islamaumaroc

عيد الشباب مشعل ساطع، ومجد رائع، وأمل واسع

  إدريس العلوي العبدلاوي

303 العدد

لئن كان تاريخ الأوطان يقاس بالقرون وعشرات السنين حتى تتضح معالمه وتظهر آثاره البارزة فيه، فإن تاريخنا الوطني الحديث يصح أن يقال فيه إنه يقاس بالسنوات والأعوام، بل وبالشهور والأيام. ذلك لأن المغرب تحت قيادة جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله عاش ويعيش تاريخه من خلال عطاء مستمر تبدعه عبقرية قيادته الحكيمة، وعاش ويعيش تاريخه عن طريق إنجاز لا يتوقف ولا ينقطع في شتى مجالات وميادين الحياة اليومية بمعانيها الشاملة، وبرموزها الحية الواسعة، وبدلالاتها التاريخية التي تترك حتما بصماتها على طريق التقدم البشري وهي تحت خطاها نحو المستقبل.
لقد أصبح تاريخ المغرب الحديث، خاصة منذ تربع الحسن الثاني على عرش أسلافه المنعمين إلى اليوم، هو جزءا من تاريخ أمتنا العربية، وجزء من تاريخ أسرتنا الإسلامية، وهو بكل المقاييس جزء من التاريخ العالمي المعاصر.
إن التاريخ الواسع لجلالة الحسن الثاني على جميع هذه الأصعدة قد طبع بطابع خاص تاريخ المنطقة، وتاريخ إفريقيا برمتها، وامتد إلى الصعيد الدولي، وجعل الأحداث والتطورات التي تعاقبت جهويا وقاريا ودوليا موسومة بالشخصية القيادية لجلالته.
ومن ثم يمكن للمؤرخ المعاصر، مهما كانت ميوله ومشاربه، وكيفما كانت آراءه وتقييماته، أن يتحدث حقيقة عن سياسة حسنية، أو بتعبير أصح عن مذهبية حسنية أثرت ولا تزال تؤثر في مجرى الأحداث والقضايا، بل وأكثر من ذلك تساهم في خلقها وإيجادها كتعبير عن النبوغ الذي يتمتع به جلالته في كل الأمور التي لها علاقة بسلام وتقدم وازدهار وأمن الشعوب.
إن من يحاول استقصاء ما جرى وتم خلال هذه الحقبة من السنين التي مرت منذ تربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين الأبرار، سيجد قطعا إشعاعا مستمرا لجلالته على سائر الميادين. وسيجد لجلالته تأثيرا واسعا على الأفكار وعلى طريقة توجيهها وصياغتها وممارستها، لا فيما يتعلق بالمجال الوطني وحده. وهكذا فالمجال العربي والمجال الإسلامي والمجال الإفريقي والمجال الدولي تكون جميعها حلبة واسعة ظهر فيها جليا وما يزال يظهر التأثير القوي والنفوذ البالغ لشخصية جلالة الحسن الثاني التي جمعت خصائص العبقرية المغربية إلى سجايا العبقرية الإنسانية.
إن الدارس المتعمق للتاريخ المغربي ليجد أنه بفضل ما آتاه الله من قيادة حكيمة رشيدة في شتى ميادين الحضارة والعمران، وما حباه الله به من نعمة العلم والعلماء الأفذاد المبرزين استطاع أن يحافظ على ثقافة وطنية أصيلة راسخة الجذور والمقومات، وأمكنه بحكم ما له من حصانة ذاتية مستمدة من هذه الأصالة، أن يجابه شتى التحديات الفكرية الأجنبية، التي واجهته على مر العصور، وأن يؤكد ذاتيته في معترك الثقافات والحضارات المختلفة، وأن يبرز شخصيته على هذا الصعيد، ناصعة الملامح، غنية بدلالاتها وما تنم عنه من إيحاءات خلاقة مبدعة.
