islamaumaroc

العرش المغربي تاج الأعياد الوطنية.

  علي آيت علي

العدد 308 شوال 1415/ مارس 1995

إن شعب المغرب – أبا عن جد – له من أصالة محتد، وعراقة مجد، ورصيد من قيم عليا، ومقدسات مثلى ما لم يتوافر لكثير غيره، من أمم وشعوب، بها يحيا، وعليها يعيش، ولنا أن نؤكد هنا أمرا مهما، وهو كون تلك القيم وهذه المقدسات هي من مصادر الإيحاءات الخلاقة للإنسان المغربي، ومن متابع عزه ومجده الأثيل.
ومن المتفق عليه حضاريا أن ما يتلقى الإنسان من تلك الإيحاءات يعتبر أقوى ما يربط الإنسان بماضي أمته، وينير له طريق مستقبله، ويركزه في حاضره على أسس قوية متينة، وسبل مكينة تكشف له سنن الخير وتحمي خطواته من كل انحراف وزلل، هذه الذكريات هي التي تنبه الوعي الوطني والديني والتاريخي لدى الأفراد، وتجعلهم يقبلون صفحاتها الرائعة المعطرة بالعزة والمجد والفخار، ولكي تحقق أمة ما مجدا وسؤددا على المستويين الوطني والعالمي لا بد لها من التمسك بقيمها، وعدم تهاونها في المحافظة على المقدسات، وإلا فتصير أمة ذليلة، وإن في بيتها، فقيرة، وإن غاصت في المن والسلوى لغياب عناصر المجد والعزة والأصالة التي هي أساس تحقيق الوجود المعنوي لشخصية الأمة، فنحن المغاربة عبر مسيرتنا الحضارية والتاريخية كان العرش العلوي المصون بؤرة الشعور الوطني، تهفو إليه القلوب، وتجتمع حوله الكلمة. وبذلك يبرز الهدف الأسمى الذي يعمل الجميع على تحقيقه عرشا وشعبا، هذا الهدف هو عزة الأمة أرضا وإنسانا، والاحتفاظ بشخصيتها في هذا العالم متميزة عزيزة كريمة.
فالدين الإسلامي هو القلب النابض لهذه الأمة، والعامل الفعال في غرس وحدة العقيدة ، والقاسم المشترك بين الراعي والرعية.
أما العرش – الذي هو خلافة في بيت النبوة، وسلطان الملك، وإمارة للمؤمنين، ورمز المحبة المتبادلة بين الشعب ومليكه – فهو قلب هذه الأمة الوثاب، يأمرها فتفعل، وينهاها فتجتنب عملا بما رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة (رض) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :"من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصا الله، ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعص الأمير فقد عصاني".(1)
فالعرش المغربي مستمد أصالته من كونه إسلاميا، أي قائما على البيعة الشرعية، (2) هي أقدس عقد وعهد بين الراعي والرعية، في بيعتي العقبة الصغرى والكبرى تعاقدت الجماعة الإسلامية الأولى مع الرسول عليه الصلاة والسلام، على الإيمان بالله، وبرسالة رسوله، وبرئاسته للشريعة وللدولة، وبالاتفاق على الهجرة، وعلى أن يدافع جميع الأفراد عن الجماعة. (3)
وعليه، فالعرش المغربي هو الحصن الحصين  للشعب من كل الأخطار، والقلعة الصامدة ضد الأطماع والملمات، ورمز الوحدة الترابية والشعبية، فيكون الاحتفال بهذه الذكرى العزيزة كل سنة، إنما هو احتفال بالعهد المقدس الذي لا ينكث، والولاء الثابت الذي لا يتزحزح والوفاء الذي لا تنفصم عراه.
ورحم الله الشاعر الجزائري مفدي زكرياء الذي كان يشارك بقصائده العصامية شعب المغرب في كل مناسباته الوطنية حين قال مخاطبا ملك المغرب نصره الله :
بنيت بروح شعبك عرش ملك
دعامته العدالة والصلاح
وسست بحكمة وسداد رأي
وأيام الدنيا فرص تتاح
إن هذه الذكرى ومثيلاتها تجديدا للبيعة الشرعية وتأكيدها لعاهل البلاد المفدى جلالة الملك الحسن الثاني رعاه الله، ورمزا لاستمرار الإخلاص والوفاء لضامن الوحدة والأمن والاستقرار.
إن هذه الذكرى فرصة حميدة تبرز من خلالها العلاقة الروحية والآصرة الدينية التي جعلت عاهل البلاد ملكا، يجمع بين السلطتين الدينية والدنيوية بلا منازع، مما جعل جلالته يرسي في مملكته السعيدة قواعد الشورى والعدالة القائمة على الملكية الدستورية، وحقق للبلاد مستوى عاليا من التطور والرقي علميا وثقافيا وعمرانيا واقتصاديا وسياسيا، وكيف لا يكون الأمر كذلك، وجلالة الملك الحسن الثاني عطاء فريد من عطاءات مدرسة والده المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، فلقد تبوأ جلالته عرش الأجداد في ريعان العمر وعز الشباب، متسلحا بمواهب خلاقة، وقدرات فائقة، قل أن يجود بمثلها الزمان، وترى الأمم له نظيرا، من بعد نظر، وذكاء خلاق، وعقل ثاقب، وفهم دقيق، وإدراك عميق، وعبقرية نادرة، وفراسة لا تخطئ، وتأن في اتخاذ القرارات، إلى جانب تكوين علمي رصين وفكر نير، ووطنية صادقة، وحب لشعبه إلى درجة الهيام، وفوق هذا وذاك ما حباه الله به من صلابة في الدين، وثورة في الإيمان، وتربية إسلامية مستمدة من مدرسة جده الأم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والحديث عن الفكر الحسني حديث شيق ورائق، لكونه فكر قائد ملهم حكيم أمد الله في حياته وتوفيقه.
