islamaumaroc

هل للحكومة وظائف اقتصادية؟

  دعوة الحق

33 العدد

إن الحكومة تحت ظل النظام الرأسمالي تقف جانبا تاركة إدارة الأفراد حرة في معالجة مشاكلهم الخاصة بإشباع ما تتوق إليه أنفسهم ورغباتهم من حاجات. فيتجه المنظمون (أصحاب المشروعات) إلى إنتاج تلك الأنواع من السلع والخدمات التي يرون جانب الطلب عليها قد مال بها إلى ضرورة إحداث المزيد منها –وباتخاذ المنظمين لهذا السلوك الطبيعي يحققون لمشروعاتهم الربح (الذي هو غايتهم من أهدافهم الإنتاجية) وللمجتمع فائدة الحصول على تلك السلع والخدمات التي كانت في طريقها إلى النضوب...
وبذلك يتحقق التوازن بين ما يطلبه الأفراد وبين ما يعرضه المنظمون الذين اتخذوا من جهاز السوق قياسا وميزانا يهتدون به في معرفة رغبات الأفراد.
غير أن هذا النظام الذي يترك المنظمين أحرارا في معالجة مشاكلهم الاقتصادية لا يعني أنه يلغى أو يوقف الحكومة عن تقديم خدماتها وإنتاج سلع بجانب ما ينتجه الأفراد، إذ هناك من الحاجات ما تقصر المنشآت الخاصة عن إشباعها بل قد لا تكون من أغراضها التي من أجلها وجدت.. فالخدمات التي يحصل عليها الأفراد من الدفاع الوطني والأمن الداخلي والقضاء خدمات أساسية تتصف بطابع جماعي بمعنى أنها لازمة لكل الأفراد ولا يمكن أن يقتصر أداؤها لفرد دون الآخر ما دامت رابطة الوطن تجمع بينهم تحت منظمة اجتماعية واحدة... وهي إذ تؤدى لأفراد المجتمع لا تنتظر ثمنا يتناسب مع استفادتهم منها، ويرجع ذلك إلى عدم إمكان حصر أو قياس ما يصيبه فرد ما من وجود المحاكم أو رجال البوليس من منافع... وهي بطبيعة الحال من مقومات ومقتضيات وجود الحكومة، بوجودها يكتمل الإطار السياسي للدولة..
وبجانب هذه الخدمات التي تعد من مقتضيات وجود الحكومة توجد مرافق أخرى تستند فكرة قيام الحكومة بأدائها إلى كونها خدمات جماعية يصعب مطالبة من ينتفع بها مباشرة بدفع المقابل كالطرق العامة التي تربط بين أنحاء البلاد داخليا وبينها وبين البلاد الأخرى.. فهي خدمات غير قابلة للتجزئة بمعني أننا لا يمكننا أن نطالب المستفيد منه بجزاء ثمنا يتناسب ومدى ما يصيبه من فائدة في استعماله للطرق .. وإن كانت –قديما- تدفع إتاوات عن استعمال الطرق فإنه في عصرنا هذا يصعب اتخاذ هذا الإجراء وذلك راجع إلى تقدم العمران وازدحام السكان وقد يظن البعض أن الضرائب التي تدفع عن السيارات ما هي إلا ثمن مقابل استخدام الطرق لكن هذا غير صحيح ولو أنه في غالب الدول تستخدم حصيلة هذه الضرائب في الإنفاق على إنشاء الطرق وتعبيدها. لأنه لو كان الأمر كذلك لكان هناك تعسف في تقدير مقدار هذه الاستفادة نظرا لتباين المسافات التي تقطعها السيارات، أضف إلى ذلك أن الدواب والعربات تطرق هذه الطرق دون أن يتحمل معظمها بضريبة ما.
وهذه الحالة تنطبق كذلك على الإذاعة ما دامت لا تذيع إلا البرامج العامة دون قيام بدعاية وإعلان ففي هذه الحالة تكون الخدمات جماعية أي عامة بينما أن كانت تتخلل هذه البرامج برامج تجارية إعلانية فإن هذه الأخيرة تكون قابلة للتجزئة أي أنها تفيد طائفة معينة بصفة مباشرة بحيث يمكن قياس مدى الاستفادة بسهولة لأنها خدمات خاصة تقدم لهذه الطائفة.. ولذلك نجد في دول كثيرة تقوم إذاعات خاصة (شركات) بمثل هذا العمل لأنه يعتبر عملا تجاريا غايته الأخيرة الربح..
وبالإضافة إلى الخدمات السالفة الذكر والتي تعتبر جماعية لا تكون الغاية من أدائها تحقيق الربح أو حتى تغطية النفقات فإن الحكومة تقوم بخدمات من صميم النشاط الخاص مقابل أثمان زهيدة وذلك تحقيقا للعدالة الاجتماعية ورفعا لمستوى الشعب المادي والمعنوي.. وتتدخل الحكومة لتأدية هذه الخدمات في الحالات الآتية:
