islamaumaroc

البعد الصوفي في حياة ابن بطوطة من خلال رحلته

  عبد السلام شقور

العدد 304 صفر-ربيع 1 1415/ غشت-شتنبر 1994

لم تلق رحلة ابن بطوطة في عصره، و لا بعده، و إلى حدود القرن الماضي عناية تذكر، و السبب في ذلك كونها جاءت مخالفة ما عهده القدماء في الرحلات، و غير محققة الغرض الذي كانت الرحلات تطلب من أجله.
كانت الرحلة عند القدماء بحثا عن الشيوخ رغبة في تكثير المشيخة و رفع الإسناد؛ و ذلك كله إلى جانب أداء فريضة الحج.
و على هذه الصفة جاءت رحلة العبدري ابن رشيد و التجيبي و غيرها من الرحلات التي حررت قبل ابن بطوطة في زمنه و بعده، و لهذا السبب أدرجت الرحلة ضمن كتب الفهارس، و هذا العبدري لا تعرف له فهرسة مدونة، و مع ذلك فإن الإسناد إليه يقع عبر رحلته.
و أما رحلة ابن رشيد السبتي فقد شحنها صاحبها بذكر الشيوخ و أحوالهم، و بالفوائد العلمية، و بما إلى ذلك مما يجري ذكره عادة في برامج الشيوخ.
و هذا ابن خلدون، معاصر ابن بطوطة، و إن لم يكن من المعتنين بالرواية (1) فإنه لم يخل رحلته من ذكر كبار شيوخه في النقليات و العقليات، فدل الباحث بذلك على منابع فكره و أصول فلسفته.
و لم يكن ابن بطوطة فيما يبدو من رحلته، و فيما قيل عنه (2) من المعتنين بالرواية و لا من المتلهفين على لقاء الرجال، رجال العلم، و إلى الجلوس إليهم، و الأخذ  عنهم، آية ذلك أننا نجده يلقى كبار شيوخ زمنه دون أن يأخذ عنهم شيئا، و كان غيره من الطلاب يشد الرحال إلى من هم دونهم قدرا للأخذ عنهم. (3)
و نتج عن ذلك أن ابن بطوطة لم يكن معدودا في زمنه، و بين معاصريه من العلماء، و إن ورد اسمه ضمن حاشية السلطان أبي عنان العلمية (4) فلم يجر أحد ذكره بين رجال العلم، و لا ورد له ذكر في كتب الفهارس و التراجم عموما و قد ولي قضاء تامسنا، (5) و قبل ذلك قضاء ركب الحاج، كما ولي القضاء في الهند، على أن ذلك لم يشفع له عند معاصريه فيذكروه ضمن من ذكروا من رجال العلم.
و هذا أحد كبار شيوخ عصره، و نعني به أبا البركات ابن الحاج البلفيقي يصفه بكونه كان قليل الطلب، يعني طلب العلم طبعا، و لا يعني هذا إلا أن ابن بطوطة كان مقصرا عن علماء عصره، و إلا فإن من ولي القضاء، و لو في تامسنا و الهند، فلابد من أن يكون على حظ من العلم، و من خلال إشارات مبثوثة في رحلته يظهر ابن بطوطة ملما بالمذاهب الفقهية، و على صلة بالمذاهب العقدية (6).
و كيفما كان الأمر فإن ابن بطوطة لم يسلك في رحلته طريق العلماء، و هو ما جعل القدماء يعرضون عن رحلته، و لا يولونها اهتماما يذكر.
و لعل مما جعل القدماء ينصرفون عن رحلة ابن بطوطة أيضا تلك المغربات التي وردت أخبارها في الرحلة، و قد اتهمه بالكذب أقوام، أضف إلى ما وقع له في رحلته من خلط في إسناد بعض المرويات، و قد نبه على ذلك ابن جزي محرر الرحلة.
