islamaumaroc

الصحوة الإسلامية وكتاب "ذاكرة ملك".

  إدريس خليفة

303 العدد

كتاب "ذاكرة ملك "مؤلف جليل عظيم الشأن، يعالج قضايا السياسة والاجتماع والثقافة، ويكشف عن حضارة المغرب وتاريخه وثقافته وأسباب نهوضه والصعوبات التي تعترض سبيله، وطبيعة المغاربة وعمق صلات وروابط المحبة والجهاد التي تربط بين الشعب والعرش، وهي الروابط التي كانت لها أبعد الآثار، وأجل النتائج المتمثلة في تحقيق الحرية والاستقلال، والقضاء على الاستعمار، والنهضة العامة الشاملة التي يشملها المغرب الحديث.
و يمتاز الكتاب بتحليلاته العميقة ومعالجة الأسباب والعلل ووضع المعضلات في إطار السياق الاجتماعي بأسلوب فريد يقوم على أساس من الحوار الفلسفي والمعرفي ومواجهة القضايا والمشاكل، مهما كانت شائكة، واختصارها في حدود منطقية جامعة مقنعة وعبارات تمتاز بالسلاسة والسهولة، ولكنها ترتفع عن السهولة المعتادة لتكون من قبيل ما يعرف في فنون النثر باسم السهل الممتنع.
و القضايا التي يعالجها الكتاب هي قضايا المغرب والعالم العربي والعالم الإسلامي والعلاقات مع الغربين الأوربي والأمريكي، والعلاقات مع الدول التي كانت تخضع للنفوذ الشيوعي. بالإضافة إلى العلاقات مع دول عدم الانحياز والدول المغاربية والإفريقية، ومن هنا فإن آفاق الكتاب، آفاق رحبة ذات امتداد كبير واسع، ومن هنا كانت الحاجة إلى محاور قوي عميق الثقافة، غزير المعارف، ذي تجارب ثرية وملاحظات دقيقة نافذة وألمعية جيدة وعبقرية متميزة، وهي الخصال التي توفرت لأمير المؤمنين- جلالة الحسن الثاني- الذي عرفه العام ملكا ذا مناقب سامية ومواهب عظيمة وملكات سياسية وثقافية متنوعة ومتفوقة.
و لو أن ابن خلدون نظر في الكتاب ودرسه لوجد فيه لأول مرة، علل التاريخ والاجتماع التي كان يبحث عنها والتي ذكر في كتابه المقدمة، أن المؤرخين لم يهتدوا إليها وأخطؤوها، فكانت المؤلفات التي وضعوها في التاريخ مجرد سرد للأحداث والوقائع التي لا تجمعها روابط منطقية ولا تنتظم في أسلاك علل معقولة ومفاهيم مقبولة، ولهذا صار كتاب  "ذاكرة ملك "جديرا أن تكون له مكانة مرموقة في الدراسات الاجتماعية والسياسية والثقافية والاقتصادية. وسأحاول في هذه العجالة أن أحلل جانبا اجتماعيا من الجوانب التي تعرض لها بالدرس والبحث والتعليل، وهي ظاهرة الصحوة الإسلامية وما يتصل بها من إشكالات.
و الصحوة الإسلامية هي التيار الفكري والعملي الذي ظهر في مجتمعات العصور الإسلامية الحديثة، التي رغبت في التحرر والانعتاق بالرجوع إلى الإسلام والعمل بأحكامه والنظر من خلال قواعده إلى ما يجب الالتزام به من جوانب التربية والتعليم والسلوك، حتى يتمكن العالم الإسلامي والمسلمون من الخروج من النفق المظلم الذي عاشوا فيه قرونا وأجيالا، وتجاوز عقبات الصراع الحضاري التي فرضها عليهم تفوق الغرب النصراني ومخططات الهيمنة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي يعدها للمسلمين، ولم تكن الصحوة الإسلامية وليدة هذا الظرف الراهن،  وإنما هي امتداد لحركات إسلامية وجهود في الدعوة قام بها سياسيون مسلون كبار، أمثال ابن تيمية وابن القيم ومحمد بن عبد الوهاب والسلطان المولى سليمان وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الله السنوسي وعبد الحميد بن باديس وأبي شعيب الدكالي وعلال الفاسي ومحمد المكي الناصري.