وقد صدقت فراسة والده المنعم برضوان الله حين أجاب داعي الأمة المغربية أن يعهد لابنه البار، وساعده الأيمن في السراء والضراء الحسن الثاني بولاية العهد على عرش الأجداد، حيث وجه خطابا تاريخا للأمة، منوها فيه بما حبا الله به هذا الابن البار، ومبينا من خلاله القناعة التي من أجلها لبى رغبة الشعب، وطوق الحسن الثاني بتلك الولاية.
قال جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه :
"... ولم نكن – نشهد الله – لنقدم على توليته وإسناده تبعة العهد إليه ومسؤوليته، لو علمنا أنه غير أهل له، ولا كفء للنهوض بأعبائه، فإننا إن فعلنا ذلك نكون مسؤولين أمام الله والتاريخ عما يظهر منه من تهاون ويقع من أخطاء، ولكننا رشحناه لولاية عهدنا منذ الصغر، لما لاح لنا فيه من مخائل الصلاح، وبوادر الاستقامة، ثم اتفقت رغبة الأمة مع رغبتنا فيه بعد ما لمسنا جميعا فيه من حزم، وأنسنا من عزم، ولمسنا ما لديه من غيرة، وعرفنا ما له من حنكة وما رأينا من اقتدار. لقد رأينا منه أثناء أزمات العهد البائد، والاصطلاء بحر المكائد والشدائد ما يثلج الصدور، ويقر الناظر من غيرة على الوطن، وإخلاص الشعب، ودفاع الحق وذياد عن الكرامة، وكفاح من أجل السيادة (...) فأنا شهيد على إخلاصه، ضامن لنصحه وجميل ولائه..."
ومما جاء في هذا الخطاب أيضا قول جلالته :
"...إياك يا بني أن تحيد عن صراط الإسلام القويم، أو تتبع غير سبيل المؤمنين، فإنه لا عدة في الشدائد كالإيمان، ولا حلية من المحافل كالتقوى، واعرف الله في الرخاء يعرفك في الشدة، وتقرب منه بالأعمال الصالحة ذراعا يتقرب منك توفيقه باعا، واجعل القرآن المصباح الذي تستضيء به إذا ادلهمت الدياجي، واشتبكت عليك السبل، وليكن لك في رسول الله وصالحي الخلفاء أسوة حسنة، "أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده".
هكذا ترون صدق المثل العرب القائل:"أهل مكة أدرى بشعابها". فالوالد أعرف الناس بولده، وأكثرهم دراية بخصائصه، فقد حقق جلالة الملك الحسن الثاني مضمون هذا الخطاب شكلا ومضمونا من حيث الاستقامة والحزم، والغيرة على مقدسات البلاد، ومن حيث قدرته الخارقة على التحدي والمواجهة، وعلى الدفاع عن الحق وحماية الكرامة. هكذا حقق جلالة الملك الحسن الثاني أماني والده، وطموحات شعبه، في إعلاء مكانة الأمة، وتحقيق السيادة الوطنية، والوحدة الترابية والشعبية، في ظل الملكية الدستورية التي شعارها "...الله، الوطن، الملك".
إن جلالة الملك الحسن الثاني – انطلاقا من وصايا والده – يعتمد في تسيير شؤون الدولة على العقيدة الإسلامية كدين ومنهج حياة وسلوك داخلا وخارجا، ويركز جلالته – بخصوص العلاقات داخل المجتمع – على المسؤولية بالنسبة للفرد والجماعة.
وبناء على هذه المعطيات والمنطلقات، فإن الدعوة الراشدة لأمير المؤمنين قصد مواصلة الدور الحضاري الرائد للعرش والشعب إنما تعني استيعاب المضمون الفكري والاقتصادي لعقيدة "لا إله إلا الله محمد رسول الله" إن العرش العلوي المجيد كان دائما وباستمرار مركز الإلهام والقيادة، معبرا أمينا عن ضمير الأمة، معبرا عن أحاسيسها وشعورها، منفذا لآمالها، وتطلعاتها ورغباتها وأحلامها ومطامحها، فاحتفالنا نحن المغاربة بعيد العرش السعيد، إنما هو احتفال بعيد وطني خالد من الله به على هذه الأمة منذ قرون وقرون، ومن خلال المراحل المعيشة نقف على ماهية الروابط بين العرش العلوي والشعب المغربي، وندرك بالتالي البعد التاريخي والحضاري لهذه العلاقة القويمة، فلم يثبت أن الدولة ما قامت في أرض المغرب إلا أساس العرش، وكل ما حققه الشعب من أمجاد وانتصارات، ومن إنجازات ومكاسب فإن ذلك، كله إنما تم في ظل العرش المجاهد الصامد في وجه مختلف التحديات والمواجهات ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
ولذا، فالاحتفال بهذا العيد إنما هو تعبير بين الدلالة على مدى عمق الروابط الأصيلة لشعبنا، وعلى تشبثه الدائم برمز وحدته وسيادته، ومحور مساعيه الحضارية والتاريخية حتى يبقى العرش مصدر إشعاع ونفوذ عقديا وعلميا وحضاريا. وقد جاء في الرسالة الملكية التي خاطب بها جلالته شعبه أولا، وأمة الإسلام كلها بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري قوله :
"ولنجعل شعارنا اليومي الدائم : العلم النافع، والعمل الصالح، والإنتاج المستمر، والكسب المشروع، والرقي المطرد، والتنافس المحمود، والسير الدائم إلى الأمام، وضرب المثل لبقية الأقوام".
حفظ الله ملكنا المفدى، وشعبه الوفي، ووحد أمة الإسلام، تحت راية القرآن والسنة.
آمين، والله المستعان.


