islamaumaroc

الأصالة والمعاصرة في كتاب "ذاكرة ملك".

  يوسف الكتاني

303 العدد

آثرت في هذه المناسبة الكريمة عيد الشباب، الذي هو يوم عيد صاحب الجلالة الحسن الثاني، أن أقدم صفحة رائعة من صفحات كتاب:"ذاكرة ملك"، وجانبا هاما طبع الكتاب كله، وكان سمته وميزته، ألا وهو موضوع الأصالة والمعاصرة، الأمر الذي يميز حياة جلالة الملك كلها، مما جعل كتاب:"ذاكرة ملك" كتاب السنة لا في المغرب فحسب، بل في أغلب أنحاء العالم كله، مما جعل معلما متفردا بين مذكرات الملوك والرؤساء.
هذا الكتاب الذي يؤرخ لمسيرة شعب عظيم، له وجوده المتميز داخل المجموعة الدولية، والذي يعتبر نموه وتطوره وتقدم صورة صادقة عن جهاد الدول المعاصرة، ومثلا يحتذى للدول السائرة في طريق النمو، لقد انفرد جلالة الملك الحسن الثاني من بين ملوك ورؤساء العالمين العربي والإسلامي، بكتابة ونر مذكراته وذكرياته، عن الحكم، والسياسة، وعن حياته، وسيرته، وتجربته، وهي مزية تذكر له خاصة في مثل هذه الظروف الدولية الدقيقة التي يعيشها العالم كله، والتي تحتاج إلى قادة وزعماء مثل الحسن الثاني، الذي طبع ذاكرته الملكية بالخصائص التي خصه الله بها، والسجايا النبيلة التي طبع عليها، من صراحة، ونزاهة فكرية، وشجاعة أدبية، وشفافية متميزة، كانت زاده ومدده الذي حذاه إلى ر ذاكرته الملكية وإعلانها على الناس. 
ولئن كان الحسن الثاني أصدر قبل "ذاكرة ملك" كتاب التحدي" (1) الذي عبر فيه عن مزايا الوطنية المغربية، وخصائص الكرامة الإنسانية عند الإنسان المغربي عبر التاريخ، فإنه في "ذاكرة ملك".(2) استخلص عبر التاريخ، وتجارب الحكم، ودروس الوطنية، من خلال معايشة الأحداث في وطنه وفي العالم، عبر دوره الرائع الذي أداه وهو ولي العهد، ثم ملكا للمغرب طوال أكثر من ثلاثة عقود من الزمن، بفضل إلمامه الواسع بالقضايا التي طرق إليها، وبرهن عن تماسك سياسي منطقي، ونظرة واضحة صارمة لدوره ولمستقبل العالم، وبفضل ما تضمنه الكتاب من نظريات، وآراء، وحكم، جعلت ذاكرة الملك هي ذاكرة الشعب المغربي، ذاكرة مملوءة بالذكريات الحية، جعلت من حب الوطن، واحترام التقاليد، والاعتزاز بالقيم، والثقة والإيمان بالله، وبواجب النهوض بالمسؤولية، خصالا تشبع بها الحس الثاني، وامتاز بها، وحافظ عليها على الدوام.
لقد أثبت الحسن الثاني لبلاده ولوطنه الإسلامي وللعالم أجمع، أنه حقا ملك هم، وقائد رائد، وزعيم فذ، يتمتع بعقل راجح، وفكر ثاقب، متفتح على الحضارات، حريص على الجمع بين الأصالة والمعاصرة، عامل من أجل الدين والدنيا، وأنه رجل المبادئ قبل أن يكون رجل المواقف، مؤمن بالدور الحي والأساسي في حياة الأمم والشعوب، وبضرورة القيم الأخلاقية لاستقرار المجتمعات وهنائها، مؤمن بدور وطنه كجزء من القارة الإفريقية، يؤثر ويتأثر، وان دوره الدولي لا يقل أبدا عن دوره الوطني والإفريقي، مما جعل بلادنا على مر التاريخ، عضوا فاعلا في محيطها والمحيط الدولي، كما تشهد مواقفه الرائدة في القضايا الإنسانية، ودوره البارز في المجالات والمنظمات الدولية.
لقد حفل كتاب:"ذاكرة ملك" كثير من المبادئ والثوابت، وبكثير من القيم و الأفكار التي تحتاج إلى أطروحات أكاديمية، لشرح مضامنها، وبسط مقاصدها، ولكنني آثرت هنا أن اقتصر على قاسم مشترك سيطر على كتاب:"ذاكرة ملك"، ولم يغب أبدا عن فصوله ومباحثه، مما يجعل قارئه يقتنع بأن الحسن الثاني رجل مؤمن، متمسك بدينه وإسلامه، حريص على الالتزام بمبادئه وأركانه، متشبث بتوجيهاته وأخلاقه، مرتبط بجذوره المغربية والإسلامية، ملتزم بأصالته وقيم دينه.
