islamaumaroc

لا تجتمع أمتي على ضلال.

  أحمد مجيد ابن جلون

303 العدد

للأنظمة مبادئ و سلوك، و لها إجراءات و قيود، و إمكانات و أهداف، و مادام القصد هو الحفاظ على كرامة الإنسان و العمل على توفير حاجياته، و السهر على ضمان حرياته، و تعزيز مقوماته، و فتح المجال لمبادراته، و مساعدته على تبوإ المكانة التي يتوق إليها طموحه و يستحقها مستوى قريحته، فإنه من البديهي أن أحسن نظام و أفيده هو الذي يؤدي إلى النتيجة المرجوة، فيكون المجهود مشتركا بين المسؤول و أفراد الأمة، كل منهما يساعد الآخر، بغية تحقيق المرمى المنشود.
إلا أن بلوغ القصد ليس بالسهل لأسباب متعددة، منها طبيعة الإنسان و درجة نموه الفكري، و حدود إخلاصه للصالح العام، و ميول بعض المسؤولين. و لهذا أصبح من المؤكد أنه لا يكفي أن يتوفر النظام الأصلح على وسائل فرضه، و إنما يجب كذلك أن يحتضن أنجع الوسائل لمراقبة تطبيقه. و هنا يكمن سر نجاحه أو فشله.
منذ بضع سنوات فوجئ العالم بأخبار تتكلم عن مسؤولين اغتنموا وضعيتهم للكسب غير المشروع، و استغلوا مناصبهم للثراء المشبوه، و تدين مجموعات من الأحزاب السياسية، و تتهم شخصيات مرموقة. بل إن سجون إيطاليا ضاقت بالزعماء الذين تنكروا لمبادئهم و لم يترددوا في التحالف مع أسفل الهيئات الإجرامية في خدمة مصالحهم، غير مكثرثين بعهودهم و التزاماتهم.
إن للمغرب خاصياته و له تقاليده و أعرافه. فهو بلد الإسلام و قلعة المبادئ و القيم، شيدها عبر القرون، و الأحقاب، و احتضنها على مراحل نسجتها التجربة المستمرة و البحث الدؤوب في ظل الإيمان و العقيدة، و سهر على  التأكد من صلاحيتها ملوكنا الميامين الذين قادوا مسيرة البحث و التنقيب المهتمة بها في يقظة تامة، تحدوها الرغبة الأكيدة و الإرادة الأبية في تطبيق تعاليم ديننا الحنيف في مجتمع رحب بسبط النبي، و وهبه الملك عن طواعية و اقتناع.
لقد قامت دولة الأدارسة على الشرعية الإسلامية، و بنت أسس نظامها على الوفاء للعقيدة و الإخلاص لاختيارات الجماعة، و تعاقبت على الملك دول نهجت نفس الخطة و تبنت مبادئ الديموقراطية قبل أن يعرفها غيرها، فنسقت الاختيارات و ضبطت المناهج، و عاش المغرب قرونا و هو ينعم بذلك الجو السياسي القائم على ما تفرضه عقيدتنا السمحة.
لقد أصبح من المسلم به دون جدل ان الديموقراطية إيمان و سلوك و مؤسسات. فهي المذهب السياسي الذي يؤكد بأن السيادة للأمة تمارسها إما مباشرة و إما بصفة غير مباشرة، عن طريق مؤسسات منتخبة. و استنادا إلى ما لاحظه الفيلسوف »منطسكيو «، فلقد أضحى من الإيجابي أن هذه المؤسسات يجب أن تنقسم إلى ثلاث هيئات: التشريعية،  التنفيذية و القضائية. و هذا ما يؤهلها للقيام بتنظيم الأمة عن طريق القوانين، و لتحقيق رغبات المواطنين بالقيام بتنفيذ هذه القوانين، و لمراقبة هذا التنفيذ من طرف القضاء.
إلا أن ما يمكن أن يلاحظ باستغراب هو أن مجمل الدول التي آمنت بالنظام الديمقراطي، و تبنته لم تهتد لحد الساعة إلى الحل المرضي و المفيد الذي يجعل من رئيس الدولة مؤسسة قائمة بذاتها إلى جانب باقي المؤسسات. فهناك من جعل منه سلطة صورية تفرضها مجرد العاطفة و لا دخل لها في تسيير شؤون الدول، و هناك من منحها اختصاصات جلها برتكولية، و هناك من جعلها وسيلة لإثارة الانتباه و محاولة التأثير الخلقي. و قد توجد حالات يتمتع فيها رئيس الدولة ببعض المميزات. إلا أن ذلك لا يمنحه أية سلطة تخوله حق التقرير أو التدخل المباشر في تسيير دوالب الدولة، لأن القرار النهائي يبقى دائما بين أيدي السلطة التشريعية أو التنفيذية، بحسب الاختيار الذي يهيمن على هذا النظام أو ذاك.
