islamaumaroc

أضواء على المناظرات العلمية في رحاب قصور الخلفاء والسلاطين

  حسن بن محمد سفر

303 العدد

• اشتدت حدة الخلافات الفقهية بعد عصر صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك نتيجة لتغلب العصبيات المذهبية بين الفقهاء وعلماء العقيدة من المسلمين. وبين غيرهم من أصحاب الديانات الأخرى. وقد أدى هذا الاتجاه إلى ظهور المناظرات والجدل العلمي.
وقد عرفت المعاجم الفقهية المناظرة بأنها: المقابلة بين شيئين.
وفي الاصطلاح الشرعي: هو تردد الكلام بين شخصين، يقصد كل منهما تصحيح قوله، وإبطال قول صاحبه.
ولقد كانت المناظرات العلمية أحد العوامل التي أدت إلى نهوض الفقه الإسلامي؛ بسبب تشجيع خلفاء وسلاطين وملوك الدولة الإسلامية لهذا الجانب، وقد حدثتنا كتب التشريع الإسلامي، وطبقات الفقهاء، أن هذه المناظرات كانت تعقد في رحاب بلاطات الخلفاء والسلاطين وعلى رأس هؤلاء الخليفة المأمون ( 189-218هـ) فمنذ أن استقرت له الخلافة الإسلامية عقد في رحاب قصره العامر مناظرات بين كبار العلماء والمتكلمين. ولقد كانت موضوعات المناظرات العلمية تختص في أصول الدين والعقائد، وفي تحكيم العقول في البحث العلمي. وليس بغريب على خليفة كالمأمون أن يقوم بهذا العمل التشجيعي لطلاب العلم، وإفادة الناس، فقد عرف عنه منذ نعومة أظفاره الجد والحرص على طلب العلم، والتفقه فيه؛ وهو رجل متنوع العمل.
وكان يرمي –رحمه الله- من تلك المناظرات إلى أمرين:
أولهما: إزالة الخلاف بين المتناظرين في المسائل الدينية.
وثانيهما: تثبيت عقائد من زاغوا عن الدين؛ لتتفق كلمة الأمة؛ امتثالا لأمر الشارع الحكيم – تبارك وتعالى – في قوله عز وجل: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا).
 قال يحيى بن أكثم: أمرني المأمون عند دخوله بغداد أن أجمع له وجوه الفقهاء والعلماء؛ فاخترت من أعلامهم أربعين رجلا، فجلس المأمون لهم وسألهم وناظرهم، فلما انقضى المجلس طلب مني الخليفة – نصره الله – أن أكرره لهم وقال: إنني لأرجو الله من هذا المجلس العلمي أن أرضي وأصلح للدين. إما شاك فيتبين ويثبت فينقاد طوعا.. وإما معاند فيرد بالعدل كرها. (*)
وعلى الرغم من حمى وطيس المناظرات، وارتفاع أصوات المتناظرين، بحضرة الخليفة (المأمون) إلا أنه كان – رحمه الله- رحب الصدر في: الجدل، المناظرة، والإصغاء إلى مختلف الآراء، وهي منة يختص الله بها من يشاء من عباده كالملوك والأمراء والقضاة والأئمة والسلاطين، وهذه تحفز العلماء إلى التعمق في البحث، والتزود بالعلم، وحفظ الأدلة، وأوجه الاستدلال بها، ووضعها في موضعها الصحيح؛ حتى يظهر المناظر في مجالس المناظرات بمظهر يدل على قدرته العلمية، واعتلائه كرسي وحلبة العلم، ليكون فارسها المغوار، وفصيحها الملهم الهمام، ولتدل تلكم الارتواءات من العلم عن بحر لا يدرك ساحله، وكفاية من الفقه والدراية، وسعة الإطلاع.
ولقد دونت لنا كتب المناظرات نماذج من تلك الخلائق والصفات للمتناظرين أمام أهل السلطنة والسلطان:
من ذلك ما رواه الإمام عبد العزيز بن يحيى الكناني (المتوفى سنة 240هـ) في كتابه القيم الموسوم ب"كتاب الحيدة" ما جرى بينه وبين (بشر بن غياث المريسي) ببغداد من مناظرات في حضرة الخليفة (المأمون) حيث تبدأ المناظرات بين الكناني وبشر بتحديد الأصل؛ الذي يجب الرجوع إليه عند الاختلاف في شيء من الفروع (لأن المتناظرين على غير أصل يرجعان إليه إذا اختلفا، كالسائر على غير الطريق لا يعرف المحجة؛ فيتبعها ويسلكها ولا يعرف الموضع الذي يريده فيقصده).
فلابد لهما من عتبة وركن يأويان إليهما عند الاختلاف، عملا بقوله تبارك وتعالى: ?فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله ورسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذل خير وأحسن تأويلا?
فهذا تعليم الله وإرشاده إلى خلقه؛ وهو أعلم بهم، إلى أن يرجعوا إلى المعين الذي لا ينضب؛ وهو كتاب الله – تبارك وتعالى – وسنة رسوله صلى الله عليه و سلم. وفي هذا يقول الإمام الكناني موجها كلامه بأدب جم مع الخليفة المأمون: "أطال الله بقاءك يا مولاي الأمير: الأصل بيني وبينه ما أمرنا الله- عز وجل- واختاره لنا، وأدبنا به وعلمناه" فقال الخليفة المأمون بتواضع السلطان العام: "وهل ذلك موجود أيها الإمام ومذكور عن الله – عز وجل ؟" قال الكناني: " نعم يا مولاي أمير المؤمنين، وهاكم الدليل؛ وتلا قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تاويلا ).
قال خصمه المناظر المريسي: " فإنما أمرنا أن نرده إليه والرسول؛ ولم يأمرنا أن نرده إلى كتابه ولا إلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم".
قال الإمام عبد العزيز:"فقلت: هذا ما لا اختلاف فيه بين المؤمنين وأهل العلم، إن رددناه إلى الله فهو إلى كتابه، وإن رددناه إلى الرسول بعد وفاته فإنما هو إلى سنته؛ وإنما يشك في هذا الملحدون" عند ذلك انطلقت الألسن مناطق الكلام من شفتي المتناظرين؛ بعد أن أشار إليهما حضرة الخليفة المامون، وأذن لهما بقوله: "افعلا واصلا بينكما، واتفقا عليه؛ وأنا الشاهد عليكما، والحافظ لما يجري بينكما، والحاكم عليكما- إن شاء الله".
*وأشار العلماء الذين كتبوا في آداب البحث والمناظرة أن لهذا العلم شروط يجب على المناظر أن يضعها في عين الاعتبار، وليكون على بينة من أمره والشروط هي:
أولا: أن يكون المتناظرون على علم ودراية بالموضوع المراد التناظر فيه وبجوانبه المختلفة.
ثانيا: الإلمام التام بقوانين المناظرات العلمية، وقواعدها التي يريدان المناظرة فيها.
ثالثا: أن يكون الموضوع المطروق مما تجري المناظرة، والبحث العلمي فيه، أما الأمور المسلم بها والبديهيات فإن الفقهاء قالوا لا تجري فيها المناظرات.
رابعا: إجادة لغة المناظرة؛ فإن كان البحث في مسألة فقهية أو أصولية فلا يلجأ الأطراف المتناظرة إلى أعراف النحاة، ولغة الفلاسفة؛ فيجب أن تكون اللغة السائدة هي لغة التخاطب التناظري في حق العلم والمعرفة، والتخصص المطروق بحثه.
أما ضوابط المناظرات فقد أشار إليها فضيلة شيخنا العلامة الفقيه المفسر الأصولي الشيخ محمد بن الأمين الشنقيطي – رحمه الله – في كتابه القيم "آداب البحث والمناظرات" حيث طالب المتناظرين أن يلتزما الضوابط والآداب الآتية:
أولا: التحرز من الإطالة في الكلام من غير فائدة، وعن اختصار يخل بفهم المقصود من الكلام.
ثانيا: تجنب غرابة الألفاظ وإجمالها.
ثالثا: أن يكون الكلام المراد الحديث عنه ملائما للموضوع؛ وليس فيه خروج عما هما بصدده.