و إذا كان المتصوفة متساهلين في مجال الإسناد، و ذلك بخلاف أهل الحديث، فإنهم مع ذلك قد تجاهلوا أهمية الرحلة، فلم يصلوا سندهم أو أسانيدهم إلى أبي الحسن الشاذلي عن طريق ابن بطوطة، مع كون ابن بطوطة نص في رحلته على كونه لقي أحد تلاميذ أبي العباس المرسي، و أخذ عنه ورد الشاذلية، أعني حزب البحر، (7) و قد ساق ابن بطوطة في رحلته نص حزب البحر كاملا، (8) 
و لا شك في أن صوفية المغرب قد فاتهم أشياء هامة بعدم التفاتهم إلى البعد الصوفي في الرحلة، ذلك لأن حرص ابن بطوطة – كما سيتضح بعد – على لقاء الأولياء، و على التبرك بهم، و لبس المرقعة منهم كان أكبر بكثير من حرصه على لقاء العلماء بقصد الأخذ عنهم.
لم يكن في نية ابن بطوطة، عندما خرج من بلده طنجة أن يجاوز حدود مكة و المدينة، و لم يخطر بباله أن رحلته ستدوم أزيد من ربع قرن، و أنها ستمتد إلى مجاهل الهند و أدغال إفريقيا لتشمل العالم الإسلامي كله؛ و كان أحد الصوفية كاشفة، و كان ابن بطوطة قص عليه رؤيا رآها، بكونه سيحج و يزور النبي صلى الله عليه و سلم و يجول في بلاد اليمن و العراق و بلاد الترك...، (9) و لم يخرج ابن بطوطة من بلده طنجة في الركب الذي كان ينطلق من المغرب كل سنة، (10) بل خرج منفردا، فيما قال، عن رفيق يأنس بصحبته، و ركب يكون في جملته، لباعث على النفس شديد العزائم، و شوق إلى تلك المعاهد الشريفة كامن في الحيازم... (11)
و ابن بطوطة بذلك إنما يكون سلك مسلك المتصوفة الذين يقصدون برحلتهم إلى تصحيح التوكل، فلا يتخذون في سياحتهم الصوفية رفيقا، و لا يحملون معهم زادا، إذ المقصود تصحيح التوكل على الله، كما كانوا يقولون.
و في أهمية السياحة للصوفي و شروطها ينقل الصوفي أحمد ابن عجيبة عن شيخ شيخه على الجمل: "أقل السياحة أربع عشرة سنة، ثم يضيف إذ أن غايته التمكين من شهود الحق، و هو متفاوت على قدر الاجتهاد و القريحة، فمنهم من يتمكن في أربعة عشر، و منهم قبل ذلك، و منهم بعد ذلك، و الله يؤتي فضله من يشاء، و الله واسع عليم". (12)
و يقول ابن عجيبة أيضا:
"و لابد للفقير من السياحة في بدايته، لأن السفر يسفر عن العيوب، و يطهر النفوس و القلوب، و يوسع الأخلاق، و به تتسع معرفة الملك الخلاق، لأن المسافر كل يوم كان يشاهد تجليا جديدا، و يلقى وجوها لا يعرفها، و لا يأنس بها، فتتسع معرفته بذلك، و تتسع معناه، و قد قالوا:
الفقير كالماء، فإذا طال مكثه في موضع واحد تغير وانتن. (13)
كانت سياحة ابن بطوطة تارة في ركب الحاج، و تارة في قافلة من قوافل التجار و في كثير من الأحيان صحبة جماعته و صحبه: و قد صحبه في سياحته الحاج عبد الله بن أبي بكر التوزري سنين كثيرة (14)، و كان انعزاله عن الركب أو القافلة دائما بسبب الرغبة في لقاء ولي أو زيارة ضريح، حتى إنه ما كان يسمع بخبر ولي حيا كان أو ميتا، إلا و تكبد المشاق من أجل زيارته، جعل ذلك ديدنه في جميع رحلته، و تكبد المشاق و أوشك غير مرة على الهلاك بسبب ذلك، و يطول الكلام إن نحن حاولنا الإتيان على ذكر كل الأضرحة التي قصدها، و الأولياء الذين لقيهم في جميع الأصقاع التي مر بها، و لذلك نكتفي بذكر بعض ذلك.
فلما وصل ابن بطوطة إلى مصر، و دخل الإسكندرية قصد زيارة الأولياء الموجودين فيها، فزار الشيخ الصالح العابد أبا عبد الله المرشدي، و هو فيما يقول عنه: من كبار الأولياء المكاشفين، (15) و الإمام الزاهد العالم الورع الخاشع: برهان الدين الأعرج، من كبار الزهاد و أفذاذ العباد، و أقام في ضيافته ثلاثا، و هو الذي كاشفه بما سينتهي إليه أمره.