هذا بالضبط هو ما تجنبه النظام المغربي بفضل تجربته الممتدة عبر القرون، و بفضل تشبثه بالتوجيه الإسلامي الذي يؤكد في نفس الوقت أن أمر المسلمين شورى بينهم في ظل و تحت مسؤولية الإمام. فالراعي و الرعية يعملان في خدمة الصالح العام. و لكن منهما مسؤولياته.
و قد بلور الدستور المغربي هذه الفكرة بكيفية واضحة. فمسؤوليته مجموع المواطنين تظهر في اختيار الممثلين الذين يشرعون و يقترحون و يراقبون بشتى الوسائل. أما مسؤوليات الإمام، فقد نص عليها الدستور بكيفية واضحة في مادته 19، حيث قال: » الملك أمير المؤمنين، و الممثل الأسمى للأمة، و رمز وحدتها، و ضامن دوام الدولة و استمرارها. و هو حامي حمى الدين و الساهر على احترام الدستور. و له صيانة حقوق و حريات المواطنين و الجماعات و الهيئات. و هو الضامن لاستقلال البلاد و حوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة «.
إنه لتعبير بليغ عن إرادة أبية للشعب المغربي، و ثقة كاملة، و اقتناع شامل بأن النظام الملكي الذي واكب مسيرته عبر 13 قرنا و قاد مجرى مصيره، و جنبه كل الآفات، و وصل به المكانة المرموقة التي يحتلها بين دول العالم، هذا النظام هو الأصلح له، إذا ما أراد الاستمرار في الاستقرار و التقدم و الحفاظ على مستواه الرفيع.
هذا من حيث الإقرار بالجميل، و الاعتراف بالحقيقة المجردة، و الإفصاح عن عاطفة متبادلة، و الاستناد على ما آثره أجدادنا من وسائل لصيانة كرامتهم و الحفاظ على وجودهم، و من حيث الدفاع عن تلك الآصرة المقدسة التي لم يزدها مرور الأحقاب إلا متانة و مناعة، و من حيث إدراك و تطبيق ما يدعو إليه ديننا الحنيف الذي يجعل من الإمام العمود الفقري في كل مجتمع يتوق إلى تضامن افراده ووحدة صفوفه.
أما من حيث إنشاء المؤسسات الضرورية لاحتضان ديمقراطية حقيقية و منسجمة، فالنظام المغربي يمتاز بكونه منذ الاستقلال حافظ على فرضته التجربة و آثره مجموع أفراد الامة استنادا إلى تشبثهم الذي وجه مستقبلهم، و دافع عن حوزة وطنهم و زرع بذور الوئام و الألفة، و أعطى لمفهوم التضامن مدلوله الغني، و ركز عناصر الحرية الاجتماعية و السياسية بخلق مؤسسات منتخبة تعمل إلى جانبه و تحت مراقبته، لها اختصاصاتها الكاملة و وسائل عملها. فالسلطة التشريعية، و السلطة التنفيذية تعملان جنبا إلى جنب، في استقلال تام، و لكن في تعاون و تآزر يفرضه وجوب الدفاع عن المكتسبات الفردية و الجماعية. بهذا المعنى أكد جلالة الملك الحسن الثاني دام نصره، و هو يخاطب نواب الأمة عند افتتاح إحدى دورات مجلس النواب، بأن النواب كأعضاء الحكومة، يكونون كذلك وزراء لجلالته حفظه الله.
و هذا الإنجاز العظيم لم يمكن تحقيقه إلا بفضل الاستناد على عدة مبادئ إسلامية، منها: (وأمرهم شورى بينهم)، ومنها:( وشاورهم في الأمر)، ومنها: ( المومن للمومن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا)، ومنها: (المومنون سواسية كأسنان المشط)، و منها: «لا تجتمع أمتي على ضلال ».
و هذا الإنجاز الهادف ندين به لجلالة الحسن الملهم الذي وقانا شر التفرقة، فألف بين القلوب و وحد الصفوف، و ركز المؤسسات، و نسق السلط، و حدد علاقاتها ببعضها، ووجه نشاطها، و ذلك في دستور يضمن الحقوق و الحريات، و يسن قوانين تقي من التسرع و الحيف و العبث.
إن المغرب ينعم باستقراره، و هو على طريق البناء و الازدهار، البناء الفكري و الازدهار المادي، في ظل ملكية تكون الجزء الأوفر من روحه، و تحت قيادة ملكه و منسق مسيرته، أدامه الله لشعبه المتفاني في حبه، و أعاد أمثال هذا العيد، عيد ميلاد جلالته، مرات و مرات، إنه نعم المولى و نعم النصير، و بالإجابة جدير.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here