islamaumaroc

الأدب الفرنسي ومشكلة الجزائر

  دعوة الحق

33 العدد

إن فهم الوضع الفكري في فرنسا اليوم يجب أن يلتمس في إطار أعم من إطار الكتب والمحاضرات و المسرحيات، ذلك أن عنصرا هاما يهيمن على الحياة الفرنسية كلها ويحتل الصدارة سواء في الحياة الفكرية أو السياسية، وأقصد مشكلة الجزائر التي تكون قرحة يصعب التئامها إذا لم يوجد لها حل عادل.
إن مشكلة الجزائر بالنسبة لفرنسا تقيم الدليل مرة أخرى على أن الأحداث السياسية –أو على الأصح- الأحداث الحياتية تؤثر تأثيرا مباشرا على الشعب وبخاصة على أدبائه ومفكريه الذين يكونون القوة الطلائعية في المجتمع، ومشكلة الجزائر تطرح اليوم بشكل جدي لم تطرح به من قبل طيلة الست سنين التي خاضع خلالها الشعب الجزائري معركة الحرية، ولعل هذا يدفعنا إلى التساؤل: على عاتق من تقع مسؤولية هذا التأخير في مواجهة المشكلة الجزائرية بصراحة وشجاعة؟
وللجواب على هذا التساؤل نتجه إلى إحدى الشخصيات البارزة في عالم الفكر الفرنسي الأديب جان بول سارتر الذي أعلن في محاضراته التي ألقاها أثناء جولته في أمريكا اللاتينية بأن المسؤولية تقع على اليسار الفرنسي إذ ترك للمصالح السياسية العاجلة أن تجرفه في تيارها..
ولسنا الآن بصدد دراسة مواقف اليسار الفرنسي في السنين الماضية، ولكننا نحاول أن نسجل صورة موجزة لرد الفعل القوي الشامل الذي انبثق في هذه الأيام داخل فرنسا والذي استطاع أن يطغى على كل ما عداه من المشاكل بما فيها مشكلة أثمان الخضر واللحوم التي يعاني منها الشعب الفرنسي الكثير.
وقبل أن نستخلص تأثير المشكلة الجزائرية على الأدب الفرنسي يجب أن نذكر أهم المشاكل التي تجلت فيها ردود فعل المثقفين الفرنسيين.
كلنا سمع أو قرأ عن شبكة جانسون التي جرت محاكمتها في هذه الأيام بتهمة التعاون مع جيش التحرير الجزائري. وهي شبكة نظمها أساتذة فرنسيون وقاموا بنشاط إيجابي واسع النطاق بعد أن يئسوا من التصريحات والوعود التي كثيرا ما أفضى بها الساسة المحترفون، وقد كان أعضاء هذه الشبكة يقدمون المعونة للفدائيين الجزائريين ويوزعون مجلة سرية يفضحون فيها جرائم الاستعمار ويهيبون بالرأي العام إلى الضغط على الحكومة لتعترف للشعب الجزائري بحق تقرير المصير.
ولأول مرة يقف الفرنسي والجزائري جنبا إلى جنب أمام المحكمة ليعلنا أنهما متفقان على ضرورة منح الشعب الجزائري حريته، وعلى أن سفح الدماء البريئة من الجانبين وسيلة دنيئة لخدمة أغراض الرأسماليين.
وأثناء محاكمة هذه الشبكة ارتفع صوت سارتر –في رسالة بعثها إلى محامي الشبكة- ليعلن:
«أن خنق الحريات المتزايد وتعميم التنكيل، وعصيان القوات العسكرية وعدم خضوعها للسلط المدنية .. كل هذا يسجل تطورا في حياتنا السياسية يمكن أن نصفه دون مبالغة بالفاشتية، وأن اليسار الفرنسي سيظل عاجزا عن مواجهة الموقف ما لم يوحد جهوده مع جبهة التحرير الجزائرية، القوة الوحيدة التي تكافح اليوم ضد عدو الحريات الجزائرية والحريات الفرنسية الذي هو عدونا المشترك».
ولم يكتف سارتر بذلك بل شارك في العريضة التي وقعها مائة وواحد وعشرون أديبا من الفرنسيين لتأييد الشباب في رفض قانون التجنيد.