قال ابن بطوطة في ذلك: "دخلت عليه، يعني برهان الدين الأعرج المذكور، فقال لي: أراك تحب السياحة و الجولان في البلاد. فقلت له: نعم، إني أحب ذلك، و لم يكن حينئذ بخاطري التوغل في البلاد القاصية من الهند و الصين، فقال: لابد لك إن شاء الله من زيارة أخي فريد الدين بالهند، و أخي ركن الدين زكرياء بالسند، و أخي برهان الدين بالصين، فإذا بلغتهم فأبلغهم مني السلام. فعجبت من قوله و ألقي في روعي التوجه إلى تلك البلاد، و لم أزل أتجول حتى لقيت الثلاثة الذين ذكرهم و أبلغتهم سلامه...". (16)
و هكذا تكون رحلة ابن بطوطة تحقيقا لمكاشفة هذا المتصرف، و استجابة لرغبة دفينة في نفس ابن بطوطة، كشف عنها الصوفي.
و لقي ابن بطوطة في الإسكندرية من أهل التصوف أيضا الشيخ ياقوت الحبشي، "من أفذاذ الرجال، و هو تلميذ أبي العباس المرسي، تلميذ ولي الله أبي الحسن الشاذلي، الشهير ذي الكرامات الجلية و المقامات العالية". و ينقل ابن بطوطة عنه بعض كرامات الشاذلي.
و أحب أن أقف هنا لأشير إلى أن ابن بطوطة بأخذه عن الشيخ ياقوت الحبشي، و هو كما رأينا، تلميذ أبي العباس المرسي، يكون قد تساوى مع ابن عطاء الله في سند الطريقة الشاذلية، إلا أن المغاربة يصلون إسنادهم في الطريقة المذكورة عن طريق ابن عطاء الله، و ليس بواسطة ابن بطوطة.
و أثناء إقامة ابن بطوطة بالإسكندرية سمع بالشيخ الصالح، و التحليات من عند ابن بطوطة، العابد المنقطع المنفق من الكون: أبي عبد الله المرشدي، و هو من كبار الأولياء المكاشفين، (و هو) منقطع بمنية بني مرشد، له هنالك زاوية هو منفرد فيها لا خديم له، و لا صاحب، فخرجت من مدينة الإسكندرية، قاصدا هذا الشيخ، نفعنا الله به". (17)
و كان هذا الشيخ المكاشف الثاني لابن بطوطة بما ستنتهي إليه سياحته في بلاد اليمن، و العراق و بلاد الترك، و بلقاء ابن بطوطة بهذا المولى و بحديثه معه و مكاشفته إياه تتأكد الرغبة و تقوى في نفس ابن بطوطة في متابعة السفر إلى كل أصقاع العالم الإسلامي، و بذلك تكون رحلته و كأنها تنفيذ لما أشار به الوليان اللذان كاشفاه بأمر سياحته.
و زار ابن بطوطة في طريقه من الإسكندرية إلى القاهرة أو مصر عددا من الأولياء، و نقل كرامات لبعضهم، منهم جمال الدين الساوي. (18) و ساق كرامة له و أطال الحديث عن زوايا القاهرة و صلحائها، و مما قاله في الموضوع، "و أما الزوايا فكثيرة، أي في مصر، و هم يسمونها الخوانق، واحدتها الخانقة، و الأمراء في مصر يتنافسون في بناء الزوايا، و الأمراء في مصر يتنافسون في بناء الزوايا، و كل زاوية بمصر معينة لطائفة من الفقراء، و أكثرهم الأعاجم، و هم أهل أدب و معرفة بطريقة التصوف، و لكل زاوية شيخ و حارس، و ترتيب أمورهم عجيب" (19) ثم أورد وصفا لعاداتهم في الطعام و في غيره، و من طريف عاداتهم "مع القادم أنه يأتي باب الزاوية، فيقف به مشدود الوسط، و على كاهله سجادة، و بيمناه العكاز، و بيسراه الإبريق، فيعلم البواب خديم الزاوية بمكانه، فيخرج إليه، و يسأله من أي البلاد أتى؟ و بأي الزوايا نزل في طريقه؟ و من شيخه؟ فإذا عرف صحة قوله، أدخله الزاوية، و فرش له سجادته في موضع يليق به، و أراه موضع الطهارة، فيجدد الوضوء، و يأتي سجادته، فيحل وسطه، و يصلي ركعتين، و يصافح الشيخ، و من حضر، و يقعد معهم". (20)
و قصد ابن بطوطة، و هو في طريقه إلى الحجاز عيذاب، و قبل دخولها مر بحميثرا، و نزل فيها، و فيها ضريح أبي الحسن الشاذلي. (21)
و في عيذاب لقي ابن بطوطة الشيخ المسن محمد المراكشي، زعم أنه ابن المرتضى، ملك مراكش و سنه خمس و تسعون سنة.