و قد تجلت بوادر هذه الصحوة بالمغرب، عندما قرر جلالة الملك محمد الخامس إعلان الجهاد لإنهاء عهد الحماية والحصول على الاستقلال، كما ظهرت فيما يقوم به أمير المؤمنين، الملك الحسن الثاني من جهود بناء الدولة المغربية الحديثة ودعوة المسلمين للتضامن والاتحاد ومناهضة المذاهب العلمانية الغازية. وعقد مؤتمرات القمة الإسلامية ابتداء من مؤتمر القمة لعام 1969 والدعوة إلى تحرير فلسطين والقدس الشريف والتمسك بسياسة البعث الإسلامي، وإنشاء دار الحديث الحسنية، وتكوين شعب الدراسات الإسلامية بكليات الآداب وإمداد جامعة القرويين العتيدة بوسائل العمل التي تمكنها من النهوض، وتحرير الصحراء المغربية، وتأسيس المجلس الأعلى لحقوق الإنسان، والعناية بالكتاتيب القرآنية، وجمع العلماء في الدروس الحسنية، وإقامة الندوات العلمية مثل: ندوة الصحوة الإسلامية بالدار البيضاء، ومؤتمر خطبة الجمعة بمراكش.
و هي سياسة مكنت المدارس الإسلامية من أن تسهر على تكوين الطلاب في الدراسات الإسلامية وإمدادهم بالمعارف الدينية، وجعلت المغرب أرض الصحوة الإسلامية التي لا تزيغ بها الأهواء ولا تعصف بها التيارات، لكونها قامت على أسس من العلم الراسخ والفهم الصحيح والوطنية الصادقة وعلاقات البيعة، التي تجمع بين الملك والشعب والانفتاح على العالم وحضارته والإخلاص والحرية، وغير ذلك، من القيم التي تطبع المغرب بطابع الوفاء والحكمة والمسؤولية والاجتهاد، وهذا هو ما جعل المغرب ينجو من مظهر التطرف الذي برز مع الصحوة الإسلامية وشانها، وجعلها هدف نقد الإعلام الغربي الذي هو بطبعه شديد النفور من الإسلام والكراهية له، والذي يجد في بعض مظاهر الغلو والتطرف وسيلة من وسائل اللوم والتشنيع والإساءة للإسلام والمسلمين.
و لم يكن غريبا في هذا الإطار أن تسأل الصحافة العربية صاحب الجلالة الحسن الثاني في موضوع التطرف الديني وأن تعرب عن مخاوفها إزاءه، ولا غرابة أن يكون الملك المغربي عليما بهذا الموضوع وغيره ومستعدا أن يحلل معطياته وظواهره، وأن يضعنا أمام الصورة الحقيقية لهذا المشكل، وأن يلفت النظر لمظاهر الصحوة الإسلامية الجميلة مركزا على حقائق الإسلام وقيمه التي لا تتطابق مع التطرف والغلو.
و ينبغي القول أن التطرف ليس ظاهرة خاصة بالمجتمع الإسلامي، وإنما هو ظاهرة موجودة في المجتمعات المسيحية واليهودية التي بلغ فيها مبلغا لم يصل إليه في البلاد الإسلامية، وقد أنكر القرآن على النصارى غلوهم، قال تعالى: ( يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل) وقال تعالى: ( ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها) ودعا القرآن المسلمين إلى الاعتدال والتوسط، فقال تعالى: (و كذلك جعلناكم أمة وسطا، لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ).
و في نطاق هذا المنهج الرباني، دعا القرآن المسلمين إلى معاملة غيرهم معاملة بر وإحسان وقسط، وعاش الأجانب غير المسلمين في بلاد الإسلام آمنين مكرمين متمتعين بأنواع الحقوق الاجتماعية والإنسانية، يحميهم الحكم والقضاء الإسلامي والأخلاق الإسلامية، يقول القرآن الكريم: ( لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا إليهم، إن الله يحب المقسطين...).