يضاف إلى هذا كله المقررات التي صوت عليها المجلس الوطني للسلم Le comité national de la paix ونقابات المعلمين والعمال، والتي تطالب بوضع حد للمأساة الجزائرية والاعتراف بحق تقرير المصير.. إجماع شامل من جميع الطبقات وعلى اختلاف الاتجاهات يطالب بمحو عار فرنسا في الجزائر .. فإلى أي حد تستطيع المشكلة الجزائرية أن تؤثر على الأدب الفرنسي؟
الواقع أن نوع التأثير سيكون إيجابيا إلى أبعد حد لأن الأزمة الجزائرية ستؤكد للأدباء والفنانين والمفكرين مرة أخرى أن تخليهم عن رسالتهم القيادية وإهمالهم الدفاع عن المثل الإنسانية التي نبعت من ثورتهم المقدسة معناه اضمحلال فرنسا وتشويه قيمها وحرياتها.
وهذا النوع من التأثير قد ظهرت بعض بوادره فقرأنا مذكرات صريحة لفرنسيين أحرار عاشوا التجربة المريرة في الجزائر فكتبوا يفضحون الأساليب اللاإنسانية المتبعة لإبادة شعب أعزل، ومن ذلك ما كتبه هنري اليغ تحت عنوان : جلادون. وما كتبه سارتر بعنوان : عارنا في الجزائر. وكتاب حرب الجزائر لجيل روي (Jules Roy) ... وكلها صفحات مشرقة تعيد للفكر الفرنسي اعتباره.
ونشرت أيضا بعض القصص لأدباء فرنسيين صوروا فيها انطباعاتهم عن الحياة التي يعيشها الإنسان الجزائري نهبا للقلق والضياع والجوع والاحتقار، من ذلك قصة «دريس»(Dris) للكاتبة الشابة«جانين اوربانو»، وقصة زيتون العدالة (Les oliviers de la justice) لجان باليكرى.
ولعلنا ندرك أهمية التأثير من خلال الموقف الإيجابي الذي اتخذته في هذه الأيام الكاتبة فرانسواز ساجان التي عرف عنها اهتمامها بقلقها الذاتي وبتصوير الجوانب العبثية لجيلها.. هذه الكاتبة قد أدركت أخيرا أن الحرية كل لا يتجزأ وأن الحرية أوسع من المفهوم البسيط الذي يحصرها في نطاق مجتمع واحد، فكتبت مقالتها الرائعة بمناسبة اعتقال جميلة بوباشا منددة بالطغيان وبخنق الحريات.
وأنا أعتقد –إلى جانب هذا التأثير – أن انعكاس الأزمة الجزائرية على الفكر الفرنسي سيتخذ طابعا أخلاقيا في أوسع معنى لهذه الكلمة أي  أنه سيدفع الأدباء والمفكرين إلى إيقاظ الضمائر الغافية وإلى مراجعة القيم ومحاولة القضاء على التناقض الحاد الذي يتوزع الشعب الفرنسي ويجعله حائرا مترددا بين الحالمين بعهود الإمبريالية والعظمة الجوفاء، وبين الطليعة الواعية التي تعيش عصرها وتؤمن بإمكانيات الشعب الفرنسي في خدمة الحضارة وحماية الحرية.
وإذن فيمكن أن نقول أن المشكلة الجزائرية كحدث حياتي ضخم بالنسبة للشعب الفرنسي قد أصبحت –أكثر من أي وقت مضى- محكا للطليعة المفكرة والجماهير الشعبية لتبرهن عن وعيها وعن قدرتها الاستمرارية في حماية القيم الإنسانية. وأن هذه الإرهاصات الأدبية في فرنسا بالإضافة إلى ما كتبه أدباء أحرار مثل برنارد شو وتوم بين وريتشارد رايت وجان بول سارتر، وبالإضافة إلى ما كتبه أدباء الطليعة في آسيا و إفريقيا... كل هذا الإنتاج يؤكد لنا أن عصرا أدبيا قد دخل في مرحلة التبلور يمكن أن نسميه: «أدب الثورة الإنسانية على الاستعمار».
 
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here