و يمكن القول اختصارا بأن ابن بطوطة زار أضرحة عامة المشاهير من أعيان التصوف في التاريخ الإسلامي كله، و كان في أكثر الأحيان يقصدها بعد سماعه بها من جهات نائية، أو يرحل إلى إحداها إلى جهات غير مأمونة، فلما وصل إلى شيراز، خرج برسم زيارة قبر الشيخ الصالح أبي إسحاق الكازوني، و قبره على مسيرة يومين من شيراز، (22) و في البنغال توجه صوب جبال البنغال من اجل لقاء ولي من الأولياء كان ينزل بها (23).
و عن زيارته قبر ولي من الأولياء قال ابن بطوطة:
"و عند دخولي، إلى مدينة شيراز لم يكن لي هم إلا قصد الشيخ القاضي الإمام قطب الأولياء، فريد الدهر، ذي الكرامات الباهرة: مجد الدين إسماعيل بن محمد بن حداد، و معنى خداد عطية الله، فدخلت إليه رابع أربعة من أصحابي (24).
و في موضوع زيارته رجلا صالحا قال أيضا: "ثم سافرنا من مدينة جرون، برسم لقاء رجل صالح ببلد خنج بال، فلما عدينا البحر، اكترينا دواب من التركمان، و هم سكان تلك البلاد، و لا يسافر فيها إلا معهم لشجاعتهم و معرفتهم بالطرق، و فيها مسيرة أربع، يقطع بها الطريق لصوص من الأعراب، و تهب فيها ريح السموم في هري تموز و حزيران، فمن صادفته قتلته، و بها قبور كثيرة للذين ماتوا فيها بهذه الريح، و كنا نسافر فيها بالليل، فإذا طلعت المس نزلنا تحت ظلال الأشجار من أم غيلان، و نرحل بعد العصر إلى طلوع الشمس، و نزلنا بزاوية الشيخ العابد أبي دلف محمد، و هو الذي قصدنا زيارته". (25)
و بعد، فأي عذاب أشد، و أية أهوال أفظع، من كل هذا الذي كان ابن بطوطة يلاقيه، من أجل زيارة الأولياء؟ و هل هناك مبالغة بعد كل ما سمعنا عن عذابه في زيارة الأولياء في القول بأن زيارة الأولياء أحياء و أمواتا و التبرك بهم كانت الدافع الأساسي الذي دفع ابن بطوطة في مغامراته و طوافه بمشارق الأرض و مغاربها؟
كانت إقامة ابن بطوطة في رحلته الطويلة في أكثر من الأحيان في الزوايا، فكانت الزوايا تقدم الطعام و المأوى، و فيها كان ابن بطوطة يلقى الصالحين و الأولياء، و الزوايا في القرن الثامن، أي في زمن ابن بطوطة كانت مؤسسات اجتماعية و دينية، ذات وظائف سياسية هامة، فلما انتزى على الحكم في الأمصار الإسمية أقوام غير قرشيين، فإنهم اضطروا إلى تقريب أهل التصوف لإضفاء نوع من الشرعية على حكمهم، حدث ذلك في المغرب و المشرق على السواء، فلا عجب إذن، إذا رأينا ولاة الأمر في ذلك العصر يتنافسون في بناء الزوايا، و في القيام بشؤونها.
و في رحلة ابن بطوطة وصف دقيق لكثير من زوايا العالم الإسلامي، استوفى فيه الكلام على نظامها و طريقة تسييرها.
و الزوايا التي أقام بها ابن بطوطة و تحدث فيها عن رحلته كثيرة جدا، وكنت قد هممت بتتبعها، فوجدت أن ذلك يتطلب جهدا خاصا، و أن البحث فيها يستحق بحثا مفردا.