والتطرف الذي نشاهده في بعض البلاد الإسلامية الآن، آفة اجتماعية خطيرة، لها أسبابها.
ومن أهم هذه الأسباب، الصراع بين الحكومات العلمانية وبعض الفئات الإسلامية التي دفعها الغلو العلماني) الماركسية اللينينية والماركسية الماوية وسياسة الحزب الوحيد، وسياسة الانغلاق والتبعية، وسياسة التهميش وكبت الحريات(، إلى أن تعلن رفضها لهذا الواقع وتسعى لتغييره.
ومن أهم أسبابها كذلك الاهتمام بالمظاهر والشكليات والفروع الفقهية، والغفلة عن مقاصد الشريعة وأصولها وأهدافها، وعدم التحصن بالثقافة الفقهية المذهبية المعروفة بمناهجها وأنماطها، بترك القراءة على الشيوخ والتخرج في معاهدهم.
و من أسبابها كذلك، محاولة إضفاء الصبغة الإسلامية على المذاهب الفكرية المستوردة، مما جعل بعض الكتاب يطلقون على العدالة الاجتماعية في الإسلام اسم  "الاشتراكية الإسلامية  "أو "اشتراكية بني الإسلام "إلى غير ذلك من الأوصاف التي لا علاقة لها بهذا الدين، ومن أسبابها كذلك ترك الوفاء للإسلام والانقياد لأحكامه التي درج المجتمع الإسلامي على احترامها وإعلان الوفاء للفارسية أو الفرعونية أو القومية الضيقة وما يتبع ذلك من المظاهر والتصرفات، وهذا ما يلمسه القارئ في كتاب  ذاكرة ملك "الذي يقدم هذه القضايا بطريقة تلقائية جدلية مباشرة صارمة شفافة.
و في نطاق الصحوة الإسلامية التي عرفها المغرب، نقرأ في الكتاب عن الجهود التي بذلها المغفور له محمد الخامس، طيب الله ثراه، من أجل تحرير بلاده وتعريف العالم بالقضية المغربية والمناداة بالاستقلال، ونجد الحديث عن التربية التي تلقاها جلالة الملك الحسن الثاني من والده، تلك التربية التي لا تغفل عن دور الأب كمرب، بالدرجة الأولى، ولا عن القدوة الحسنة والمحاكاة والتربية المدرسية المرتكزة على "الوعي بالمسؤولية وبالعمل المتعين القيام به "والعقوبة، بما في ذلك الضرب بالعصا عند عدم الامتثال. (1)
و نجد تحديد دور الملكية في عهدي الحماية والاستقلال كما يقول جلالته:  "كانت الملكية تتصور في عهد الحماية كافة المطالب، ولا شك أن الاستقلال أزال الحاجز الوقائي الذي لن يحول دون ممارسة كافة المسؤوليات المباشرة...". (2)
 يوضح جلالة الملك سر الصحوة المغربية بكونها تستند إلى المشروعية المتمثلة في البيعة الشرعية لموك الدولة العلوية.(3) وعن طبيعة هذه البيعة ومصدرها وكيفية حصولها، يقول جلالته: "عند وفاة الملك، يقول العلماء وبعدهم الشرفاء ) المنحدرون من النبي( وأفراد العائلة والشخصيات بالتوقيع على وثيقة البيعة، معترفين بذلك بوفاة الملك، وباعتلاء خلفه العرش".