1 – عندما يعجز الأفراد عن تقدير أهمية بعض الحاجات تقديرا صحيحا مثال ذلك حاجة المواطنين إلى التحصين ضد الأمراض والحاجة إلى التثقف والاطلاع عن طريق المكتبات فلكي تغري الأفراد وتجعلهم يلجؤون إلى  إشباع هذه الحاجات التي غفلوا عنها فإنها لا تعتمد على سلطاتها في إلزامهم وإكراههم على القيام بها، بل تعمد إلى عرضها عليهم بالمجان أو بأثمان مخفضة، فيكون ذلك تشجيعا لهم على الإقبال عليها والانتفاع بها.
2- وإذا كانت الحالة الأولى يفترض فيها أن الأفراد يعجزون عن تقدير أهمية بعض الحاجات التقدير الصحيح فإننا نجد في حين آخر أن عدم الإقبال على اتباع حاجات أخرى لا يرجع إلى عدم الشعور بالأهمية بل إلى قلة الموارد التي لديهم، رغم الشعور الجارف بضرورتها وأهميتها.. مثل الحاجة إلى التعليم والحاجة إلى مياه صالحة للشرب – فالعدالة الاجتماعية تقتضي في هذه الحالة بأن تقوم الحكومة بتقديم ما يلزم لإشباع هذه الحاجات بأثمان زهيدة لا تتناسب مع تكاليف تأديتها ...
3 – وعندما ترى الحكومة أنه بالرغم من كون الخدمات يعتبر الانتفاع بها مباشرة (بحيث تستطيع المنشآت الخاصة أن تؤديها للجمهور) إلا أنها تلجأ إلى إسدائها إذا كانت هناك منفعة عامة مشتركة تعود منها، كما هو الحال في التعليم الجامعي. إذ أن مثل هذا التعليم كما يعود على الفرد بما يرفع من مستواه العلمي والاجتماعي ويحقق له مركزا يزيد من مقدرته على الكسب.. فإنه في الوقت نفسه يفيد الوطن الذي يفخر بوجود أخصائيين يرفعون من مستواه العلمي ويؤدون له خدمات صالحة.
وكذلك حال بعض المشروعات العامة التي تقوم بها الحكومة بالرغم من وجود عنصر الاستفادة المباشرة التي يمكن تقييمها إلا أنه نظرا لوجود مصلحة عامة فإن الحكومة لا تتخلى عن القيام بمثل هذه الوظيفة مثال ذلك السكك الحديدية فبجانب الخدمات الخاصة التي تقدم للمسافرين لقاء ثمن تذاكرهم فهناك مصلحة عامة تتمثل في تيسير طرق المواصلات بين أنحاء البلاد المختلفة وبينها وبين الدول الأخرى مع رفع مستوى البلاد المادي..
ومن هذا ترى أن الحكومة لم توجد عبثا فهي تقوم بوظائف لها من الأهمية مالها بحيث تحقق العدالة الاجتماعية وترفع من مستوى الشعب المادي والمعنوي وتكفل إشباع الحاجات والرغبات التي يعجز عن تقديمها الأفراد الممثلون في الشركات والمؤسسات الخاصة لو تركوا أحرارا في تصرفاتهم.
وسواء أكانت تلك الخدمات أساسية كالدفاع الوطني والأمن الداخلي والقضاء أو كانت اجتماعية كالإجراءات الصحية والتعليم والتأمين الاجتماعي أو كانت اقتصادية كالتي تؤديها مصالح وزارات التجارة والصناعة والمواصلات... فإن تأديتها بواسطة مصالح حكومية معناه قيام الحكومة بوظيفة اقتصادية باعتبار أنها تشبع بعض حاجات المجتمع وتساهم بذلك في معالجة المشكلة الاقتصادية..
على أن هذه الخدمات ليست كل ما تقوم به الحكومة في وظيفتها بل بجانب تنظيم هذه الخدمات العامة التي تعتبر المجال الأول لنشاطها الاقتصادي فهناك وظيفة اقتصادية أخرى وجدت لمعالجة العيوب التي يتسم بها النظام الرأسمالي.
فالرأسمالية بالرغم مما حققته لبعض الدول من تقدم مادي لا نظير له في النظم الأخرى إلا أن لها من العيوب ما جعل الاقتصاديين يولونها جانبا كبيرا من الاهتمام رغبة في تجنب أضرارها.
وترجع عيوب نظام الرأسمالية إلى الأسباب الآتية:
الملكية الفردية –الحق في الميراث – المنافسة- عدم استجابة عوامل التوازن للتغيرات التي تطرأ على الظروف الاقتصادية إلا بعد مضي مدة من الزمن.
فالملكية الفردية بجانب الحق في الميراث تؤدى إلى وجود تفاوت كبير في الدخول بتركز أموال طائلة في أيدي قلة –في غالب الأحيان- وهذه الثروات تعطى نتيجة استغلالها عائدا عاليا مما يزيد من مضاعفتها، فلا يرجى بذلك لتلك الكثرة الغالبة ممن قدر لهم ألا يتمتعوا (بما تتمتع به الأقلية من ثروات ودخل) بدخل يرفع من مركزهم، لأن مضاعفة أموالهم لا يكون بنفس السرعة.
