islamaumaroc

عيد الشباب: توعية وتوجيه

  محمد بن عبد العزيز الدباغ

303 العدد

 يعيش الإنسان بعض الفترات من حياته ذاهلا عن واقعه، غافلا عن مصيره، غير متأمل في سر الحياة وأسباب الوجود. ولكنه من حين لآخر تأتي عليه فترات أخرى تبعده عن الرتابة، وتنقذه من سيطرة بعض الظواهر التي تحول أحيانا بينه وبين إثبات ذاته ومعرفة نفسه. لذلك كان من الطبيعي أن يبحث عن هذه الفترات التي تبعث فيه روح المعرفة، وتدفعه إلى التأمل، وتربطه بالجانب العملي من حياته ليجعل للحياة معنى وللوجود قيمة.
إن هذه الفترات الإيحائية هي اللحظات التي يفكر فيها فيجعلها أعيادا أو يجعلها مناسبات خالدة متكررة تدعوه إلى تقييم أعماله وتفسيرها تفسيرا يتلاءم مع إمكاناته واستعداداته، وقد تكون هذه الوقفات مرتبطة برموز وطنية، وقد تكون مرتبطة برموز ذاتية لها اتصال بالمنهاج الأخلاقي العام الذي تقوم على أساسه أركان الحياة، وقد تكون الرموز مشتركة مثل ما نرى في رمز عيد الشباب الذي يعد التحاما عمليا بين الملك والشعب من جهة، لأنه يخلد ميلاد أمير المومنين صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله، وهو في الوقت ذاته، رمز لهذه الطاقة البناءة العاملة على ازدهار البلاد وعلى حفظ مقوماتها كلها، فكلما أطل علينا هذا العيد إطلالته إلا وشعرنا به يهتف من أعماق نفسه هتافا متواصلا يتساءل فيه عما أعد الشباب له من مواقف، وعما هيئوا له من كفايات.   
إن الشباب في الحقيقة رمز للقوة والفتوة والفروسية، ولكنه في حاجة إلى أن يوجه التوجيه الكافي ليصرف قوته وفتوته وفروسيته فيما ينفع لا فيما يضر. لذلك كان الإعداد للشباب يحتاج إلى مخططات يتولاها الآباء والمربون والمسؤولون جميعا قبل بلوغ مرحلة الشباب، ثم تنتقل المسؤولية فيما بعد ذلك إلى الشباب نفسه. وحينئذ يصبح كل شاب مشاركا مشاركة فعالة في إقرار المفهوم الذي بنى عليه وجوده وشخصيته.
إن التكامل التربوي ضرورة من ضرورات الحياة، وليس لأي فرد الحق في أن يقول إنني وليد البيئة وحدها أو وليد التنشئة وحدها، إذ لابد من مراعاة الجانب الذاتي المضاف إلى الجانب التربوي الخارجي لتكون المسؤولية ذات وزن، وليكون التكليف ذا فعالية.
 ومما ينبغي أن نسعى إليه في هذه المناسبة خلق شباب غير متبرم من الحياة، غير يائس من الوجود، لا يرى الحياة بمنظار الشؤم، ولا ينظر إليها نظرة الضياع والدمار، والحقد والأنانية، والغضب الهائج، والتمرد المطلق، لأن الإنسان السوي هو الذي يبعد اليأس عن طريقه ويترك باب الأمل مفتوحا على مصراعيه.
إننا في هذا العصر أحوج ما نكون إلى بعث روح الجمال في أنفسنا، وفيمن حولنا، لذلك كان من الضروري أن نجعل عيد الشباب مناسبة لتطهير الأخلاق ورفع الهمم ونشر الفضائل، وان نهيئ أنفسنا فيه لتقبل أسمى ما يمثله الشباب من القوة والحزم والتطلع إلى محاسن الصفات.
إن الشباب نغمة مرحلة في نشيد الحياة. إنه الكلمة العذبة في سجل الخلود. إنه القصيدة الرائعة في ديوان الوجود. إنه الطاقة المحركة لمركب المسيرة الحضارية الظافرة.
إنه فرحة النصر بعد الكفاح المرير.
إنه ربيع العمر في محاسنه ومفاتنه، فهو الروضة الأريضة الفاتنة ذات الغصون الخضراء الفاتنة ذات الغصون الخضراء، والماء الرقراق، والطيور الشادية، والأزهار الباسمة المختلفة الأشكال والألوان.