رابعا: الامتناع عن الإيذاء والاستهزاء والسخرية وبذاءة القول والفحش في المخاطبة؛ لما جاء من النهي القرآني عن هذا في قوله تبارك وتعالى: (لا يسخر قوم من قوم) وقوله تعالى: (ولا تلمزوا أنفسكم) وقوله تعالى: (ولا تنابزوا بالألقاب)ولنهيه صلى الله عليه وسلم في الهدي النبوي الشريف بقوله:"ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا الفاحش ولا البذيء" أخرجه الإمام الترمذي في البر والصلة.
خامسا: أن ينتظر كل واحد منهما صاحبه؛ حتى يفرغ من كلامه، ولا يقطع كلامه عليه؛ قبل إتمامه.
سادسا: أن يتجنب المناظرة مع من هم من أهل المهابة والعظمة والاحترام؛ كي لا تدهشه وتذهله جلالة خصمه عن القيام بحجته كما ينبغي.
• وكثير منا يجهل أن لمادة البحث والمناظرة مصطلحات؛ فنجده يناظر على غير هدى، ويقف على المنابر والأندية؛ وهو غير عالم بلغة العلم و مصطلحاته، ولو أنه نظر في تراث أمتنا الإسلامية لوجد أن مشايخنا وعلمائنا وفقهائنا الأجلاء قد أبانوا لنا كيفية التخاطب؛ فإن لكل مقاما مقالا، ولكل مناقشة وجدل ومناظرة لغة ومصطلحا، وقد اخترت بعضا من هذه المصطلحات للتذكير بها، والاستنارة بهديها؛ فما أحوجنا-اليوم- وفي ظل الاعتداد بالنفس، والظن فيها بأنها تحمل من العلم والفهم ما لا تقبل من أحد أن يصلح لها، أو ينتقدها؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
1- النقل: هو الإتيان بقول الغير على ما هو عليه بحسب المعنى مظهرا أنه قول الغير.
2-  تصحيح النقل: بيان صدق نسبة ما نسب إلى المنقول عنه.
3- التقريب: سوق الدليل على وجه يستلزم المطلوب.
4- التعليل: بيان علة الشيء.
5- المنع: طلب الدليل على مقدمة معينة ويسمى: ممانعة ومناقضة، ونقصا وتفصيلا.
6- تنوير السند: ما يذكر لإثبات السند أو توضيحه.
7- التبكيت: بمعنى التوبيخ أو الغلبة بالحجة.
8- المجاراة: التمشي مع الخصم، والتساهل معه؛ لتبكيته وإلزامه.
9- الإفحام: عجز المعلل.
  10- الإلزام: عجز السائل.
فالمناظرات لابد أن تنتهي بعجز أحدهما عن دفع دليل الآخر، فإن كان العاجز هو السائل سمي عجزه الإلزام، وإن كان العاجز هو المعلل سمي مفحما، وسمي عجزه إفحاما.
* وبعد؛ فهذا غيض من فيض؛ مما في تراثنا الإسلامي من صور للمناظرات العلمية وشروطها وآدابها وضوابطها و مصطلحاتها في جوانب متعددة من علوم الشريعة والفقه والعقيدة وعلم الكلام؛ تركه لنا الأجداد والآباء الأوائل،  فرحمهم الله، وهنيئا لهم ما قدموا من سجلات جليلة، وأعمال حافلة تبقى مدى العصور والدهور؛ لأنهم جعلوا فيها الإخلاص رائدهم، وكلمة الله العليا هدفهم، وصدق الله العظيم فيهم: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين).
غلنا الله وإياكم بذكره، والعلم والعمل النافع، والمناظرة لإلحاق الحق، وإبطال الباطل: ?وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين?.
وصلى الله وسلم على إمام المناظرين، وسيد البشر أجمعين، نبينا وسيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم إلى يوم الدين.

(*) ولقد دونت لنا كتب المناظرات نماذج من تلك الخلاق والصفات للمتناظرين أمام أهل السلطنة والسلطان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here