وكانت الزوايا تؤوي طوائف من المتصوفة مختلفة المشارب، متشعبة الطرائق، و لعل الجامع الوحيد بينها كلها تلك المسحة الروحية التي كانت تجذب ابن بطوطة في الهند، و منها الطائفة الحيدرية، و في وصفها يقول ابن بطوطة:
"كنت مرة بموضع يقال له "افقانبور"، من عمالة "هزار آمروها"، بينها و بين دهلي، حضرة الهند، مسيرة خمس، و قد نزلنا بها على نهر يعرف بنهر السرور، فأقمنا على النهر أربعة أيام، و وصل إلى هناك جماعة من الفقراء في أعناقهم أطواق الحديد، و كبيرهم رجل أسود حالك اللون، و هم من الطائفة المعروفة بالحيدرية، فباتوا عندنا ليلة، و طلب مني كبيرهم أن آتيه بالحطب ليوقدوه عند رقصهم، فكلفت والي تلك الجهة أن يأتي بالحطب، فوجه منه نحو عشرة أحمال، فأضرموا فيه النار بعد صلاة العشاء الأخيرة حتى صارت جمرا، و أخذوا في السماع، ثم دخلوا في تلك النار، فما زالوا يرقصون و يتمرغون فيها...". (26)
و عن تنظيم إحدى الزوايا في مصر، قال ابن بطوطة: "و من عوائدهم في الطعام أنه يأتي أحدهم إلى الزاوية... صباحا، فيعين لكل واحد (من الفقراء) ما يشتهيه من الطعام، فإذا اجتمعوا للأكل جعلوا لكل إنسان خبزه و مرقه في إناء على حدة، لا يشاركه فيه أحد، و طعامهم مرتان في اليوم، و لهم كسوة في الشتاء و كسوة في الصيف، و مرتب شهري من ثلاثين درهما للواحد في الشهر إلى عشرين، و لهم حلاوة من السكر في كل ليلة جمعة، و الصابون لغسل أثوابهم و أجرة لدخول الحمام، و الزيت للمصباح، و هم أعزاب و للمتزوجين زوايا على حدة، و من المشترط عليهم حضور الصلوات الخمس، و المبيت بالزاوية، و اجتماعهم بالقبة داخل الزاوية... إلخ". (27)
و في موضوع زاوية أخرى يقول ابن بطوطة: "و أقمت بمدينة رامس ليلة واحدة، ثم رحلنا منها ثلاثا، في بسيط قرى يسكنها أكراد، و في كل مرحلة منها زاوية فيها للوارد الخبز و اللحم و الحلواء، و حلواؤهم من رب العنب، مخلوط بالدقيق و السمن، و في كل زاوية الشيخ و الإمام و المؤذنون و الخادم للفقراء، و الخدم و العبيد يطبخون الطعام...". (28)
و يخيل للباحث، و هو يتتبع ما ورد في الرحلة عن الزوايا و الخيرات التي كان ينعم بها روادها أن المجتمع الإسلامي على هذا العصر انقسم قسمين: قسم انصرف كليا للعبادة، لا يهمه من أمر الدنيا شيء، إذ الخيرات تأتيه دونما تعب في طلبها و قسم يكدح من اجل نفسه، و من اجل هؤلاء المنصرفين إلى العبادة، و لاشك في أن الحياة في الزوايا بهذا الشرط كانت تجلب الكثيرين إليها، على أن ابن بطوطة، لم يكن عندما قرر غير ما مرة الانصراف عن الدنيا في زاوية من تلك الزوايا، مدفوعا بما تغدقه الزاوية على روادها، أو المريدين بها على الأصح، و ذلك لأننا نجده كل مرة يقرر فيها الانصراف عن هموم الحياة إلى العبادة، إنما يكون مدفوعا بهاجس صوفي قوي أججته نكبة من نكبات الدهر، و ابن بطوطة حدثته نفسه غير ما مرة بالإقامة الدائمة في زاوية يخدم فيها وليا من الأولياء إلا أن النفس اللجوج فيما قال كانت تصرفه عن ذلك.
و لعله اتضح لنا كيف كانت رحلة ابن بطوطة بحثا دؤوبا عن الأولياء، و كم لقي من عناء في ذلك، و قد يكون من المفيد الإشارة إلى أن زيارة الأولياء مما كان يحث عليه شيوخ التربية الصوفية، هذا،  و أحدهم قصيدة شهيرة في الموضوع يحسن إيراد شيء منها.