وهكذا واستمرارا لتأكيد قيمة الشخصية المغربية وتعميق أصالتها يقف التاريخ المغربي وقفة إجلال وإكبار أمام عظمة الدولة العلوية الشريفة، التي يحمل اليوم مشعلها الساطع، ويجسم مجدها الرائع، ويحقق أملها الواسع جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأطال عمره سليل دوحتها العلوية العالية.
وإن من جميل مأثرات هذه الدولة العظيمة وكريم مفاخرها ما دأب عليه حفظه الله، ودأب عليه أجداده من بذل محمود العناية بالثقافة والعلم، وما سار عليه من نهج رشيد في إذكاء شعلة الفكر وإغناء رصيده، وما أولاه حفظه الله من موصول الحدب والرعاية لأهل العلم وأعلام المعرفة شحذا لهممهم على الإسهام في إغناء الثقافة بالجيد المفيد من الأعمال، واستنادا لمواهبهم وقرائحهم كي لا تني عن موصول العطاء في هذا المضمار.
وهكذا نجد أن رعاية جلالته حفظه الله بالثقافة والفكر في شتى حقول المعرفة، ليست محصورة فيما تحقق من بناء الجامعات والمعاهد العليا والمدارس المتخصصة، والكليات المختلفة المنتشرة في انحاء المملكة التي تهتم بتدريس وتلقين مختلف العلوم والفنون. بل إن اهتمامه حفظه الله كأمير المؤمنين، وقائد مسلم يرتكز بالدرجة الأولى على تعميق الثقافة الإسلامية الأصيلة، والعمل على تطبيق أهدافها ومقاصدها النبيلة، إيمانا منه حفظه الله إيمان المؤمن الصادق يصلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان، وأهليتها للقيادة والهيمنة على جميع مرافق الحياة.
لقد توجهت عناية جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله بصفة خاصة إلأى المحافظة على كيان الحضارة والثقافة الإسلامية، وقد اصطفاه الله ليقوم بهذه الرسالة خير قيام بعدما خلف والده رحمة الله عليه في تحمل المسؤولية. وها هو حفظه الله يعلي البناء ويسير بالأمة نحو البناء المنشود في ظل تعاليم الإسلام الخالدة وتقاليدنا الطيبة الموروثة حتى هذا البلد المتشرف بقيادة جلالته حفظه الله المستظل بسلطانه الذي يتغنى به الرائح والغادي، والطائر الشادي بلد الصلحاء الزاهدين، والعلماء العارفين، بلد العلم والأدب والمعرفة والفنون، البلد الذي يزخر بالمنشآت العلمية والجامعات الكبرى على اختلاف منابعها ومشاربها.
إن التاريخ المغربي ليسجل بمداد الفخر والاعتزاز أنه ما إن هيأ الله لقيادة المغرب واختار لتوجيه سياسته وتدبير شؤونه سلالة الدولة العلوية المجيدة وملوكها الأعلام حتى بادرت إلى القيام بأعمال حيوية جادة، وإصلاحات جذرية هامة في مختلف الميادين السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مما عاد على المغرب بالخير الكثير والفضل العميم، ومنحه الاطمئنان والاستقرار والسير في ركب التطور والازدهار، وجعل الدول تعمل على توثيق الروابط وتمتين العلاقات به كبلد حضاري معطاء، وتسعى إلى خلق مزيد من التعاون والتبادل معه على أساس من الود والاحترام.
وهكذا يتضح أنه ما إن بزغ البدر السعيد للدولة العلوية الشريفة يشع نوره فوق هذا القطر المجيد، وانتظم في سلك الزمان من سعودها عهد جديد، حتى بادر ملوك هذه الدولة المنيفة وهم من أصل أصيل ممن يقدر للعلوم حرمتها، ولنورانية المعرفة قدرها، تسلسل فيهم عن وراثة نبوية، ووطنية علوية هاشمية، فسرى مجد الأجداد في أنفاس الأحفاد، وتجلت في اللاحقين خصال السابقين، وظهر تقلبهم الحميد في مجال العلم والعلماء ما أصبح ماثلا كالشاهد عند الخاص والعام.