1. رواه البخاري في كتاب "الجهاد" الباب التاسع بعد المئة، وفي كتاب "الاعتصام" الباب الثاني، وفي كتاب "الأحكام" الباب الأول، ومسلم في كتاب "الإمارة" الباب الثاني والثلاثون والثالث والثلاثون، ورواه النسائي، وابن ماجة، وابن أحمد.
2. البيعة، ومعناها الصحيح : الصفقة على إيجاب البيع (لسان العرب)، ومن ثم جاء معناها يمين الولاء، يقسم بين يدي الخليفة عند ولايته، وهذه الشعيرة عبارة عن وضع اليد في يد الأمير المبسوطة دلالة على الخضوع، وقد أعطانا عمر (رض) صيغة البيعة يوم السقيفة، وهي "قلت البسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته"، وهذا الفعل رمز تقليد السلطة. انظر تاريخ الطبري" 3/205، 206،221 – ط.1962. "الإمامة والسياسة" لابن قتيبة 1/10 – ط/1331. "دائرة المعارف الإسلامية" 4/422..إلخ.
3. انظر "صحيح البخاري" 2/225 226 – 4/123. "سيرة ابن هشام" 2/73 – 76 83 – 89، الطبري 2/361 366 – "البداية والنهاية" لابن كثير 3/158 – 168 . "السيرة الحلبية لدحلان 2/16 -20.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here