islamaumaroc

الحسن الثاني مفخرة الأمة الإسلامية

  ماء العينين لارباس

303 العدد

منذ أن بعث الله لهذه البشرية سيد الوجود محمدا صلى الله عليه وسلم الذي هدى به الله كثيرا من خلقه، وهذه الأمة يظهر فيها من حين لآخر من يدافع عن قيمها ويحقق لها مصالحها ويسعى لنشر السلام وصون كرامة الإنسان.
وإذا كان ملوك العرش العلوي المجيد حققوا للبشرية منذ أن شرف الله الشعب المغربي بقيادتهم الحكيمة ما تعتز به الأمة الإسلامية ويفخر به أبناء المغرب من نشر السلام والمحافظة على ملة جدهم محمد صلى الله عليه وسلم سيد الأنام فإن شمس ضحى قمم الملوك وواسطة عقد درهم الثمين وخليفة سيد المرسلين هو أمير المومنين جلالة الملك الحسن الثاني.
فمنذ أن اعتلى عرش أسلافه المنعمين وهو ينافح عن إبراز القيم وتعميق روح الفضيلة في سلوك البشرية، فلا يالو جهدا حفظه الله في الدفاع عن حقوق الإنسان... ولا غرابة في ذلك فقد تربى في مدرسة المجاهد الأكبر والمقاوم الأول والمناهض لمعاقل الظلم والطغيان جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه، فعل ونهل من تلك المدرسة المحمدية العلمية الجهادية، فكان الجناح الناهض والساعد الأيمن لرائد هذه المدرسة وأبي الوطنية والده المغفور له.
فالحسن الثاني شخصية فذة، وعبقرية حكيمة قيضها الله ويسرها في هذا العصر للأمة والأمة الإسلامية والإنسانية جمعاء فلقد واجه ما تعاني منه البشرية من حيف وهدر قيم، بإيمان الواثق من انتصار الحق، المتشبث بالمشروعية، الساهر على نشر العدالة. يفضل في علاجه لحل المشاكل المستعصية أسلوب الحوار والإقناع لتشبعه بالدفاع عن السلم، ولإيمانه المطلق بأن منطق الحق والقانون هما أقوى سلاح يواجه به كل من سلك سبيلا يجانف طريق العدل، لهذا الإيمان المحمدي لا يكترث بدعايات المغرضين، ولا يهمه تشويش المفسدين، ولا تشغله عن العمل الجاد في مصالح البشرية مخططات المتآمرين على قيمهم ومصالح شعوبهم ومستقبل أوطانهم، فيعالج بحكمته أمراض المنهوكين بالغلط، بما له من صبر وحكمة وترفع وروح طيبة مؤمنة تحب الخير للجميع وتعمل جادة في تحقيق الأمن والعدل والمساواة لفصائل المجتمع، فهو رحمة مهداة للإنسانية، وأكرر هذه الكلمة لمطابقتها للواقع.
فمن عهد جده المصطفى لم تجتمع ملوك وقادة شعوب العالم الإسلامي في ملتقى واحد على صعيد بقعة واحدة لتتدارس شؤون الأمة الإسلامية وتبحث عن حل مشاكلها لتعمل على نزع ما بينها من خلاف، وتحسن علاقتها بقلوب مفتوحة مع دول العالم بروح تنسجم مع العصر وتجدده المطرد.
فمن عهد جده المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يتحقق حلم هذا التجمع التاريخي الهادف لمصلحة الإسلام والمسلمين إلا به وعلى يديه... وهو الآن في سعي حثيث لا يعرف الكلل ولا الملل لجمع شمل الكل وسل فتيلة المصادمات بين شعوب المسلمين وقاداتها لدقة معرفته بالأسباب والمسببات التي خلقت أجواء التشنجات، وصدعت من قوة تياراتها من حين لآخر في ظرف يحمل في طياته مفاجآت، ما نجا من عواصفها العاتية إلا من أعطاه الله قيادة حكيمة رائدة رشيدة وعظيمة كما ننعم به نحن ولله الحمد.