إن الشخصية المعنوية للأمة المغربية تتجلى في ذلكم التراث الإسلامي ووثاق الله السماوي، الذي يربط بين القلوب، ويؤاخي بين الأفراد والشعوب، وذلكم الهدي الإلهي المستقر في فؤاد المتقين، والعهد النبوي الساري في سرائر المؤمنين، وأمانة نقل تعاليم الإسلام التي تلقفها إمام عن إمام.
إن جلالة الملك الحسن الثاني بتواضعه الجميل، تواضع محمدي نبوي خالص، وصفاء سريرة هاشمية طيبة، وذكائه الألمعي، واستعداده الفكري، ومعرفته الواسعة، يتبوأ مقام العالم المتمكن، والمفكر الأمين الرصين، الذي يربأ ولا يعبأ بسفاسف المعالي، ويعدل ولا ينزل عن علياء المعالي، وكفى شاهدا على ذلك دروسه الدينية القيمة المحكمة، التي جمع فيها بين سمو العلم وجلال العلماء ونزاهة المصلحين الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب.
إن المستمع إلى الأحاديث الدينية الجامعة لجلالته وخطبه وتوجيهاته في المؤتمرات والندوات واللقاءات ومختلف المناسبات، يؤمن أن الله قد أكرمنا بالاستماع إلأى ملك عالم، والتلمذة على عالم ملك، ونتصور أن ابن وحفيد رسول الله يشرح حديث جده رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن جلالة الملك الحسن الثاني يعتبر بحق، بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي والرائح. فالجواهر تستخرج من بحوره، ولمعات الطروس تحلى بقلائد سطوره، فهو بحق، مالك أعنة العلوم وناهج طريقها، والعارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها، الراقم لبردها، المجيد لإرهافها، العالم بجلائها. لم يترك حفظه الله معنى مغلقا إلا فتح صياصيه، ولا مشكلا إلا أوضح مبانيه، يستنبط حقائق القلوب، ويستخرج وذائع الغيوب، يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني.
إن الفضل في كل هذا، بالإضافة إلى ما وهبه الله من نبوغ الفكر وعبقرية جبلية، وقريحة سمحة، وحافظة قوية، وبصيرة نيرة، وذوق سليم، وعذوبة المنطق، وحب التجديد والابتكار، يرجع إلى والده العظيم مولانا محمد الخامس قدس الله روحه، الذي علمه فأحسن التعليم، ورباه فأجاد التربية، ودربه على الفضيلة والمروءة، و على العفة و الطهارة و على الجود و الكرامة، و على الحزم و السهر على حقوق الله.
فاللهم ارحم مولانا محمدا الخامس على ما علم و ربى، و أدب و هذب، و على أنه ترك لنا هذه الدرة الفريدة في عقد ملكنا الثمين. اللهم ارحمه على ما جاهد لتحرير هذه الأمة، وإيقاظها من غفلتها، وإقالتها من عثرتها، وما تحمل من الشدائد، وتجسم من الصعاب في سبيلها وسبيل مقوماتها.
   إن المتتبع لحياة مغربنا السياسية والاجتماعية والملاحظ لنهضتنا المباركة، وتقدمنا المستمر، متيقن أن حسن قيادة جلالته، ورجاحة عقله، ورباطة جأشه، وقوة صموده، وصدق طويته، هي السر كل السر فيما نحققه من معجزات في شتى المناسبات، وما نتغلب عليه من صعاب ونتخطاه من عقبات، فقد حول الظلام نورا، والخوف أمنا واطمئنانا، واليأس ثقة وأملا.
   إنه الملك الملهم الذي تربع على عرش القلوب، كما تربع على عرش المغرب بالصدق والإخلاص والتضحية، فاستحق أن يكون الزعيم الظافر، والقائد المسلم المنتصر، إذا دعا لبيت دعوته، وإذا خاطب عانق خطابه القلوب والوجدان، قبل أن تتلقاه الآذان.