من هذا المنطلق حرص جلالة الملك على التأكيد مرات في ذاكرته الملكية، على تمسك المغرب بدينه، وحرصه على الالتزام بمبادئه، وقد عبر عن ذلك بوضوح قائلا: "إن المواطن المغربي سيبقى على مر الأحقاب، ذلك الإنسان المؤمن الذي يؤدي فريضة الصلاة، ويصوم رمضان، ويحج إلى بيت الله الحرام، وطالما أن هذا البلد مسلم فلن يكون هناك خطر ".(3)
ثم يؤكد بأنه لا يمكن لفرد أو المجتمع، أن يعيش بدون دين ولا قيم، لأن الاعتقاد بوجود الله، والتمسك بالدين، ضروري لسعادة الفرد والأمة، قد خابت الأمم الملحدة، وانفرط عقدها، بسبب بعدها عن الدين. قال حفظ الله:
"إن الكثير من الناس منافقون، إنهم يشعرون بالسعادة وهم يرددون أنهم يعيشون بدون إله، إنه مجرد تبا، فمن منا لم يرفع عينيه إلى السماء، وهو يحتاج يوما ما ظرفا عصيبا في حياته، طالبا العون والسند، سواء تعلق الأمر بتشغيل بسيط، أو برئيس دولة لقد كان السيد بريجنييف يدعي أنه لا يؤمن بالله، ولكن إنسانا في قدرته الإعلان عن حرب نووية، ملزم بأن يؤمن بوجود شيء أقوى من مجرد القوة العسكرية".(4) ثم يضيف مصححا النظرة الخاطئة للعالم الغربي عن مفهوم الإسلام وحقيقته، ليؤكد أنه دين العلم والمدنية والتقدم، وأنه لا تنافي في ديننا بين العلم والدين قائلا:
"إن الإسلام هو قبل كل شيء دين العلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أميا، وكانت أول آية نزلت عليه هي:(اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق، اقرأ وربك الأكرم، الذي علم بالقلم، عل الإنسان ما لم يعلم).(5) إن كلمة "قلم" لها أهمية قصوى في هذه الآية: إنما تعني أن كل شيء لا يرتكز فحسب على ما يتوارث شفويا، وعلى الذاكرة فقط، ولكن أيضا على ما يقرأ، ومن يقل القراءة يقل الكتابة والتفكير فيما يكتب، ثم التأمل فيما تم تحريره".(6) 
ثم يزيد موضحا ومصرحا على طبيعته، ليقارن بين سماحة المسلمين ومواقف غيرهم قائلا:
"إن الإسلام غير المتسامح، لا يمت إلى الإسلام الحقيقي بأية صلة، ذلك أنه حيثما يوجد الإسلام، فإن الجاليات الأخرى يمكنها أن تمارس شعائرها الدينية بكل حرية، والأكثر من كل هذا عليكم أن تتصفحوا الكتب التي ألفت حول الحروب الصليبية، فستكتشفون أن  المسيحيين حينما احتلوا القدس بالغوا في حربهم، إلى درجة أن خيولهم غرقت في الدماء إلى الركب".(7)
ثم هو يولي الرف والغيرة في حياة الناس أهميتها، وضرورة الحفاظ عليها، لأنها أساسية في حياة المسلم فيقول: "أما عندنا نحن المسلمين، فإن الحفاظ على رفنا يمتزج مع الحفاظ على عقيدتنا، إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكر في أية حديث من حديثه لفظة القتل، بل على العكس من ذلك كان يحض على الصفح والعفو والرأفة، إلا في حالة واحدة حيث قال عليه السلام: "اقتلوا من لا غيرة له".(8)
ثم هو يصور ضرورة قيام الأسرة على مبادئ الأخلاق وتمسكها بالقيم، لأن صلاح الأمة هو صلاح الأسرة التي لا يمكن أن تتخلى عن دينها وأخلاقها وحيائها، فلنستمع إليه يقول: "إذا كان المقصود بالحداثة القضاء على مفهوم الأسرة. وعلى روح الواجب إزاء الأسرة، والسماح بالمعاشرة الحرة بين الرجل والمرأة، والإباحية في طريقة اللباس مما يخدش شاعر الناس، إذا كان هذا هو المقصود بالحداثة، فإني أفضل أن يعتبر المغرب بلدا يعيش في عهد القرون الوسطى، على ألا يكون حديثا".(9)
