علم اللغة برهة من الزمان، وحفظت من كلام العرب وأشعارهم جملة صالحة معينة على فهم السنة والقرآن اشتغلت بعلم الحديث".
وأسعفه إيمانه القوي الثابت، وفكره النير الثاقب، وعزمه الوثاب، وشدته في غير عنف، ولينه في غير ضعف، على الصدع بالدعوة إلى الإصلاح.
وسأحاول في هذا المقال استجلاء أسس هذه الدعوة الإصلاحية المباركة من خلال الرسالة (2) العصماء، والدرة الفريدة، التي بعثها إلى عمال المملكة لإذاعتها على الناس، وحملهم على العمل بمحتوياتها.
وهي رسالة جامعة مانعة، تتضمن الحلول الناجعة والأدوية الشافية للأدواء الخطيرة والوبيلة التي كانت تنخر المجتمع المغربي، وتندرج من أركان الدين إلى أحوال الاجتماع ومسألة المعاملات، وتنبني على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، وتتخللها مسألتا الوعد والوعيد.
وتتميز بمنهجها السديد والحكيم، فهي تكشف عن نوع الداء، وتحدد موطنه، ثم تصف الدواء لاستئصال شأفته، والقضاء عليه قضاء مبرما حتى لا يبقى له أثر أو أمارة معينة.
وأول ما بدا به من مظاهر الانحلال الديني، هذه الآفة الكبرى التي أثارت حفيظته، والمتجلية في قوله:"وقد بلغنا ما حدث في العامة من عموم الجهل بالتوحيد وأصول الشريعة وفروعها، حتى ارتكبوا أمورا تقارب الكفر أو هي الكفر بعينه".
وسبب تفشي هذه الآفة اللعينة، في نظر السلطان الصالح سيدي محمد، هو :" خلو القبائل من طلبة العلم العاملين، وقلة المرشد المعين، حتى لا تجد في القرية الكبيرة عالما يرجعون إليه في مسائل دينهم، ونوازل أحكامهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وذلك من تفريط العمال، وقلة اعتنائهم بالدين، والعهدة عليهم".
ويرى – وقد أصاب عين الصواب – أن حل هذه المعضلة لا يتم إلا باتباع العمال هذا الأمر، وهو :" الغبطة في العلم والعلماء، وتقريب أهل الخير والدين، والاقتداء بالأولياء والصالحين، وإعانة النجناء من قبيلتهم على طلب العلم من محله، وأخذه عن أهله، في الحديث :" طلب العلم فريضة".
وينصح المؤمنين والعمال بالتفقه في أمور الدين، وتوعية الناس بها، حتى يصبحوا على بينة منها :"فينبغي للمؤمن المشفق على نفسه عموما، وخصوصا العمال البحث عن دينهم، ومعرفة أحكام ما دفعوا إليه، وقلدوا من أمر رعاياهم، ليسيروا على منهاج الشرع، ويرتكبوا ما ينجيهم مع الله".
وقد نجم عن هذا الجهل بالدين، وبالأخص التوحيد الذي هو قطب الرحى، تهاون العامة بالإسلام، واستهتارها بمبادئه وقيمه، ومن مظاهر ذلك :"التهاون بالصلوات الخمس والجهل بوسائلها : كالاستبراء، والوضوء، والطهارة، والآذان. والصلاة هي عمود الدين وذروة سنامه، قال سبحانه :" وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويوتوا الزكاة وذلك دين القيمة". (3)
ومن مظاهره أيضا التهاون في الزكاة المفروضة :
"وقد حدث فيها من الخيانة والتدليس وتقاعد الناس عليها، والامتناع عن إخراجها إلا بالقهر ما صيرها جباية، وثقلت على العامة حتى صارت مغرما، مع أنها زيادة في الأموال وبركة فيها، وحفظ لها. الزكاة أخت الصلاة، فكما أن الصلاة طهرة للأبدان، الزكاة طهرة للأموال، قال تعالى :"خذ من أمولهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم". (4)
وشمل التهاون صيام رمضان، حيث :"ضيعت العامة حقوقه، وتهانوا بصيامه، حتى لأنه بلغنا مجاهرة بعضهم بأكله من غير نكير، ومن صامه من غير قيام بحقه ولا معرفة بما يصحح صومه أو يفسده، وأكثرهم يصومون ولا يصلون، وفي الحديث :" الصيام جنة ما لم تخرقه"، "من لم يدع قول الزور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (5) وعنه عليه السلام :"من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه". (6)
وأصيب الحج، الذي هو للمستطيع، بتهاون الغافلين، فقد :"سمعت العامة فضله، وجحدوا حكمه، وارتكبوا من البدع والرياء والسمعة ما أفسدوه عليهم".