قال أبو إسحاق إبراهيم التازي، دفين وهران:
زيارة أربـاب التقى مـرهم يبري      و مفتـاح أبـواب الهدايـــــة و الخير
و تحدث في القلــب الخلي إرادة      و تشرح صدرا ضاق مـن شدة الوزر
و تنصر مظلـومـا و ترفع حاملا      و تكسب معــــدومــا و تجبر ذا كسر
عليك بها فـالقوم بـاحـوا بسرها       و أوصوا بها، ياصاح في السر والجهر
و لا فرق في أحكامهـا بين سـالك     مرب، و مجذوب، و حي و ذي قبر (29)
كان ابن بطوطة كما سبق القول كثيرا ما تحدثه نفسه باعتزال الناس من أجل صحبة ولي في إحدى الزوايا، يخدمه و ينال بركته، و قد زار مرة إحدى الزوايا، و بعد أن شاهد ما شاهد من انصراف المريدين فيها إلى الله طوال الليل، أراد البقاء طول عمره معهم، و في ذلك يقول:
"و جامع هذه المدينة من أحسن الجوامع، و فيه جماعة من الفقراء المنقطعين إلى العبادة، و إذا صلوا العصر اجمعوا للذكر بين يدي الشيخ إلى صلاة المغرب، و إذا صلوا المغرب أخذ كل واحد منهم موقعه للتنقل، فلا يزالون كذلك إلى صلاة العشاء الآخرة، فإذا صلوا العشاء الآخرة أقاموا على الذكر إلى ثلث الليل، ثم انصرفوا، و يعودون في أول الثلث الثالث إلى المسجد فيتهجدون إلى الصبح، ثم يذكرون إلى أن تحين صلاة العصر، فينصرفون بعد صلاتها، و منهم من يقيم إلى أن يصلي صلاة الضحى بالمسجد، و هذا دأبهم أبدا، و لقد كنت أردت الإقامة معهم باقي عمري، فلم أوفق إلى ذلك، و الله تعالى يتداركنا بلطفه و توفيقه". (30)
و عقب محنة لحقته انقبض عن الناس ولازم أحد الشيوخ، و في ذلك يقول رحمه الله:
"ذكر انقباضي عن الخدمة، و عزوفي عن الدنيا، و لما كان بعد مدة انقبضت عن الخدمة، و لازمت الشيخ الإمام العابد الزاهد الخاشع الورع، فريد الدهر و وحيد العصر كمال الدين عبد الله، و كان من الأولياء، و له كرامات كثيرة قد ذكرت منها ما شاهدته عند ذكر اسمه، و انقطعت إلى خدمة هذا الشيخ، و وهبت ما عندي للفقراء، و ظهر لي من نفسي تكاسل بسبب شيء بقي معي، فخرجت عن جميع ما كان عندي من قليل و كثير، و أعطيت ثياب ظهري لفقير، و لبست ثيابه، و نزلت بزاوية، و ذلك في أواخر جمادى الثانية، سنة (اثنتين و أربعين و سبعمائة) فاعتكفت بها شهر رجب، و عشرة من شعبان، و انتهيت إلى مواصلة خمسة أيام، و أفطرت بعدها على قليل أرز دون إدام، و أثناء ذلك كنت أقرأ القرآن كل يوم، و اهجد بما شاء الله، و أقمت على ذلك أربعين يوما". (31)
و النص خير دليل على عمق البعد الصوفي في قلب ابن بطوطة، هذا و قد أورد في رحلته أنه انتهى به الأمر إلى أن صار يختم القرآن مرتين في اليوم، و بقي على تلك الحال ثلاثة أشهر". (32) و أكثر ما كان يضيء الوجد الصوفي قلب ابن بطوطة اشتداد المحن به، فعندما هم أحد مخدوميه من سلاطين الهند بعقابه، و تيقن ابن بطوطة أن لا مفر له من ذلك، ألهمه الله، فيما قال، تلاوة قوله تعالى: (حسبنا الله و نعم الوكيل)، فكان يقرأها ثلاثة و ثلاثين ألف مرة في اليوم، و وصل إلى خمسة آلاف. (33)
و كان ابن بطوطة شديد الحرص على لبس المرقعات و الخرق، قد لبس الخرقة من غير يد، و له فيها أسانيد كان شديد الاعتزاز بها، حريصا عليها.