ثم يوجه ويصحح ليؤكد أن التدين لا يعني التعصب الذي لا يعتبر من الدين في شيء، وأن التمسك بالدين يبعد عن الديكتاتورية، ويفتح آفاق الاجتهاد والابتكار فيقول:"ربما ستظنون ــ أي الغربيين ــ مرة أخرى أني متعصب، فليكن، فليست لدي عقدة في هذا الشأن، لقد كان النبي صلى الله عليه وسم يردد الدعاء التالي: "أعوذ بكلمات الله التامة من شر ما خلق، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم" وكان يوصي صحابته بترديده صباح مساء، لأن من يتلوه مرات عديدة لن يتوفاه الله في يومه، وفي أحد الأيام قال له الصحابة وهم مندهشون، لكن يا رسول الله، عندما يأتي الموت فلا راد لقضاء الله، فرد عليهم"إذا جاء أجله نسيه".(10) 
ثم زاد ليؤكد أن الدين ضامن للاستقرار والتوازن، مانع من كل ديكتاتورية في الحكم والمسؤولية، وهذا ما جعل المغاربة متمسكين بإسلامهم:
"والمغربي لا يقبل الديكتاتورية بتاتا حتى ولو كانت باسم الدين، لأنه يعرف أن الله فتح لنا باب الاجتهاد، لبناء مجتمعنا على تطور العلم، والمغربي لن يقبل أبدا التطرف لأنه يعني العودة إلى الوراء".(11) إن هذه العقيدة المكينة في قلب وعقل العب المغربي، وقلب الحسن الثاني وملوكنا من قبله، هي التي جعلته يؤكد إيمانه بالله، الذي يدفعه إلى مراقبة ربه، في مسؤولياته وقراراته فيقول:
"إن ما حباني به الله سبحانه وتعالى من نع، يجعلني أثر إيمانا وأكثر أداء لواجباتي الدينية".(12) وليؤكد لعالم الغربي، أنه ا يجب أن تعيش الحداثة والمعاصرة على حساب الأصالة، لأنهما لا تتناقصان في ديننا، وأن كل حداثة تؤدي إلى فقدان الخصية والقيم مرفوضة، خاصة والغرب يريد المسلمين أن يقيموا حياتهم على منواله:
"لا تطلبوا منا أن نفقد هويتنا، ونتخلى عن مقومات خصيتنا، إرضاء لذوقكم".(13)
وقد بلغت قمة تشبث الحسن الثاني بعقيدته ودينه، وتمسكه بالقيم والأخلاق في كل مراحل حياته، خاصة وهو يصور عقد البيعة في حياة المغرب والمغاربة، مما يحتم عليه أداء واجبه الديني قبل الدنيوي، لأن الأول ضروري لتحقيق الثاني قائلا: "إن عقد البيعة، هو أن يضع الملك يده في يد شعبه، الذي يعاهده بأن يظل وفيا ومخلصا له، بالمقابل يتعهد الملك بالدفاع عن العب، والسهر باستمرار على رفاهيته ورامته، ففي هذه الحالة يجد الملك نفسه ملزما بالتعامل يوميا مع ما هو روحي ومع الفضيلة، لذا تراني أتسائل عما إذا كنت حقا قمت أحسن قيام بواجبي الروحي، الذي هو أن أكون في مستوى هذه البيعة، فبعد ذلك فقط يمكن الاهتمام بما هو دنيوي، وعندما يقوم المرء بذلك بضمير حي، فإن ذلك قد يقوده إلى نوع من التصرف".(14) 
إن هذه الأفكار العظيمة، والمبادئ القيمة الثابتة التي زخرت بها "ذاكرة ملك" جعلته عملا إبداعيا رائعا، يعكس عبقرية صاحبه على المستوى الثقافي والفكري والديني، وينطلق من نبوغ فكر وقاد، ويكتشف أغوار رائد عظيم، أسهم في صنع التاريخ، وله حضور بارز في قيادة بلاده، على المستوى الجهوي والدولي، مما أكد أن هذا الوطن، شأنه شان جميع الأمم العريقة، متكامل كتكامل خصية عاهله العظيم.

1) صدرت طبعته الأولى بالفرنسية سنة 1976.
2) صدرت نسخته العربية عن "الشرق الأوسط" سنة 1993.
3) ذاكرة ملك ص:126.
4) المرجع السابق ص:146.
5) سورة العلق الآيات الخمس.
 ( 6نفس المرجع ص:148.
 ( 7المرجع السابق ص.147.
  (8 المرجع السابق ص.147.
 (9 نفس المرجع.
10)  المصدر نفسه ص:96.
11) المصدر نفسه.
12) المصدر نفسه ص:63.
13) المصدر نفسه ص:57.
14) المرجع السابق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here