islamaumaroc

الشباب وعيد الشباب

  محمد فاروق النبهان

303 العدد

من حق الشباب أن يكون لهم عيد، وعيد الشباب هو عيد الحياة وعيد الغد وعيد المستقبل، لأن شبابنا يمثل الحياة، وهم في الوقت ذاته المستقبل، بكل آماله ووعوده..
وعيد الشباب هو العيد الأجمل والأرحب، لأن الكل يفرح بالشباب، ومن حق شبابنا أن يفرحوا بعيدهم، وأن يشعروا به، وأن يشاركوا من خلال جهدهم في رسم معالم الغد الذي يحبون، والغد يرسمون، فهم حملة الأمانة، ولا شيء يسعد جيل الآباء كما يسعدهم أن يروا أبناءهم الشباب يفرحون ويمرحون ويبعثون، ولا يجدر بنا أن نضيق بعبث أبنائنا، فالعبث من خصائص الشباب، ولابد من العبث في مرحلة ما، لكي يمارس الشباب ذاته، ويتعلم من تجربته الذاتية، فالتجربة هي المدرسة الأهم التي تعلم شبابنا كيف يفكرون,
وإذا ضل شبابنا طريقهم فعلينا قبل أن ندين ذلك السلوك الخاطئ وقبل أن نحكم عليهم أن نبحث عن الأسباب التي تنمو فيها الميول والاستعدادات بطريقة سلمية وأن تهيأ البيئة الاجتماعية التي يجد فيها الشباب ذاتهم، فلا تدفعهم إلى الانحراف، ولا تلجئهم إلى مالا يريدون، وعلى الآباء وهم رموز الحكمة أن يتعلموا من طفولتهم الأولى وشبابهم الأول لكي يتفادوا الأخطاء التي وقع فيها آباؤهم والشباب طاقة خلاقة، ولابد لهذه الطاقة من أن تجد الساحة التي تحقق من خلالها امتدادها الغريزي، فليست الفضيلة أن نكمم أفواه الشباب بالصمت المميت، وليست التربية أن نمسك برقاب أبنائنا ونقودهم من حيث لا يريدون إلى ما نريده لهم من كمال وحكمة، فإننا إذا فعلنا ذلك لقد ربحنا جولة المعركة كلها، لأننا بذلك نميت في نفوس شبابنا ابتسامة الأمل، فيضيقون بالحياة، وتضيق الحياة لهم، وسرعان ما يعبثون العبث الذي لا راد له، وسوف يرتكبون من الأخطاء ما هم عاجزون عن إصلاحه، وسوف يعتادون عادات خاطئة، ويعجزون عن انقاد أنفسهم من الغرق الذي هم فيه...
من حق شبابنا علينا ونحن نمثل جيل الآباء وجيل المربين أن نوفر لهم البيئة النقية التي يستنشقون فيها الهواء النظيف، وهذه البيئة هي الساحة الحقيقية التي ينمو فيها الشباب، وتتبلور شخصياتهم، وتشمل هذه البيئة م يلي:

أولا: بيئة الأسرة:
والأسرة هي الساحة الأولى والأهم التي يجب أن يقع الاهتمام بها، فالأسرة هي الموطن الأول لتكوين القيم، فالأسرة التي تقدس الفضائل السلوكية كالصدق والأمانة والنظافة واحترام الآخر والعفة و النزاهة والإخلاص هي الأسرة المؤهلة لتكوين النموذج الأفضل للشباب، فالشباب يجد في أبوابه النموذج الأسمى والأعلى الذي يجب الإقتداء به، وإذا شعر في لحظة ما برغبة في التحدي والخروج عن المعتاد فسرعان ما يتمثل له ذلك النموذج الأسمى، ويأخذ موقعه في نفسه، فيعدل من سلوكه، ويصحح  أخطاءه، لكي يستقيم أمره، والأسرة المتماسكة المتناصرة المتكافلة هي الأسرة المثلى التي يعيش الشباب في رحابها حياة الهدوء النفسي، فلا يعبث الجنوني المدمر، ولا يرتكبون من الأخطاء ما يمكن أن يضيق ضمائرهم به، وعلى الأبوين أن يكون كل منهما القدرة السليمة لأبنائه، لكي تظل قدسيته النظرة تسيطر على وعي الشباب، فلا يخطأ الذي يندمون عليه...

