islamaumaroc

الشباب المسلم والتحديات المعاصرة.

  عبد الرحمن عبد الوافي

303 العدد

 لقد شاءت السنة الإلهية أن تجعل الشباب من الأمة بمثابة القلب من الجسد؛ بمعنى أنه وحده دون غيره صاحب المسؤولية التاريخية في إصلاح المجتمع وتغييره.
 ولننظر إلى نعمة الإسلام التي ننعم بها اليوم، أليست بعد التوفيق الإلهي – ثمرة جهود أجيال من الشباب المسلم؟ وللنظر أيضا إلى حاضر الإسلام ومستقبله، أليس الشباب وحده هو محط الآمال إن في بعثه وإحيائه، أو في استمراره ودوامه؟
فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يوح إليه إلا بعد أن بلغ أده وبلغ أربعين سنة، وسن الأربعين كما هو معلوم هي مرحلة اكتمال الشباب ونضجه عند الإنسان.
وهؤلاء صحابته رضوان الله عليهم كان أكثرهم في مقتبل العمر، أي في مرحلة الشباب في بداية دعوته الكريمة.
وهنا أجدني ميالا للوقوف بالقارئ العزيز للتملي في لائحة بعض مشاهير الصحابة الباب الذين كانوا ولا يزالون المثل الأعلى للباب المسلم في كل عصر ومصر، من أمثال أبي بكر الصديق صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغر، وعمر بن الخطاب الخليفة الفاروق، وما أدراك م هو، وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه أول فدائي في الإسلام، وعثمان بن عفان ذي النورين، وأبي ذر الغفاري الصحابي الزاهد، وبلال بن رباح الساخر من الأهوال، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله، وخالد بن الوليد سيف الله، وعمار بن ياسر رجل الجنة، وأبو عبيدة الجراح أمين  هذه الأمة، وعبد الله بن العباس حبر هذه الأمة،والمقداد بن عمرو أول فرسان الإسلام، وعبد الله بن مسعود أول صادح بالقرآن، وعمرو بن العاص محرر مصر من الرومان، (1) وكم ستطول هذه اللائحة الرائعة لو استهوانا الاستقصاء! 
هذا هو نموذج الشباب المسلم الأول الذي ضرب أروع الأمثال وأخلدها في طلب الفوز بإحدى الحسنين: النصر أو الشهادة، تحت قيادة خاتم النبيئين والمرسلين محمد بن عبد الله صلوات الله عليه، وتحت راية كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، هي راية القرآن الكريم.
 وبفضل الله، ثم بفضل أمثال هؤلاء الشباب قضى الرسول صلى الله عليه وسلم على تحديات الجاهلية، وأتى على مجتمعها الوثني الفاسد من قواعده، وأسس مكانه أعظم مجتمع في تاريخ الإنسانية، مجتمع قوامه الإيمان والعمل الصالح، ومقياس التفاضل الاجتماعي فيه التقوى، ووسيلته في التغيير: كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وغايته إعلاء كلمة الله في الأرض.
ويلتحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، فتستمر سورة صحابته – رضوان الله عليهم – ذلك الجيل الإسلامي لأول – في الظهور بأعلى درجات الجمال والجلال. ويكون ثمرة ذلك كله انتشار سريع للإسلام في سار أنحاء العالم القديم، وضمنه بلاد الفرس وبلاد الرومان، ذلكم الانتشار الذي ما يزال يذهل بإيقاعه السريع عقول المؤرخين، إذ أن مدته ربع قرن ليس غير.
 وحين يتساءل المرء عن سر هذا الفتح الشامل السريع، فلن يجد مفتاح هذا السر إلا في التربية الإسلامية الفذة التي كان عليها الصحابة الكرام رضوان الله عليهم. 
إن الإسلام – كما هو معروف – عملة لها وجهان اثنان، أولهما الإيمان، والثاني العمل الصالح. وقد وفق شباب رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته إلى القبض الجيد على كلا الوجهين، حتى إنه قيل عنهم بأنهم كانوا قرآنا يمشي على الأرض، وأنهم كانوا رهبانا بالليل، فرسانا بالنهار.