و البيعة مصدرها الشريعة الإسلامية،  وفي هذا الصدد، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من مات وليس في عنقه بيعة، مات ميتة جاهلية". فالأمر هنا يتعلق بقاعدة أساسية، إذ لا يمكن للمسلم أن يكون بلا وطن، ومهما كان البلد الذي يعيش فيه، فينبغي أن يكون له عقد معنوي مع من يحكمه. (4) والبيعة نظام يجعل الإمام مسؤولا عن الرعية مسؤولية الأب عن أسرته التي يحبها ويتعهدها ويسهر على مصالحها:  "البيعة نظام خاص، قائم بيني وبين كل مغربي، ومن واجبي بمقتضاها أن أعتبر كل مغربي واحدا من عائلتي، سواء كان غنيا أو فقيرا، وكل مغربي يعتبر نفسه أحد أبنائي، فمن الواجب الديني لملك المغرب، الذي هو أمير المؤمنين أن يعتبر نفسه جزءا لا يتجزأ من كل أسرة، إن ذلك يشكل أحسن ضمانة ضد التشكك والإنهاك المتولدين عن طول ممارسة السلطة في إطار نصوص قانونية دستورية محددة، كما يمثل الشعور بالمسؤولية عن مصير كل أسرة، أحسن ضمانة ضد كل طغيان واستبداد ". (5)
و يندد جلالة الملك بالاتجاه العلماني مؤكدا أن المغرب لا يقبل تشكيل حزب شيوعي به: "مادام الحزب الشيوعي ذا نزعة إلحادية، فليس له حق الوجود في بلد دينه الإسلام".(6) ويربط الملك بين هذه القاعدة وبين اختيار اللامركزية الديموقراطية، مبينا أن البيعة ضمانة كاملة للاستقرار والوحدة فيقول:
 "يمكن أن نسير في اللامركزية إلى أبعد الحدود ما دمنا متمسكين برابطة البيعة، فكلما تم احترام هذا الميثاق من طرف الأجيال المقبلة، كان بإمكان السلطة المركزية ترشيد الجهات المغربية أكثر فأكثر، لأن المواطن المغربي سيبقى على الأحقاب ذلك الإنسان المؤمن الذي يؤدي فريضة الصلاة ويصوم رمضان ويحج إلى بيت الله الحرام، وطالما أن هذا البلد بلد مسلم، فلن يكون هناك أي خطر، وعندما يصبح بلدا علمانيا، وهذا لن يحدث على الإطلاق، عند ذلك فقط، يمكن أن تؤدي اللامركزية إلى التصدع. "(7)
و يلفت جلالة الملك نظر محاوره إلى قضية الاجتهاد مؤكدا على ضرورة إعمال النظر في القضايا والحوادث المستجدة، معللا ذلك بكون القرآن والسنة لم يتطرقا إلى تفصيل جميع الأحكام، ومبينا أن الحياة العصرية إذا تنافت مع الدين، وكان من شأنها تقويض المجتمع والهوية، فإن واجب أمير المؤمنين آنذاك، التنبيه ثم الإنذار ثم المنع عند الاقتضاء. (8) وعند جلالة الملك أنه لا حرج في الشريعة، وينبغي لهذا التمييز بين ما هو غير منصوص عليه وما هو محرم في الشريعة، فالمحرمات في الإسلام ليست كثيرة، والإسلام في غاية المرونة والبساطة، والمعيار الذي ينبغي اعتماده إزاء تلك المحرمات هو معيار حسن الأخلاق، ولهذا كله علاقة بالنظام الذي لا يجوز خرقه والمساس به. (9)
و في نطاق هذه المسؤولية الخلقية، يرى جلالة الملك أن الفساد الناتج عن الرشوة يكون المسؤول عنه الراشي والمرتشي، فلولا وجود راشين، لما كان هناك مرتشون، والرشوة الصغرى لا تقل أثرا وضررا عن الرشوة الكبرى فيما يتعلق بالنتائج والتبعات. (10)
و على صعيد العلاقات بين الأديان وبمناسبة زيارة –البابا- للمغرب يلاحظ أمير المؤمنين أن البابا يوحنا الثاني، مختلف عن البابوات الذين كانوا قبله، بسبب أنه كان من قبل نقابيا وممثلا مسرحيا وخطيبا للزواج، وكونه يعمل على نشر المسيحية واستقطاب الملحدين، وأنه يقرأ أبحاثا ودراسات عن الإسلام، عن حل لقضية القدس والعمل على التفاهم مع العالم المسيحي، بما يضع حدا لأسباب الصراع والنزاع. ويتطرق جلالة الملك في هذا السياق للحديث عن الأناجيل والإلحاد الناشئ عن النفاق الاجتماعي وإفلاس الكنيسة الكاثوليكية على المستوى الاجتماعي.