و الخرق، فيما ذكر أبو سالم العياشي في رحلته، ثمانية (34) تنتهي كلها إلى الرسول صلى الله عليه و سلم، و قد تتبعنا أسانيد أبي سالم العياشي في الخرق فلم نجد من بينها سندا يرد فيه ذكر لابن بطوطة، و هذا يؤكد ما سبق قوله من إهمال المغاربة لرحلة ابن بطوطة و لصاحبها، فلم يأخذوا عنه شيئا، و لعل لموقف الأندلسيين من ابن بطوطة يقصه عليهم من أخبار رحلته،  و هذا ابن جزي، المكلف بتحرير الرحلة من قبل أبي عنان يقف، عندما يجد الفرصة مناسبة، ليظهر تهافت أسانيد ابن بطوطة، و من ذلك تعليقاته على سند ابن بطوطة في بعض الخرق. (35)
لبس ابن بطوطة الخرقة من يد الشيخ الصالح العابد أبي عبد الرحيم بن مصطفى، و هو من تلامذة تاج الدين الرفاعي، و له معه صحبة، و ألبسه إياها كذلك في أصبهان الصالح العابد القطب حسين ابن الشيخ الصالح ولي الله شمس الدين محمد بن محمد بن علي المعروف بالرجاء، و لبس ابن بطوطة الخرقة، أيضا، على يد الشيخ العابد الزاهد الشريف قطب الدين، و بقي ابن بطوطة محتفظا بهذه الخرقة إلى أن فقدها في البحر، سلبه إياها الجوس. (36)
هكذا يتأكد لنا تشبع روح ابن بطوطة بالتصوف قولا، و سلوكا، و من كانت حالته كحال ابن بطوطة في الطواف على الأولياء و الاغتراف من ينابيع التصوف، حيث كانت، فلا شك في انه سيفضي به الحال إلى باب الكرامات. (37)
و نورد فيما يلي بعضا من الكرامات مما شاهد و عاينه أو حصلت له.
فمن الكرامات التي كان ابن بطوطة موضوعا لها مكاشفة الزاهد برهان الدين الأعرج إياه بالبلدان التي سيصل إليها في رحلته، و لم يكن ابن بطوطة، فيما قال، يخطر له شيء من ذلك بعد، و منها أن الشيخ عبد الله المرشدي كاشفه برؤيا رآها، و أولها له، فصدق في المكاشفة و تعبير الرؤيا، (38) و مها ما وقع له مع الشريف أبي محمد الحسيني، و ذلك أن الشريف المذكور كاشفه بكونه لن يتيسر له الحج في سنته تلك، فكان كما قال، (40) و منها هذه الكرامة التي نوردها بلفظ ابن بطوطة لدلالتها الخاصة فيما نحن به: "قال ابن بطوطة:
"دخل علي – يعني قطب الدين حسين، المعروف بالرجاء – بموضع نزولي من الزاوية، و كان ذلك الموضع يشرف على بستان للشيخ، و كانت ثيابه قد غسلت في ذلك اليوم، و نشرت في البستان، و رأيت في جملتها جبة بيضاء، فأعجبتني، و قلت في نفسي: مثل هذه كنت أريد، فلما دخل علي الشيخ نظر في ناحية البستان، و قال لبعض خدامه: ائتني بذلك الثوب، فأتوا به، فكساني إياه، فأهويت إلى قدمه أقبلهما". (41)
و لكثرة ما في الرحلة من أخبار المتصوفة و كراماتهم، فإن الرحلة تقترب في بعض فصولها من كتب المناقب، أما اعتبار الرحلة مصدرا أساسيا من مصادر التصوف فهذا أمر لا يرقى إليه الشك نظرا لما أسلفنا.
و قد انتهى الأمر بابن بطوطة في أواخر أسفاره، في رحلته إلى السودان، و بعد نحو من ربع قرن قضى معظمها في مجاورة المتصوفة إلى أن صار يسمع في نومه هتافات، فقد ذكر أنه أيام إقامته في السودان، رأى فيما يراه النائم، كأن إنسانا يقول له: يا محمد ابن بطوطة، لماذا لا تقرأ سورة يس في كل يوم؟ فمن ذلك اليوم ما ترك قراءتها كل يوم. (42)
 و من كل ما سبق يتبين أن ابن بطوطة عريق في التصوف، و أن رحلته كانت سياحة من قبيل السياحة الصوفية التي حث عليها، كما رأينا، أهل التصوف، و لولا ما شابها من غرائب نفرت القدماء من المحدثين و المتصوفة منها لكانت من منابع المتصوفة في المغرب و المشرق.