ثانيا - بيئة المدرسة:
والمدرسة هي الامتداد الآخر الذي يتلقى الشباب في ساحته القيم السلوكية، والمدرسة هي نتاج الواقع الاجتماعي، لأنها تضم شرائح من الأبناء، يمثلون مختلف الشرائح الاجتماعية، فإذا تغلب الجانب الإيجابي أسهم في تكوين البيئة التي تساعد الشباب على تعديل سلوكهم لكي يكون منسجما مع القيم السائدة، فالمجتمع الذي يرفض الكذب والغش يطارد كل الميول والاستعدادات التي تتهاون في أمر هذه السلوكيات، وهذا ما يدخل ضمن حق المجتمع في الدفاع عن قيمه السلوكية، من خلال الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فما ينكره المجتمع سرعان ما يصبح من المنكرات المرفوضة.
وإذا كانت بيئة الأسرة عاجزة عن اختيار الأفضل في المجال التربوي والسلوكي لانعدم الثقافة أو لضعف في التكوين التربوي فإن المدرسة هي الساحة الحقيقية التي يجب أن يقع فيها التصحيح التربوي، حيث تتوفر فيها إمكانيات التصحيح التربوي خلال المناهج التربوية السليمة التي يشرف عليها المربون، والأستاذ في المدرسة هو القدوة، والقدوة لا يصح أن يقع الخطأ منه، لئلا تضطرب المعايير التربوية..
والمدرسة تعتمد على معيارين أساسيين:
المعيار الأول هو معيار المنهج التربوي، ويجب أن تكون المناهج التربوية، ليست خاطئة، ولابد أن يعكف على وضع معاييرها مختصون تربويون يختارون الأفضل والأحسن الذي يلائم المرحلة التي يعيش فيها الأطفال والشباب، والمنهج السليم هو الذي يحقق الغاية المرجوة منه، فليس هناك نموذج تربوي أفضل، فالنهج الأفضل، فالمنهج الأفضل هو الذي يستمد من التجربة والوقع، ويؤكد جدارته وسلامته..
والمعيار الثاني هو معيار شخصي يتعلق بتعلق بشخصية المربي، وتجب العناية باختيار شخصية المربي، وليس كل إنسان مؤهلا للمهمة التربوية، فقد يصلح بعض الأفراد للمهمات الإدارية والعلمية ولا يصلحون لمهمة التربية، فالتربية هي استعداد ذاتي وتحتاج إلى موهبة، وأهم ما يجب أن يكون القدوة السليمة، وأن يكون النموذج الأفضل الذي يتطلب إليه الشباب وتقع الثقة به..