و يأتي الحديث عن التطرف في الكتاب ليوضح جلالة الملك ما في نظرة الغرب إلى المشكل من سطحية وسذاجة وافتعال، عندما نجد الأوربيين قلقين من خلال مشاهدة أشخاص ملتحين مشاغبين مرتدين لزي أبيض، وتنتابهم لذلك مشاعر الخوف من الإسلام، فالإسلام في جوهره ليس دينا مخيفا ولا هو دين غزو وتعصب وعدم تسامح، وإذا كانت هناك كتب يظهر منها التعصب وعدم التسامح، فليس ذلك من الإسلام، بل هو من جهل مؤلفيها أو من شعوذة كتابها.
و التطرف في ذاته أنواع، كما يقول جلالته، وهو ذو نزعات:  "التطرف الديني في الجزائر يشبه إلى حد ما التطرف في السودان الذي يختلف عن التطرف الإيراني، أو حتى عن التطرف الذي يظهره المجاهدون الأفغان، فلو اجتمع المتطرفون فيما بينهم فلا أحد منهم سيكون له نفس التصور الذي للآخر لتسوية القضايا التي يطرحونها، لا أقول إن هذه الظاهرة ليست مبعث انشغال، ولكن ما دامت أسبابها ومظاهرها واضحة، فلا ينبغي إعطاؤها حجما أكبر من حجمها، إنها لا تشبه الماركسية التي يلفها نسيج موحد ومتناسق ". (11)
و لقد عاد جلالة الملك لموضوع التطرف، وزاده أيضا إيضاحا في الحديث الذي أدلى به جلالته لبرنامج  "راصد القرن" الذي بثته الإذاعة الفرنسية أواخر شهر يونيه 1993 م. حيث ذكر أنه ليس الملك هو الذي يقف ضد التطرف، إذ هو يضمن التوازن فقط، وإنما المغاربة هم الذين يرفضونه، فالتطرف شكل من الأشكال الديكتاتورية، والمغربي لا يقبلها بتاتا، حتى ولو كانت باسم الدين، والتطرف يقول جلالته ليس نوعا واحدا، وإنما هو أنواع، وذلك راجع إلى اختلاف الأسباب التي توجد وراءه حسبما يأتي:
1) السبب عند البعض، ظاهرة المغالاة في العلمانية والإباحية.
2) السبب عند آخرين، المشكل الاقتصادي والاجتماعي.
3) السبب عند فئة ثالثة، هو الحرمان من الحرية بسبب ممارسة السلطة من طرف حزب واحد لمدة طويلة.
و قد يكون السبب هوالمزاج الشخصي، كما يظهر ذلك في حالة بعض المتصوفة الناتجة عن حالة نفسية غير متفتحة على الغير ولا يمكن نقلها له، وينبه جلالة الملك لأخطار التطرف ويقول: "إن التطرف في رأيي كان دوما وراء كل مغامرة، ففيه يبدأ المرء متطرفا وينتهي إرهابيا."
و لما كان السب الاجتماعي من أبرز أسباب ظهور التعصب المسمى باسم التطرف، فقد ذكر جلالة الملك أنه لا مجال لوجود التطرف بالمغرب، فقد ظل المغاربة طوال تاريخهم شعبا واحدا، متشبثين بوحدتهم وهويتهم وأصالتهم.
و نستخلص من خلال هذه الأفكار والوقائع التي يسجلها الكتاب ويعرفها التاريخ بشأن الصحوة والتطرف:
1) أن المغرب أرض الصحوة الإسلامية في العصر الحديث، وأن للعرش العلوي دورا كبيرا في إرساء هذه الصحوة والدعوة إليها بإعلان الجهاد ضد الاستعمار وتحرير المغرب من النير الاستعماري.