وإذا نظرنا إلى تصرفات المنظمين إزاء تلبية رغبات الأفراد فإننا نجدهم يولون الاهتمام الأكبر إلى تلك الحاجات التي يطلبها الأغنياء. لأنها تعود عليهم بأرباح تغريهم وتقعدهم (في الغالب) عن إنتاج تلك الحاجات الضرورية التي يشعر الفقراء بضروراتها، فتحرم بذلك هذه الطبقة الفقيرة نتيجة هذا التصرف التلقائي من طرف المنظمين.
وعلاجا لهذين العيبين (الحق في الميراث-الملكية الفردية) تتدخل الحكومة لتقليل التفاوت بين دخول الأفراد عن طريق فرض ضرائب تتناسب ومقدرتهم على الدفع، وتكون هذه الضرائب بالطبع تصاعدية (أي أنها ترفع من سعرها كلما زادت قيمة الدخل-وقد يصل في بعض الأحيان ارتفاع سعر الضريبة إلى حد مصادرة ما زاد عن قدر معين من الدخل) وذلك باعتبار أن الضريبة لا تعتبر موردا من موارد الدولة فحسب بل هي أداة تستعين بها لتحقيق العدالة الاجتماعية. وكذلك حال الضرائب التي تفرض على الثروات التي يرثها أقارب المتوفي بحيث يرتفع سعرها كلما بعدت درجة قرابة المتوفى أو كانت قيمة الثروة الموروثة كبيرة..
وبجانب فرض الضرائب لتقليل التفاوت فإن الحكومة تعمل على تحسين حالة الطبقة الفقيرة بما تقدمه من خدمات وسلع بأثمان منخفضة حتى تضمن مستوى ملائما للمعيشة لهذه الطبقة الكادحة..
أما المنافسة كعيب من عيوب الرأسمالية فهي تتمثل في تلك الاتحادات الاحتكارية (المسماة بالترست والكارتل والشركات القابضة) والتي تنافس المشروعات الصغيرة. وتضغط عليها بشتى الأساليب المعروفة لدى المنظمين، حتى يقضوا عليها فيخلو لهم الجو للتمتع بالسوق بما يشبه الاحتكار.
ولكي تحد الحكومة من تمادي مثل هذه المشروعات أو التكتلات في سياستها التحكمية تفرض عليها ضرائب مناسبة على منتجاتها أو تنشيء مشروعات عامة تنافسها في إنتاجها وتحد من سلطانها.
وبالنسبة لمدى سرعة إعادة حالة التوازن بعد اختلال النشاط الاقتصادي فإن الأمر إن ترك بيد الأفراد (المنظمين) ليعيدوه إلى حالته الطبيعية بعد اختلاله فإن ذلك قد يتحقق ولكن بعد أن تمضي مدة من الزمن تكون الأزمات قد تمكنت من معظم فروع الإنتاج وزعزعت الكيان الاقتصادي... لهذا فإن الحكومة –بما لها من سلطة مطلقة- تستطيع أن تعجل بإعادة الحالة إلى طبيعتها عند الشعور بأول بادرة من بوادر الأزمة أو هزة من هزات الكساد، فتسعى إلى علاج هذه الحالة بإيقاف الأزمة قبل استفحالها والكساد قبل تفشيه في سائر الميادين ..وذلك باتخاذ إجراءات معينة كتخفيض عبء بعض الضرائب والتوسع في الإنفاق أو التحول من نشاط إلى آخر كل ذلك وغيره حسب ما تقتضيه ظروف الحال..
كانت هذه نظرة خاطفة على الوظائف التي تقوم بها الدولة تحت النظام الرأسمالي الحديث وهي بطبيعة الحال تستلزم أموالا طائلة لا تحصل عليها الدولة بتلك الوسائل التي تستخدمها المشروعات الخاصة (أي الفردية) وذلك راجع إلى كون الدولة لا تريد أن تحصل من أفرادها المنتفعين مباشرة من خدماتها على المقابل (الثمن) بل تلجأ (بما لها من سلطة) إلى مطالبة رعاياها القادرين على الدفع من أموالهم بالمساهمة في تلك النفقات التي تتكلفها هذه المشروعات بغض النظر عما إذا كانوا يستفيدون منها أم لا وتتمثل هذه المساهمة في تلك الضرائب التي يقدمها القادرون على الأداء..
يمكن لنا أن نستخلص في النهاية أن الخدمات العامة أو الوظائف الاقتصادية للدولة تتميز بخصائص ثابتة:
العمومية : بحيث لا يقتصر على تأديتها لفئة معينة دون أخرى لاعتبارات سياسية أو حزبية بل تؤدى لجميع المواطنين.
الأهمية : وهذه الصفة كفيلة بتبرير قيام الهيئات العامة بتأديتها إذ لو لم يكن هناك أهمية لما كان لزاما على الحكومة أن تضطلع بمهامها .
الاستمرار: ما دامت هناك حياة منظمة في المجتمع فلا يعقل أن تتوقف لأنها مرتبطة بوجوده. وباقية ما بقي نظام المجتمع..


 
  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here