ثالثا - بيئة المجتمع: وأعني بالمجتمع البيئة العامة التي ينشأ الشباب فيها، والمجتمع يطوق الشباب بقيم سائدة فيه، قد تكون صحيحة وقد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، وهنا يقع التفاعل بين الإنسان والحياة، يستمد منها رؤيته الذاتية والفكرية والتصورات العامة لما يفكر فيه وفي نفس الوقت يمدها برؤيته، ويسهم في تكوينها من خلال انتمائه إليها...
والثقافة عامل مؤثر في تكوين السلوكيات الاجتماعية، فالمجتمع الذي يملك رصيد ثقافيا تختلف رؤيته الفكرية والسلوكية عن المجتمعات الأمية التي لا تملك هذا الرصيد، والمجتمع الذي لا يستفيد من رصيده الثقافي ولا يستفيد من رصيد الثقافة ولا يستغله لتصحيح عاداته الخاطئة لا يختلف عن المجتمع الأمية هي العجز عن القراءة والكتابة، وإنما هي العجز عن تصحيح الأخطاء، والإصرار على التمسك التصورات الخاطئة التي يرفضها العقل السليم...
وإذا كانت الثقافة هي التصحيح، والمربي الناجح هو القادر على القيام بتصحيح الأخطاء السائدة، فإن سكت المربي عن الأخطاء أو أقر وجودها في المجتمع فقد أسهم في تجهيل مجتمعه وفي دفعه إلى الأسفل، وفي هذه الحالة فقد ناقص المثقف نفسه، فإن فعل ذلك عن قناعة فقد كرس الأخطار السائد، وإن فعل ذلك عن غير قناعة فقد خان ضميره، وخيب الأمل المعقود عليه من بمهمة التصحيح والتنوير..
وأهم عامل في تربيته الشباب هو التربية الدينية، وليس هناك عامل مؤثر في سلوكية الشباب كالخطاب الديني الموجه إلى العواطف، فالعاطفة هي المعيار الذي يؤكد إنسانية الإنسان، ومن ضعفت عاطفته ضعفت إنسانيته، ولهذا ذم القرآن الكريم قساة القلوب، ووصفهم بأسوأ الأوصاف، لأن قلوبهم لا تخشع لذكر الله ولا تستجيب لدعوة الحق ولا تنصاع لكلمة الصدق، والتربية الدينية ليست مجرد بيان أحكام فقهية وسرد معلومات تاريخية وإنما هي خطاب وجداني وعقلي، غايته إنسانية الإنسان والسمو باهتماماته وانشغالاته لكي يكون في موطن التكريم الإلهي، من خلال توجيهه إلى قيم الخير التي تميز سلوكية الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، ومن ضاقت نفسه بقيم الخير والفضيلة فقد دل ذلك على جهل وغفلة، والجاهل يجب أن يعلم، والغافل يجب أن يوقظ، لكي يكون قلبه مرآة صادقة لدعوة الحق، ينصت لها، ويستجيب لمقتضاها، لأنه يجد نفسه في هذا الفضاء الروحي يسبح في بحور من التأملات التي يأنس بها، ولهذا فإن العناية بالشباب يجب أن تبدأ بتصحيح مناهج التربية الإسلامية لكي تكون مرآة للمجتمعات الإسلامية التي أكرمها الله بالإسلام، وأصبح الإسلام بالنسبة لها هو المشعل الذي يضيء لها الطريق، فلا تضل في حق، ولا تضل في سبيل، ولا يدفعها التيه والحيرة إلى قلق مدمر، والشباب يجد في العقيدة ذاته، لأنه، لأنها تنسجم مع الفطرة الإنسانية.
وفي عيد الشباب يجرد بنا أن نفسح المجال للشباب لكي يعروا عن قضاياهم وهمومهم وأحلامهم وآمالهم، فالشباب هم المستقبل، وهم الجيل الذي سيتقدم الصفوف في الوقت الذي يشعر فيه جيل الآباء أنه قد أدى رسالته في الحياة، وأكمل مهمته في تربية الجيل الذي سيحمل الراية، مواصلا مسيرة البناء والتقدم، محققا ما كان يعلم به جيل الآباء من أمنيات وطموحات.
وأهم ما يشغل الشباب اليوم هو الخوف من المستقبل، وهو خوف طبيعي وغريزي، والخوف من الغد يجسد شعور الإنسان بالمسؤولية، وكما ازداد خوفهم وتضاعف قلقهم، وبخاصة في ظل عصر أصبحت فيه المشاكل الاجتماعية عسيرة وشائعة ومتشابكة.
والمغرب عندما يحتفل في كل عام بعيد ميلاد جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله ويعتبر هذا العيد هو عيد الشباب فإنما يريد أن يؤكد على أمرين:
أولا: اهتمام جلالة الملك الحسن الثاني بالشباب، ورعايته لأمرهم واعتزازه بشباب المغرب وثقته بجدارة الشباب وأهليته لكي يكون جيل الغد الذي يواصل مسيرة البناء والتقدم..
ثانيا: ارتباط هذه المناسبة بنشاطات وطنية تتمثل في تحقيق مشروعات ثقافية واقتصادية واجتماعية، ويتطلع الشباب إلى أن تكون هذه المناسبة في كل عام موعدا متجددا مع شباب المغرب، يمارسون خلالها نشاطات شبابية، ثقافية ورياضية، ويتحققون فيها مشاريع وطنية تهم الشباب بالدرجة الأولى، لكي يشعر الشباب بأنهم في موطن الاهتمام والرعاية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here