فالحاج في نظره :"ينبغي له اختيار الحلال المحض لذلك والمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها ومعرفة أحكامه وسننه، وترك المراء والجدال والرفث والفسوق، وحفظ الجوارح من المعاصي، وخصوصا الفرج واللسان. قال الله سبحانه :"فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج". (7)
ويبين مدى التهاون الذي أصيب هذا الركن :" وقد صار اليوم عند العامة لهوا ولعبا، وجل العامة لا يقصد به إلا التسمية بالحاج فقط، ولا يقصد به فرضا ولا غيره، فتجد الرجل يتوجه للحج، من حين خروجه وهو متلبس بالمعاصي، من أكل الحرام، وترك الصلوات، والتهاون بأمور الدين، ولا يعرف ما يأتي وما يذر، ويرجع وقد توجه لفرض فعطل فروضا، ولم يدر مسنونا ولا ومفروضا، "أولئك الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا" (8)
وغفل الناس عن ركن الجهاد في سبيل الله، وتقاعسوا عن القيام بحقه ذودا عن حرمات الإسلام، وحياض المسلمين، وقد حض عليه في هذه الرسالة بصوت دعوته :"فينبغي للمؤمن المؤتمن أن يسمع ويطيع لما أمر الله به من الجهاد، ويستعد بما قدر عليها من سلاح وفرس وجواد، وتعلم رماية وفروسية، ليوجره الله على نيته، ويثيبه على حكم قصده وطويته، قال تعالى :"وأعدوا لهم ما استطعتم" (9) الآية، وليتعلم ما يتعلق به من الأحكام من حسن النية والإخلاص وصدق العزيمة، لتكون كلمة الله هي العليا، ويشعر نفسه تصديق ما وعد الله به من نصر الإسلام وأهله، وخذلان الكفر وشيعته ويعرف حرمة الفرار من الزحف، وما أعد الله لمن مات شهيدا مقبلا، وما أعد الله لمن مات مدبرا، ليكون على بصيرة فيما يأتي وما يذر".
ويؤكد مرة أخرى وبكل قناعة أن :"هذا الجهل الواقع في قواعد الدين إنما هو قلة العلم وعدم مخالطة العلماء وسؤالهم عن مسائل الشريعة المطهرة، فتجد أحدهم بصيرا بأمور معاشه وبيعه وشرائه، جاهلا بأمور دينه واعتقاده، غافلا عن معاده لعدم اعتنائه بآخرته، وقلة نظره في أمور عاقبته، "فإنا لله وإنا إليه راجعون"، (10) وقد عم ذلك حتى صار المعروف منكرا، والمنكر معروفا، والسنة بدعة، والبدعة سنة".
وتكاثرت الفواحش والمنكرات تكاثرا لا مزيد عليه بسبب هذا الجهل الأجهل لقواعد الإسلام الحنيف، والاستهتار بها، والانصراف إلى زخارف الحياة الدنيا، والتهالك بجشع على الملذات، والانغماس في بحرها الفياض الآسن الآجن:"وارتكبت العامة أمورا قريبة من الكفر أو هي الكفر بعينها".