   إن عرش جلالته نجم علوي، يرف في سماء بلادنا سنا وسناء، وقلوبنا أبدا به خافقات تراه ذخرا ونورا ورجاء. فله منا ما امتد العمر، وطالت السنون، أكبر الحب والإخلاص والوفاء. فهو من سلالة الدوحة النبوية الشريفة، وقطب من أقطاب الدولة العلوية المنيفة، فهو شعار حياتنا، وعنوان سعادتنا، بوجوده نستظل، وبه نعتز ونفتخر، ونسود وننتصر، ونطفر ونتحرر، ونحقق أحلامنا وأمانينا، ونسير في ركب التحرير ظافرين، وبرباط الوحدة مستمسكين منتصرين، ولكل مظاهر النهضة والعمران بانين محققين.
   لقد أبت همة جلالة الملك الحسن الثاني إلا أن تنال المؤسسات في عهده الزاخر بالمنجزات، الحافل بالمعالم، والاهتمام برعاياه الأوفياء، حظوة الارتقاء بها إلى أو الكمال. فأمر حفظه الله في نطاق حماية المواطنين وتنظيم السلطات العامة، وإرساء أسس علاقة الفرد بالدولة بإعادة تنظيم الهياكل والمؤسسات الدستورية لتكون مرآة للبيئة الاجتماعية المغرية لتعبر عن حاجاتها ورغبتها وتطلعاتها، وبإحداث المحاكم الإدارية، والمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والمجلس الدستوري، لتمكين المواطنين من الدفاع عن حقوقهم وصيانتها ضمن الإطار الحقيق لدولة القانون، والتي تتصل بحرية المواطن وكرامته، وكذلك لضمان حسن تطبيق القانون، وإقرار مبدأ الفصل بين السلط وفق ما ينص على ذلك القانون الأساسي والأسى للدولة.
لقد حرص جلالة الحسن الثاني حفظه الله على حماية كرامة المواطن المغربي، هذه الكرامة التي طالما أكد على حرمتها وقدسيتها لتبقى مصونة معززة كما أرادها  الله لهذا الكائن المبدع حين شرفه بالخلافة على هذه الأرض، ولإحاطة حقوق المواطنين بكل الضمانات القانونية استكمالا لدولة القانون، دولة الشرعية والمشروعية، وترسيخا لمقومات العدالة بمفهومها النبيل، ومقاصدها المثلى، ذلك أن من جاهد من أجل الحرية كما ذكر جلالته في خطاب العرش لا يمكن إلا أن يكون معها، ومن ناضل من أجل احترام حقوق الإنسان والمواطن لا يكون إلا وفيا لها.
يكفي الأسرة الملكية الشريفة فخرا ومجدا أنها ربطت معركة التحرير والاستقلال ربطا جدليا معرة الحرية وإرساء دولة القانون في هذا المعقل من معاقل الإسلام الحافل بالمكرمات والأمجاد، والذي يتمثل فيه وفاء الأحفاد لتراث الأجداد. إن أعلى وأغلى تضحية تكتب بمداد الفخر وتبقى في ميزان الذخر، تضحية جلالة محمد الخامس طيب الله ثراه بعرشه المجيد في سبيل هذا الوطن الأمين وحماية حقوقه، وقد شارك جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله والده المعظم في ذلك الشرف المؤثل، والمجد المؤصل.
لقد ظلت المملكة المغربية على امتداد تاريخها وتعاقب الدول عليها محافظة على التصور الإسلامي للحكم، وما ينبني عليه من فلسفة م تحد عن روحها قط رغم تقلب الأحداث وتغير الظروف.
ولسنا في حاجة إلى التدليل على مدى التزام المملكة المغربية بالتصور الإسلامي للحكم، والمقومات الأساسية للدولة في الإسلام، فقد ارتبط هذا الحرص على الدوام بمراعاة دقيقة للشرعية والمشروعية، بكل ما تقضيانه من ضوابط وشروط، سواء فيما يتعلق بشكل النظام، أو فيما يتعلق بأسس هذا الحكم ودعائمه، ويتجلى كل هذا فيما يلي:
أولا: نص الدستور المغربي وهو القانون الأسمى للدولة على أن المملكة المغربية دولة إسلامية، وعلى أن الإسلام دين الدولة، وهذا تأكيد لواقعنا الحي، وإقرار وتسجيل للحقيقة الأزلية التي اختارها الله لصلاح خلقه، حينما قرر أن الدين عند الله الإسلام.