اختارته شعوب وقادات العالم الإسلامي لرئاسة لجنة تحرير أولى القبلتين وثالث الحرمين، لما عرف الكل في جلالته من حنكة وعبقرية ناذرتين، فيحيل برأفته وأخلاقه المحمدية وبعد نظره الصعب سهلا، والعدو صديقا، وما الدور الطلائعي العظيم الذي قام به دام علاه في قضية فلسطين ببعيد عنا، نرجو من الله أن يخلصها مما تعاني منه حتى تتعايش شعوب وقادات أهل هذا المحور في هدوء وأمن وسلام وتعاون.
يسعى دام علاه في أن يتعاون سكان الكرة الأرضية ويدعم بعضها بعضا اقتصاديا واجتماعيا وأخلاقيا، وإن اتفاقية الكات التاريخية التي تحققت على أرضنا المضيافة لأكبر دليل على ما حققه سيدنا دام علاه من ترابط جهد وتماسك عمل واندماج مصالح بين شعوب هذا العالم قويها وضعيفها غنيها وفقيرها.
ومن خطاب جلالته التاريخي بمناسبة انعقاد هذا المؤتمر الذي يفتخر المغرب بانعقاده على أرضه والفريد من نوعه مشيرا إلى قضية فلسطين قال بالحرف:
(وإنه من علامات الاستبشار أيضا أن يصادف اجتماعنا بمراكش بداية تطبيق الاتفاقيات المبرمة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، وهي الاتفاقيات التي بتمكينها للعلم الفلسطيني من أن يرفرف على جزء من ترابه تسجل بداية لمسلسل الإطفاء النهائي لأقدم بؤرة للتوتر الساخن في العالم).
فبنظره السديد ورأيه المصيب يتمكن من حل أصعب المشكلات وأكثرها تشعبا وأشدها تعقيدا لمرونة علاجه الحكيم للأوضاع المستعصية وثقة الكل في شخص جلالته بعد المراس والتجربة.
عمل جادا دام علاه لإظهار محاسن الإسلام وإبراز إيجابياته. وكونه دين هداية وإصلاح وتهذيب لا تطرف في هذا الدين الحنيفي ولا تزمت ولا رهبانية. يريد من المسلم أن يطبق ما يدعو له الكتاب وتأمر به السنة من توحيد صف وتلاحم جهد وتوافق رأي، إلى غير ذلك مما يهدي له الأصلان: الكتاب والسنة.
كما يعطي لعلماء الإسلام في مشارق الأرض ومغاربها عناية خاصة وعطفا متميزا وتقديرا كاملا وتشجيعا يليق بمكانة العلم والعلماء فيحفزهم هذا الإنعام المولوي الكريم على القيام برسالتهم على الوجه المطلوب.
وفي عهد جلالته بذل الدعاة مجهودا جبارا داخل المغرب وخارجه لتبصير البشرية بحقيقة الإسلام وعقيدته النقية ومنهاجه المستقيم وأخلاقه المثالية.
 ولقد نفضت الدروس الحسنية الرمضانية، التي يرأسها أمير المومنين دام له النصر – الغبار عن حقيقة الإسلام السمحة حتى عرف الكثير يسره وعدم عسره وما ينطوي عليه من إصلاح الفرد والجماعة وما يدعو له من رحمة وتآخ وتعاطف بين أبناء الإنسانية.
ومما سهل في تبليغ ما يدعو له ديننا ما قامت به وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، بتوجيهات من أمير المومنين مشكورة، من ترجمة هذه الدروس الحسنية لعدة لغات إنجليزية وإسبانية وفرنسية حتى اطلع عدد هائل من الشعوب على ما يحث عليه هذا الدين ويدعو له. 
وكان في هذا العمل لرائد بيان حقيقة لمن بلغته عن الإسلام صورة مشوهة حتى يعلم بواسطة هذه الدروس الرفيعة ما يصبو إليه هذا الدين من إصلاح عقيدة وبناء مجتمع على أسس الفضيلة والسماحة والرحمة والعطف.