والمخصوص بالذكر من هذه الأمور هو :
1 – فساد البيع والشراء والمعاملات (من أنواع الربا).
2 – فساد الأنكحة والتساهل فيها.. وهذا شبهه من الإلحاد في الدين، والخروج عن شريعة سيد المرسلين.
3 – التساهل في أمر الزنا، والاكتفاء فيمن ثبت عليه بالقبض والذعيرة، وذلك من المنكر الذي لا يرضاه الله ورسوله والمؤمنون لأنه خرق للشريعة، وإبطال لأحكام القرآن.
4 – التساهل في أمر السرقة، والاكتفاء برجوعها وزجر السارق، وهذا مخالف للشرع، مبطل لحكمه الذي هو القطع.
5 – التساهل في أمر الدماء التي شدد الله فيها وأمر بالقصاص.
ومن شأن هذه المنكرات النكراء التي ظهر بلاؤها في البلاد، وعم وبالها العباد، أن تخرب المجتمع الإسلامي، وتقوض أركانه، وتأتي على جميع مقوماته الحضارية، ومكتسباته الروحية، لذلك بادر السلطان سيدي محمد بن عبد الله - قدس الله روحه – إلى تحطيم جدار الصمت، ودعا العمال إلى سبيل ربه، ليتحملوا مسؤوليتهم كاملة أمام ملك يوم الدين سبحانه، وأمامه، لتغيير المنكر ومحو آثاره، ليعود المجتمع إلى سالف عهده، نظيفا طاهرا، خاليا من الشوائب والأدران، يمثل أبناؤه ما وصفهم به الحق سبحانه في محكم كتابه :"كنتم خير أمة للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر". (11)
ومما جاء في نص هذه الدعوة :" فيجب على من ولاه الله أمرا أن ينصح لنفسه ورعيته جهد الاستطاعة، ويحملها على اتباع السنة والجماعة، ويزجر من قصر في دين الله، وخالف أمره، وارتكب ما نهى عنه بقدر معصيته، ويقوم بأمر الله فيهم وطاعته، ويبرأ بنفسه فيحملها على منهاج الحق والشريعة، فإن الرعية على دين رئيسها".
ويلح عليهم في أن يتزودوا بزاد العلم، ويستعينوا بأهل الذكر، ويختاروا الصالح من الشيوخ، فبالعلم تسود الأمم، وتصلح أحوالها، وتنجو من التهلكة، يقول في ذلك :"فحينئذ ينفع تعليمه ويقبل ما يقول، ويلزم كل دوار وجماعة مشارطة طالب علم يرجعون إليهم في أمر دينهم، وتعليم صبيانهم وجهالهم، ويقوم بالأذان والصلوات الخمس في أوقاتها، والجماعة لم تفعل ذلك يزجرهم ويعاقبهم، ويختار أهل الدين الذين يقومون بذلك، ويستعين عليه بالقضاة أهل العلم والعملة الذين يتقون الله، ويتحرون في أحكامهم، ومن ثبت عليه حد من حدود الله  شرعا سيطالعنا به لنأمر بإنفاذ حكم الله فيه، ويشدد على أهل الجرائم والفساد، ويرفق بالضعفاء والمساكين".
ويأمر كل عامل باتباع الشريعة، والتزام حدودها، والعض على أمورها بالنواجذ، والأخذ بمبدأ الشورى :"وليجعل أموره الشرعية للقضاة، ويأمرهم باختيار الشهود أهل العدالة والدين، ليتم له من ذلك ما أراد، ومن ظهرت عليه جرحة في شهادته ينكل به، ويمنعه من الشهادة، لينزجر به غيره، وتجري أمور الشرع، لأن بهم عصمة الدماء والأموال والأنساب، وصلاح الشهود بصلاح القاضي، وصلاح القاضي بالعلم والتقوى والورع ومعونة العامل على تنفيذ أحكامه".
