islamaumaroc

الحسن الثاني وإمارة المؤمنين.

  أحمد مجيد ابن جلون

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

منذ أن تربع جلالة الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين، أعلنها حفظه الله حربا ضروسا على الفقر والتخلف، واللامبالاة وسوء التصرف، فأيقظ الهمم، وأدفأ المعنويات، ودعا إلى شحذ العزائم، والعمل على جعل الطموح في متناول الإنجاز، وفتح باب التآزر على مصراعيه لذوي المبادرات الهادفة والمشاريع الإيجابية، وأعطى لكلمتي القانون والتشريع مدلولهما الحقيقي الذي يجعل منها أداة التفتح والنماء، وسيلة تنظيم المجتمع المغربي التنظيم الذي يضمن الاستقرار والطمأنينة، ويؤدي إلى التآخي والتضامن، والنظر إلى المستقبل بالعزيمة والتفاؤل، ويطبع الأمة بطابع الجد، ويجنبها المواقف العقيمة، والانزلاق المادي أو الخلقي.
لقد أبى جلالته إلا أن يكون المغربي في مستوى التحديات التي تفرضها عليه حتمية المصير الذي يتوخاه، معبدا الصعاب مهما كان حجمها في إباء وعزيمة لا تلين، وتحد يستمد روحه من عبقرية ملكه المقدام، وعناصره من الإرادة الملكية التي أعرب عنها جلالته في أول خطاب ألقاه بمجرد ما بايعه الشعب المغربي على إثر وفاة والده العظيم.
منذ 1961، عاشت أمتنا، ملتفة حول ملكها الغيور على مستقبلها، تلك الملحمة المقنعة الخالدة التي أعطت الدليل على جدوى اختياراتنا، وصفاء نوايانا، وبعد نظر قائدنا، فتصدت لجميع أوجه حياتنا، إلى ان أصبحت المقاصد حقائق، والغايات منجزات، والأحلام وقائع ملموسة وسواء تعلق الأمر بهذا الميدان أو ذاك، فإن مهارة القائد عالجته بذكاء وفطنة. وهكذا سار الركب بصفوف متراصة، لا يعرف مؤخرة سميته الطموح، وميزته النجاح والظفر.
إنه لمن السهل أن يلاحظ المرء ويعلق، ويدين ويستنكر، ويغتنم الفرص ليحاول زرع الشكوك وإثارة الحيرة، ولكن، كما أكد جلالة الملك في إحدى المناسبات:" إن المهم هو الذي يبقى". فإذا ما نحن تصفحنا كتاب المنجزات، وقارنا بين حالة الأمس وواقع اليوم، فإن الحصيلة تقنع إلى أبعد حد، ومستوى الحاضر يبشر والحمد لله بالغد المشرق الذي لا يشك أي مواطن نزيه في تحقيقه. لقد حبا الله المغرب بنعم قل أن توجد في غيره من الدول. فهو بلد الاستمرار والاستقرار، وهو بلد الالتحام المطلق بين نظامه وشعبه، وهو بلد العقيدة الإسلامية السمحة وهو بلد الوحدة القائمة على الإخاء والتضامن.
وإن السر في هذه المنن، يرجع في الحقيقة إلى الانطلاقة الأولى التت قامت على أساس خلقي متين، فلم تفرض الملكية نفسها بلغة السلاح ولكنها قوبلت بالترحاب، بل بشوق متزايد، لأنها جاءت دون أن تكون فارغة اليد، جاءت وجاء معها الدين الإسلامي الحنيف الذي نظم المجتمع عملا بأخلاق القرآن، وسوى بين القوي والضعيف والغني والمعوز، ودعا إلى التشبث بمبادئ كلها إخاء وتعاطف، ومحبة وتآلف، وانسياق إلى ما يرضي الشعب.
وهذا الجو، هذا العقد الاجتماعي الفريد من نوعه، الذي برز بكل قواه ومدلوله بين شعب أبي، معتز بوجوده غيور على كرامته، متشبث بأوضاعه وبين سبط الرسول الأعظم، إدريس الأول، هو الذي امتد عبر القرون، فبلور التعلق المتبادل، والمحبة المزدوجة، والتلاحم المطلق، وعرف المغرب حقبا متوالية مترادفة من تاريخه كلها استقلال وحرية اطمئنان بفضل سهر ويقظة ملوكه الأبرار وإبائهم المطلق، الذي  عرضهم للمحن، فجنوا ثمار رفضهم للهزيمة والاستسلام.
إن للإيمان قوة لا تقهر، وإذا أخلص شعب لعقيدته ودينه، فلن يخشى الفشل، عاش المغربي المسلم في ظل الإسلام، فصنع الملاحم، وابتكر خاصيات برز بها عبر العالم كبلد مؤمن طموح، مخلص لمبادئه، متعلق بكل ما يضمن كرامة الإنسان، ويذود عن حرية الفرد، مقتنعا بمزايا التشاور والتفاهم والتفاوض، لا يعتدي ولا يقبل أن يعتدي عليه.
منذ أن تقلد جلالة الحسن الثاني مقاليد المسؤولية العظمى أعطى لكل هذه المفاهيم مدلولا أوسع، ومعنى يرقى بعظمة الطموح الذي أعرب عنه حفظه الله لصالح شعبه، لقد يطول ويسهب الكلام عن كل ما أنجزه المغرب منذ حصوله على استقلاله، وذلك في كل الميادين، وعلى جميع المستويات.
إن نظرة خاطفة على واقعنا لأبرز شاهد على ما أنجزناه. إلا أن هناك جانبا يستحق إثارة الانتباه، وهو الجنوح إلى الفضيلة، والتسلح بأسمى  القيم، والاتكال على العلي القدير في كل ما خططه جلالة الحسن الثاني، وما دعا شعبه للعمل على تحقيقه، إنه اختيار إرادة جلالته، فسهر على تحقيقه، وأخلص له لأنه المسلم الغيور على دينه.
وإن المواقف التي ما فتئ يتخذها في هذا الميدان، والتوجيهات التي أعطاها باستمرار والنصائح التي أسداها دون تردد، كل هذا جعل منه المسؤول الواعي، الذي أقنع بسلامة نواياه وإخلاصه لمبادئ دينه، وعزيمته المطلقة للدفاع عن إخوانه ونصرة عقيدتهم.
فلا غرابة أن يقوم حفظه الله بما قام به من مبادرات في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي وليس بغريب أن يكون على رأس لجنة القدس.
تعرف كثير من الدول مشاكل جمة بسبب تطرف بعض أفرادها ولجوئهم إلى لغة القوة، ولكن المغرب والحمد لله منزه عن مثل هذه الأخطار لأن الإسلام دين الدولة ولأن ملكه، وهو أمير المومنين وسبط الرسول الأكرم، ما فتئ يوجهه عن طريق المعاني السامية، لمبادئ ديننا الحنيف، وعلى درب الإخاء  والمحبة والتضامن، وهذه أسباب النجاة، ووسيلة التعايش السليم، وخلق المجتمع المطمئن القويم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here