ثانيا: اعتماد نظام الحكم على الخلافة الشرعية، وإمارة المؤمنين، وفي هذه الظاهرة تعتبر المملكة المغربية الدولة الإسلامية الوحيدة التي سمى دستورها ملك البلاد أمير المومنين، وهو لقب إسلامي، كان أول من سمي به الخليفة عمر الفاروق، وأحياه المغرب وحافظ عليه بكل مظاهره واعتباراته.
ثالثا: مراعاة استيفاء الشروط التي يشترطها الفقهاء في الخليفة والعلم منها خاصة، مع التمسك حتى بالشرط المختلف فيه وهو النسب القرشي الذي غالبا ما كانت الدولة في أثناء قيامها تلح عليه، وإن لم يتوافر لبعضها كما هو معروف.
رابعا: اعتماد عقد البيعة كأساس في اختيار أمير المومنين وإسناد مقاليد أمور الدولة إليه. وتنظيم العلاقة ينه وبين الأمة على أساس مقتضياته وأحكامه.
ولم تتعرض هذه الظاهرة لأي استثناء منذ البيعة الأولى التي قدمها المغاربة وكانت للمولى إدريس على البيعة الأخيرة التي قدمها سكان مدينة الداخلة وإقليم وادي الذهب إلى صاحب الجلالة أمير المؤمنين الحسن الثاني أيده الله بالقصر الملكي بالربا عشية يوم الثلاثاء 20 رمضان 1399 موافق 11 غشت 1979، دون أن ننسى تجديد البيعة في المناسبات، وخاصة في الأعياد الدينية والوطنية إلى أن ربط صاحب الجلالة الملك الحسن الثاني صره الله تجديدها بحفل الولاء الذي أصبح يقام في اليوم الثاني من عيد العرش. وقد دأب المغاربة على الإعراب عن تجديد البيعة لعاهلهم المفدى لما سنحت لهم فرصة لقائه والتملي بطلعته البهية.
خامسا: اعتناق المغاربة للمذهب المالكي، كمذهب فقهي وعقائدي موحد، لا تناقض فيه بين الأصول والفروع. وهذا لمذهب الذي ارتضوه بالإجماع غير مرغمين عليه. أقبلوا عليه منذ أقدم العصور مطمئنين فرحين، ولا شك أن الذي حبب إليهم الإيمان والتمسك بتعاليمه هو كونه نابعا من دار الهجرة.
وكما اتخذوا لأنفسهم في باب العبادات والمعاملات عل أهل المدينة، موحدين صفوفهم تحت ظلاله الوارفة إلى درجة أن أصبحوا والحمد لله المثل الأعلى في الألفة والاتحاد. اتخذوا كذلك لأنفسهم في باب تلاوة القرآن القراءة التي انبثقت من المدينة المنورة، فيها يتلونه وبالرسم الذي أجمع عليه أهلها يكتبونه. لقد انتقلت نفحات المدينة المنورة بانتقال آثار مذهب عالمها إلى عرصات هذا الوطن الأمين على أيد طاهرة من سلالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.
ومن درر جلالة الملك الحسن الثاني الغالية، ومن حكمه البليغة ما ورد في خطاب لجلالته بمناسبة ذكرى المسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 1981 حيث قال جلالته:
"المغاربة يبايعون ملكهم منذ التاريخ القديم، منذ المولى إدريس على الكيفية الإسلامية المروعة المعترف بها والمعروفة من أيام النبي صلى الله عليه وسلم، يبايعون ملكهم بيعة لرضوان، ولكن مقابل تلك البيعة، الملك كذلك يبايع في خصه المغاربة، وذك حينما يتعهد بضمان حقوقهم، وأول حق عند المغاربة هو الاستمرار في مغربيتهم". 
شهد التاريخ، ويهد العالم أجمع بشرقه وغره، أن جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله فريد في عصره، أتى بما لم تستطعه الأوائل، فهو الملك المسلم، والقائد الملهم، والإمام العادل، والعماد الأسنى، وحسنة الدهر الحسنى.