فما على متعهديه إلا أن يواصلوا العمل من أجل الحفاظ عليه وتوجيهه الوجهة الصالحة الملائمة لكيانه و طاقاته، ولهم في عيد الشباب فرصة مواتية لاقتباس الاتجاه التربوي الذي ينبغي لهم أن يجعلوه منهاجا صالحا يسترشدون به إلى طريق الصلاح، فهو رمز للعزة والحزم والكفاح من أجل بناء وطن محرر موحد خال من كل شوائب الانحلال. 
إنه عيد يهدف إلى رسم الطريق أمام كل الشباب ليستمدوا منه عناصر تربيتهم وقوة نفوسهم، وقد نبه على ذلك جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله في التوجيهات السامية التي يضمنها خطاباته التي يلقيها على شعبه العزيز في هذه المناسبة. فمن ذلك مثلا ما جاء في الخطاب الذي ألقاه سنة 1987، ففيه يقول لمشباب (1) "علينا أن نهيئك للقرن المقبل، وأن لا نجعل منك متفرجا ومنتهزا فقط، بل علينا أن نجعل منك مخترعا ومبتكرا ومشاركا في بناء عالم ومجتمع القرن المقبل. ولا يتأتى هذا، إلا إذا نحن بعد النصيحة وبعد التربية، سلحناك بما يجب تسليحك به من المعرفة النافعة والعلم المجدي".
وإنه لقول سديد ونظر ثاقب، وطموح عملي يجمع بين الأمل والعمل، ولا يفرق بين عناصر الحياة. فلا يمكن لأمة أن تحيى حياة كريمة فاضلة نافعة إذا لم يتأت لها أن تجمع بين مكارم الأخلاق ومقومات العلم والمعرفة. لأن الأخلاق توجه، والعلم يسهم في التطور، وفي اكتشاف أسرار الطبيعة، وفي استغلال المعطيات التقنية، وبذلك نستطيع مواجهة التحديات التي تعترض سبيلنا في الحياة، ولهذا نجد الملك نصره الله، يقول في نفس الخطاب: "فلنفرض شعبي العزيز أننا هذبنا أولادنا وأبنائنا وجعلنا منهم المواطن الصالح، والمومن الرابح، والمسلم الناجح، فعلينا أن نفكر في أن نسلحهم بالعلم والمعرفة، ذاك السلاح الذي بدونه لا يمكن لأي شعب من الشعوب أن يقف الوقفة اللازمة في الصراع المستمر مع التاريخ ومع ما يجاوره من البلدان".
وبناء على ما تقدم، يتبين لنا أن التخطيط لمستقبل الشباب هو من آكد الواجبات التربوية والاقتصادية والاجتماعية من جهة، وإنه في الوقت ذاته يحتاج إلى اختيار المناهج التعليمية القادرة على تحقيق الأهداف التي توخاها جلالة الملك نصره الله من خطابه المذكور.
 ومن أهم هذه الأهداف إعداد شباب واع بمسؤوليته، عالم بدوره الإيجابي في تسيير البلاد وإقرار الاستقرار بها، حريص على الالتزام بمبادئها المثلى القائمة على حفظ كيان الدين الإسلامي، وعلى حفظ الوطن من كل ما من شأنه أن يثير قلقا أو اضطرابا أو مسا بالمقدسات.
  إن هذا الإعداد يقتضي أمرين:
 الأمر الأول: مرجعه إلى التوجيه التربوي العام المبني على اختيار المناهج التربوية والمخططات التعليمية القادرة على الوصول بالمواطن إلى مسايرة التقدم المعاصر.
الأمر الثاني: مرجعه إلى تقوية الجانب الفكري والإبداعي الذي يقوي ملكة الإدراك عند الشباب، ويدعوهم إلى النقد الذاتي ليجتنبوا ما يشينهم ويبتعدوا عن كل ما يمكن أن يلحق ضررا بأنفسهم أو بوطنهم أو بمقدساتهم، لأنهم بهذا المعيار الصالح سيحافظون على استمرارية مجد بلادهم، وسيقوى إيمانهم بأنفسهم، سيتجنبون كثيرا من المثبطات التي إذا استبدت بهم حالت بينهم وبين استمرارية الحضارة الناصعة التي يمثلونها، والتي كان لها فضل كبير على العالم في كثير من الحقب والعصور.
إننا بهذا التوازن الإعدادي، سنكون قد أدينا الواجب نحو الشباب، وفي آن واحد سنكون قد مهدنا لهم السبيل ليتحملوا المسؤولية، على أحسن وجه في مستقبلهم الزاهر إن شاء الله.

1) الحسن الثاني، انبعاث أمة، الجزء 32.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here