و لعل معترضا على هذا يقول:
كيف يصح هذا و ابن بطوطة نال من أطايب الدنيا ما شاء؟ فتزوج مرات، و تسرى مرات، و كانت الجواري المغنيات لا تفارقنه، إذ كان يصحب معه الجواري في سفره من أجل الغناء. (43)
و الجواب هو أن المتصوفة في الإسلام لم يزهدوا في النساء، بل كانوا يتزوجون، و يتسرون و يحثون على الزواج.
و يحسن أن ننقل هنا بعض ما قاله الشيخ أحمد بن عجيبة في الموضوع.
قال الشيخ ابن عجيبة: "اعلم أن النكاح مرغب فيه في الجملة، و هو سنة من سنن المرسلين، و قد يجب على من خاف على نفسه الزنى، و قال سهل بن عبد الله: لا يصح الزهد في النساء، و قال غيره: ليس في كثرة النساء دنيا". (44)
و مهما كان الأمر، فإن نزوع ابن بطوطة إلى التصوف أمر لا يرقى إليه شك، و لا عجب في ذلك، فالمغرب في زمنه كانت أرضه تنبت الأولياء كما تنبت الكلأ، كما قال ابن الخطيب القسطيني، رحمه الله.

مصادر البحث:
- رحلة ابن بطوطة: نشر دار التراث – بيروت – لبنان.
- رحلة أبي سالم العياشي: ماء الموائد، نشر الدكتور محمد حجي.
- فهرسة ابن عجيبة: نسخة مخطوطة.


1) ينظر في الموضوع بحث لكتب هذه السطور بعنوان: التواصل العلمي بين أقطار المغرب، و قد نشر ضمن بحوث الجامعة الشتوي المنعقدة بإفران.
2) الإحاطة: 3/3، و قد وصفه أبو البركات، و عنه نقل ابن الخطيب ترجمته، بقلة الطلب.

3) تنظر بعض مرواته في رحلته: 103، 209، 219، هذا و لابن بطوطة تأليف جمع فيه جملة من الأحاديث بأسانيده فيها ورفعها إلى أحد مخدوميه من الملوك. رحلة ابن بطوطة. ص: 289.
4) ينظر في ذلك ملخص رح البردة للجادري عند شرح قول البوصيري: لعل رحمة ربي حين يقسمها... البيت.
5) النفاضة 137.
6) ينظر في هذا كلامه عن ابن تيمية في رحلته.
7) الرحلة: 21.
8) الرحلة: 21.
9) الرحلة: 28.
10) ينظر كتاب العلامة المنوني: ركب الحاج.
11) الرحلة: 10.
12) فهرسة ابن عجيبة. نسخة خطية.
13) فهرسة ابن عجيبة ورقة:7.
14) ورد ذكره في الرحلة غير مرة، و انظر عن سبيل المثال ص: 272.
15) الرحلة: 26.
16) الرحلة: 20.
17) الرحلة: 34.
18) الرحلة: 29.
19) الرحلة: 33.
20) الرحلة: 34.
21) الرحلة: 99.
22) الرحلة: 211.
23) الرحلة: 602.
24) 199.
25) الرحلة: 267.
26) الرحلة: 120.
27) الرحلة: 35.
28) الرحلة: 7.
29) و التازي عاش بعد ابن بطوطة بزمان، و لكن الأبيات إنما تتضمن ما كان معروفا بين القوم.
30) الرحلة: 209.
31) الرحلة: 518.
32) الرحلة: 560.
33) الرحلة: 517.
34) ماء الموائد: 1/208.
35) الرحلة: 308.
36) الرحلة: 196، 197.
37) الرحلة: 211، و في أكثر من موضع في رحلته.
38) الرحلة: 28.
39) الرحلة: 25.
40) الرحلة: 47.
41) الرحلة: 196.
42) الرحلة: 675.
43) فهرسة ابن عجيبة.
44) الرحلة: 574، 561.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here