لقد حاز المجد من أطرافه، إذ جمع بين عزة إسماعيل وقوته، وتفتح محمد الثالث وعبقريته، وإصلاح الحسن الأول وهمته، وجهاد محمد الخامس وتبصره وحكمته، فكان خير خلف خير سلف.
إن من منن الله علينا أن جعلنا أمة ترفت بقيادته، واستظلت ظله، وتنعمت بوجوده، ونهضت وارتقت بحسن سيرته، وحكمة تسييره.
 لقد جعل الله سبحانه وتعالى نفحات المدينة المنورة سارية على هذا البلد الأمين عقيدة ومذهبا وسلوكا. فامتدت حلقات سلسلة البيعة المباركة التي علت أنوارها منذ بيعة الرضوان، وألقت عصا تسيارها في ربوع هذا الوطن منذ عهد دولة الأدارسة الميامين، موصولة الوشائج، محكمة العلائق، متينة العرى، إلى أن تجددت قدسيتها، وبزغ بهاؤها، على مولانا أمير المؤمنين.
حمدا لله أ جعل المملكة المغربية جوهرة في عقد ممالك الإسلام، وعطر أرجاءها بأريج دينه المحمدي على الدوام، وأغدق عليه من النعم السوابغ نعمة الإسلام، وتجلى مس سنة سيد الأنام، لتقوم بحفظ كل ذلك طائفة من هذا البلد تقلدت من الإشارة النبوية شارة موسومة، وآية معلومة، لتواصل ما أنيط بها من وعد نبوي صادق قاطع، على أنها على الحق الواضح الساطع وهي كذلك ليس لها من دافع.
ومذهب الإمام مالك رضي الله عنه لهذه الطائفة دثار، ولمعالمها عار، مما يحقق لها الثبات والوحدة والاستمرار والاستقرار.
وعلى رأس هذه الطائفة الظاهرة، تقلد مجدها التليد، وتألق نجمها السعيد، بحفيد مجيد، جلالة الحسن الثاني الرائد الرشيد، دام له النصر والتأييد.
إن الأيدي ترفع، وإن الألسنة لتلهج، وإن القلوب لتفرح، وإن العواطف لتجيش، شاكرة مبتهلة متضرعة إلى الحق سبحانه وتعالى أن يحفظ جلالته، ويطيل في عمره، وأن يبقيه ذاكرا لأمته الوفية له، المتعلقة به، حاميا مدافعا عن مقدساتها، ساهرا على سيادتها، ممثلا لوجودها، ورزا حياتها، فادية إياه- حفظه الله ورعاه – بقلوبها ومهجها. 
نسأله تعالى ونتوسل إليه أن يحفظه لنا، ويديم أفراحه علينا، ويمد في عمره لصالح الشعوب العربية والإسلامية والإنسانية جمعاء، ولصالح أمتنا وشعبنا حتى نضيف في عهده الزاهر أمجادا إلى أمجاد، ونعيش في ظله الوارف أعيادا في أعياد، ونكون بعون الله دوما في طليعة الشعوب التي لا تعرف سوى المسيرة إلى الأمام، بحب فيه وطيد، وعزم بهمته شديد.
كما نسأله تعالى أن ينيط بحفظه الذي لا يرام، وكنفه الذي لا يضام ولي العهد المحبوب، رمز المستقبل، وأمل الغد، الأمير سيدي محمد الأمجد، وصنوه الأمير الجليل المولى الرشيد الأرشد، وسائر أفراد الأسرة الملكية الشريفة.
هنيئا لكم يا مولاي بهذا العيد السعيد، ودمتم هلال كل عيد، تحفظكم عناية الله، وتحرسكم رعايته، وأدام الله على جلالتكم نعمة التوفيق والولاء والتأييد، ومتعكم ببرد الصحة والعافية والعمر المديد، ومتع شعبكم في ظل عرشكم المجيد، بالهناء والعيش الرغيد، وجعل عهدكم الزاهر دائم الإشراق والتجديد. إنه سميع مجيب.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here