2 )أن الملك المرحوم محمدا الخامس وابنه ووارث سره أمير المؤمنين الحسن الثاني هما رائدا هذه الصحوة بالمغرب، والداعيان إليها في العالم الإسلامي، وظل الملك الحسن الثاني يتعهد غرسها لتنمو وتمتد فروعها وأغصانها على الساحة الإسلامية انطلاقا من الدفاع عن الهوية الثقافية والوطنية، والعمل على استرجاع القدس الشريف، ومحاورة الكنيسة الكاثوليكية لتعريفها بحقائق الإسلام ودعوتها لمسالمة المسلمين، إلى العمل على استرجاع الصحراء التي هي جزء لا يتجزأ من المغرب، ويتفرع عن ذلك كله، رفض العلمانية والتيارات الغازية التي لا تتفق مع مقدسات المغرب وتراثه وحضارته.
3) أن مرتكز العلاقة بين الملك وشعبه هو عقد البيعة الذي يستمد مشروعيته من الشريعة الإسلامية، والذي يعطي الملك حق طاعة شعبه والولاء له والوفاء ببيعته.
 4) أن الإسلام دين يحترم العقل ويعطي الإنسان حق الاجتهاد، وهذا ما يوضح كونه لا علاقة له بالتطرف القائم على الاستبداد والتحكم ورفض النقاش والحوار.
5) أن الإسلام دين الحرية، ولا حرج في الشريعة، ولا توجد محرمات كثيرة، والمعيار الذي ينبغي اعتماده إزاءها هو معيار حسن الأخلاق والنظام العام.
6) أن من الواجب مساعدة الكنسية على تصحيح الأخطاء الدينية، وتجاوز عقبات التعصب الديني ضد المسلمين واستدراج مودتها وتفهمها لحل قضية فلسطين والقدس الشريف.
7) أ التطرف أنواع، وليس تطرفا دينيا بالضرورة.
8) أن التطرف آفة اجتماعية خطيرة.
9) أن التطرف ناشئ عن أسباب ينبغي علاجها لاقتلاع جذوره من أصولها.
10) أن من السذاجة اعتبار المظهر الخارجي وحده دليلا على التطرف.
11)أن التطرف وراء كل مغامرة، إذ يبدأ الشخص متطرفا وينتهي إرهابيا.
تلك هي الأفكار والمبادئ الرئيسية التي تضمنها الكتاب بخصوص مسألة الصحوة والتطرف، ونرى من خلالها عمق تحليلات جلالة الملك وغور فكره وبعد نظره، فإذا أضفنا إلى ذلك ما يقوم به جلالته من أعمال لصالح القضايا الإسلامية والوحدة العربية المغاربية وتصحيح مفهوم الإسلام عند الغرب، وحوار رؤسائه في الدين والدنيا بما يعود على القضية الإسلامية والعربية بالخير، وكونه يدافع عن قضية القدس بحرارة وإيمان، وكون المغرب لذلك يتعرض لمؤامرات داخلية ودولية، وكونه مع ذلك يواصل نهضته الاقتصادية بقيادة جلالته الحكيمة، وعلمت أن هذا كله مرقوم في هذا الكتاب الذاكرة، الذي لن يستغني عنه الباحثون والمؤرخون في تاريخ المغرب الحديث، أدركت أن الكتاب جدير بكل إكبار وإعجاب، وانه درة نفيسة من درر العرش العلوي المجيد، وعمل طموح رائد في مجال التاريخ والتوثيق والتحليل والتعليل.
و خلاصة القول أن كتاب ذاكرة ملك هو كتاب ذاكرة المغرب، وهو كتاب ذاكرة الصحوة الإسلامية بالمغرب.

1 (ذاكرة ملك 11.
2( ص: 29
3( ص: 43
4( ص: 55
5( ص: 55
6( ص: 56
7( ص: 126
8( ص: 56
9( ص: 57-58
10( ص: 105
11( ص: 148

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here