فلقد حاول أعداء الإسلام كما هو معروف أن يلصقوا به من نعوت التشويه ما هو بعيد عنه. ومن المعلوم أن البعض ممن ينتسب إلى الإسلام أعطى عنه نظرة قاتمة أساءت إلى ديننا أكثر مما أحسنت إليه، مع هذا الدين الحنيفي دين يسر وعدم عسر، ودين تبشير وعدم تنفير.
ولهذه الدروس الحسنية فضل كثير في تنوير الرأي العام وإبلاغه كيفية منهاج الإسلام وأسلوبه الشيق وطريقه المستقيم وإيمانه النقي وما يدعو له من توحيد الكلمة وتراص الصفوف حيث يجلس عالم |أمريكا المسلم بجنب عالم الصين المسلم مع غيرهما من علماء الإسلام لنثر درر علومهم الغالية حتى يلتقطها كل من له عناية بالقول الصحيح والدين القويم والطريق المثلى...
لقد ازدهرت الدعوة إلى الله في عهد سيدنا دام علاه بأسلوب يتلاءم وتجدد العصر المطرد.
وشمر علماء العالم الإسلامي عن ساعد جدهم وتباروا في نشر الهداية وترسيخ الإسلام في قلوب البشرية بالأسلوب الإنساني الإسلامي، الصرف.
وهكذا كان عمل الدعاة المومنين بجانب الولاة المجددين المخلصين الذابين عن الحق والمدافعين عن المشروعية والمتمسكين بنشر السلم والمتشبثين بالعدالة.
وكم ضافر ولاة المسلمين وعلماؤها المخلصون جهودهم لنشر الفضيلة وصون كرامة الإسلام وعقيدته السمحة في عهد ازدهار الدولة الإسلامية.
قال الأستاذ عبد الوهاب بن منصور مؤرخ المملكة في بحث له قيم تحت عنوان: تعاون الولاة والدعاة من شروط دوام الصحوة واتساعها، (1) قال:
(لم يكن علماؤنا كما يذكره التاريخ لهم بمنتهى الفخر والإعجاب من المعذرين ولا من المثبطين أو المتثاقلين بل كانوا سباقين إلى الدعوة إلى الله ونشر دينه قولا باللسان وعملا بالأبدان.
دخلوا الأندلس على قلتهم مع طارق بن زياد وأبلوا في معركة وادي المخازن البلاء الحسن الذي سارت بذكره الركبان بل إن منهم من قاد حملات الجهاد كأسد بن الفرات فاتح صقلية، ومنهم من أوغل في أعماق الصحاري ومجاهل السوادين كعبد الله بن ياسين الذي هدى الله على يديه شعوبا وثنية قبل أن يثني عنانه إلى  الشمال ليقضي على ضلالات برغواطة ويؤسس دولة المرابطين.
وزاد قائلا : علاقة العلماء بالملوك في المغرب تقوم في أغلب الأحيان على قاعدة حماية الدين والنظر في مصالح المسلمين).
لقد ضمنت هذه الجملة من بحث الأستاذ الجليل عبد الوهاب بن المنصور لما تنطوي عليه من إبراز العمل البناء الذي يقوم به الدعاة تاريخيا بمؤازرة الملوك، ولأبين أنه في العهد الحسني الزاهر تطور هذا التعاون ووصل أوجه في خدمة الإسلام والمسلمين بأسلوب أثار إعجاب الخاص والعام وأغنى مدرسة الحوار بين الحضارات الإنسانية.
ولقد أعطى هذا المنهاج السليم في إبراز الإسلام على حقيقته النتيجة المتوخاة منه حيث بدأ جل الشعوب وعدد من المفكرين المنصفين يحفظون للإسلام مكانته ويحترمون عقيدته، إضافة إلى أن من كتب الله عليه الهداية في سابق أزله اعتنق دين الإسلام عن اقتناع وبكامل طواعية ورسوخ إيمان.
(ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون).