وتنطبع دعوته للعمال بالحكمة والموعظة الحسنة، فضلا عن مسألتي الوعد والوعيد :"فمن قام بهذا من العمال فقد نال رضى الله ورسوله ورضانا، وفاز خير الدارين. فإن بالعدل ثبات الولاية وملاك أمرها، ومن حاد عن السبيل من العمال، وقصر في نصح رعيته، ولم يحملها على أفضل الأخلاق والأعمال، فقد تعرض لسخط الله ومقته، وحلول العقوبة المعجلة به، ولا يلوم نفسه ولا يضر إلا رأسه".
وبهذا التحليل لفصول الرسالة تتضح بجلاء رؤية السلطان الإصلاحية، والتي يمكن تلخيصها في أنه لا صلاح للأمة وخلاصها من براثن الفساد التي تخبط فيها إلا بالعودة إلى ينابيع الدين الإسلامي الحنيف، والأخذ بالكتاب والسنة، والعمل بهما كما أوصى بذلك خاتم المرسلين صلى الله عليه وسلم أمته الحنيفية.
ولن يتم صلاح الدين إلا بتعلم الأمة، وتفقهها في أصول الدين وفروعه، ومعرفتها بالعبادات والمعاملات معرفة تامة تعصمها من الزلات، وتجنبها جميع الآفات، وتحفظها من المكاره، وتسمو بها إلى عالم الفضيلة والمثل العليا.
ولهذا كله اعتنى السلطان الصالح المصلح بشؤون التعليم، وعمل بكل حزم وعزم على نشره في جميع الحواضر والبوادي بمملكته الشريفة، وتعميمه بين جميع أفراد أمته صغارهم وكبارهم، وأسس لهذه الغاية النبيلة المدارس والمكتبات، وأشرف بنفسه على تنظيم التعليم بهذه المدارس وغيرها من المعاهد العليا، وبالأخص جامعة القرويين إحدى منارات الإشعاع الديني والحضاري بالمغرب والعالم الإسلامي.
وأصدر ظهائر ورسائل بهذا الشأن، وألف كتاب "مواهب المنان، بما يتأكد على المعلمين تعليمه للصبيان"، معززا به رؤيته الإصلاحية السديدة للتعليم.
وشجع العلماء على البحث والتأليف، وأحاطهم بهالات من التكريم والتبجيل، معظما بهم سلطان العلم، تحدوه الرغبة الأكيدة في أن يصبح المغرب دولة العلم والعلماء، وهو ما يطمح فيه اليوم حفيده الملك العالم الهمام جلالة الحسن الثاني – أعزه الله ونصره – الذي أولى التعليم في عهده الزاهر اعتناء عظيما جعله في أوج ازدهاره، وذروة نهضته، صادرا في ذلك عن قناعة فكرية صائبة هي أنه لا نهوض للأمة، ولا صلاح لها أو فلاح إلا بنشر التعليم في جميع ربوع مملكته السعيدة، وتعميمه بين جميع أبناء شعبه العزيز، مقتديا نهج جده السلطان الصالح سيدي محمد بن عبد الله العالم المصلح، والحمد لله رب العالمين.

_
1) العلامة ابن زيدان، الإتحاف، ج :3/360.
2) نفس المصدر، ص : 216 – 225.
3) سورة البينة : 5
4) سورة التوبة : 103.
5)  سورة التوبة : 103.
6) صحيح البخاري، باب : من لم يدع قول الزور، ج 3/33.
7) صحيح البخاري، باب : فضل من صام رمضان، ج 3/58.
8) سورة البقرة : 197.
9) سورة الكهف : 104.
  (10 سورة الأنفال : 60.
11) "إنا لله وإنا إليه راجعون" سورة البقرة : 156.
12) سورة آل عمران :110.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here