ولكي تتجلى العلوم الإنسانية على حقيقتها وتستفيد أمم العالم من معارف علمائها في إطار يقارب وجهات النظر ويزدهر فيه الحوار العلمي البناء قامت الأكاديمية الملكية بنشاط فكري رائد حيث احتضنت هذه المؤسسة العلمية جهابذة من علماء هذا العصر في جميع أنواع الفنون وفي مختلف شعب التخصصات ومن جل الجنسيات العالمية العلمية، فأعطى أمير المومنين من خلال إنتاج هؤلاء الأعلام للإنسانية خلاصة علومهم المفيدة، ولب دراساتهم المعمقة، وزلال منبع ابتكارهم الخلاق لتستفيد البشرية من جوهر كنوز أبحاثهم القيمة وتكرع في أنهار معارفهم السامية حتى تطفئ ظمأ حب التطلع على مخبآت العلوم النفسية وتدفع بالمهتمين بالعلم للمزيد من تعميق معارفهم وتسلح المثقفين بتوسيع مداركهم حتى يجدوا أنفسهم الطموحة قادرة على الخلق والإبداع ويكونوا ممن يدفع بعجلة سير أمتهم إلى مدارج التقدم ومقام الكمال.
إن الأعمال الخالدة التي تعبر عن مدى سمو الهمة وقوة الإرادة والغيرة على الكرامة وتقديس القيم وعمق الإيمان وشموخ الحضارة والفناء في الله وحب رسوله – تتجلى في معلمة قرن العشرين مسجد الحسن الثاني الذي اندهش من شكل بنائه الجميل وموقعه الفريد من نوعه كل من زاره أو نظر فيه أو قرأ عنه، فبعد الحرمين الشريفين المكي والمدني لا يوجد لهذا المسجد مثيل الذي انتصب على البحر وباهى به البر.
همم الملوك إذا أرادوا ذكرها                         من بعـــــــدهم فبألسن البنيان
إن البناء إذا تعاظم قدره                               أضحى يدل على عظيم الشأن
لقد تبارى في بناء هذا المسجد السميق وزخرفته الرائعة المهندس والفنان المغربيان، فظهر في شكل بديع يشد الناظر إليه، أعجز الكتاب تصويره، والشعراء تشخيصه، لحسن تنميقه وتناسق زركاشته ونظام نقشه، وخبرة عامله، فكان لهذه البادرة العديمة الشكل وقع حسن في نفوس المسلمين في شتى أنحاء العالم.
كما ترجم هذا الإنجاز المعجز للعالم المكانة السامية التي يحتلها بيت الله عند سيدنا المنصور بالله.
فكم من مفكر وعالم عبر عن مدى تأثره بهذا العمل الذي خلد لنا نحن المغاربة فخرا نباهي به جميع الأمم ونعتز بتحقيقه في مدينة الجهاد والتضحية قلعة الدار البيضاء المقاومة التي تحتل مكانة خاصة في نفس أمير المومنين الحسن الثاني وأبي الوطنية المجاهد الأكبر المفور له محمد الخامس طيب الله ثراه.
فلنهنأ بهذا المسجد الحسني الذي يعتز العالم الإسلامي به وبمعاهده وخزاناته النفيسة وعلمائه الأكفاء.
لا غيب الله أجر ذلك عن أمير المومنين الحسن الثاني دام في حرز السبع المثاني، وأقر عينه بولي عهده الأمجد سمو الأمير مولاي سيد محمد، وبصنوه الرشيد سمو الأمير مولاي رشيد.
فالله نرجو أن يديم نعمة الصحة والعافية وطول العمر على الملك الحسن الثاني مفخرة الأمة الإسلامية دام علاه.
إنه سبحانه سميع مجيب.


1) المرجع: الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية:
الصحوة الإسلامية واقع وآفاق. الجزء الثاني من الصفحة السادسة من بحث الأستاذ عبد الوهاب بن منصور عنوانه: تعاون الولاة والدعاة من شروط دوام الصحوة واتساعها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here