 ومما لا شك فيه أم هذا التطابق الرائع بين الإيمان والعمل أي بين المبدأ والسلوك هو الذي جعل من أولئك الصحابة الشباب رضوان الله عليهم بناة حضارة إسلامية مثالية، استطاعت بفضل خصائصها الربانية أن تقهر بسرعة ملحوظة سائر التحديات التي واجهتها بها الحضارات المعاصرة لها؛ تلك التي كانت تزهو بقوتها المادية.
يقول الداعية الإسلامي أبو الأعلى ودودي رحمه الله:
" ومن النماذج الرائعة في السمو الخلقي الذي عرضته الجنود الإسلامية على الدنيا ها كانت تدخل مدينة تفتحها، وتجوب في شوارعها، ونساء هذه المدينة واقفات في شرفات في أبهر ثياب التبرج والإغراء تطلعن إلى الموكب، ولم يحاول جندي من هؤلاء الجنود البواسل أن يرفع رأسه ينظر إليهن ولو بنظرة عابرة... الأمر الذي كان يختلف تماما عما جربته تلك الأمم المغلوبة من ويلات الغزاة فيما خلت من القرون". (2) 
وهكذا نرى المسلمين الأوائل انتصروا بقوة السلاح وكثرة العدد، فهم قد كانوا من المبتدأ قلة وضعافا، ولكنهم انتصروا بقوة الإيمان، وعظمة الأخلاق، ونبل المقاصد.
 ومن المعلوم أن هذه الصورة الرائعة المتفردة للشباب المسلم قد منيت بغير من الغبش والتشويه منذ انصرام تلك الفترة البعيدة المجيدة؛ فترة النبوة والخلافة الراشدة إلى يوم الناس هذا.
لقد كانت الفتنة الكبرى بمخلفاتها المتعددة منعطفا تاريخيا خطيرا في حياة الجماعة الإسلامية الأولى وفي الحياة اللاحقة للمسلمين فيما بعد – إذ تولد عنها انشطار ملحوظ في وحدة هذه الجماعة. وانزياح لا يستهان به عن بعض ثوابت إسلام الكتاب والسنة على سائر الأصعدة. ولأنه يس بإمكاننا أن نستعرض في هذا المقال سار مظاهر الصراعات المذهبية التي انخرطت فيها سائر الفرق الإسلامية منذ العصر الأموي – عصر الانعطاف المشار إليه – إلى اليوم من أجل كشف النقاب عن آثارها التربوية السلبية في شخصية الشباب المسلم، فإننا سنكتفي بالإشارة العابرة إلى الحركات المشبوهة التي أثمرت عنا تلك الصراعات المذهبية، نحو بعض الحركات الكلامية والفلسفية والصوفية على المستوى الديني والفكري، وحركات متطرفي الخوارج والشيعة، وما رافقها أو تلاها من حركات سرية أو ثورات انقلابية، مثل حركة القرامطة والإسماعيلية وثورة الزنج على المستوى السياسي. وحركات أو نزعات الشعوبية والزندقة والمجون على المستوى الأدبي.
ومما لا شك فيه أن هذه الحركات كلها قد أثرت تأثيرا سلبيا – قويا كان أو ضعيفا – في شخصية الشباب العربي المسلم القديم، بل والحديث والمعاصر أيضا عن طريق البرامج التعليمية وغيرها. 
وإذا نحن اكتفينا هنا بالوقوف قليلا عند الميدان الأدبي كنموذج، وباعتبار الأدب في كل أمة هو مرآة فكرها وواقعها، فإننا واجدون بأن معظم نماذج الأدب القديم والعباسي منه خاصة، قد ألحق الضرر بدين الشباب المسلم وخلقه، وذلك بسبب مضامينه المنحرفة دينيا وأخلاقيا، لاسيما في مجال الشعر، هذا الذي نجده ينضح بلا دينية أو دمية المعري، ودهرية المتنبي، وشعوبية بشار، ومجون أبي نواس، وحلولية الحلاج الخ...
أما بالنسبة للعصر الحديث فلعل التحديات الحضارية التي واجهها الشباب المسلم منذ القرن الماضي إلى اليوم تعد أعظم وأخطر ممن تلك التي واجهها قديما، ذلك أن حركة الاستعمار الأوربي الصليبي التي ابتلى بها عالمنا الإسلامي كانت وما تزال – رغم اندحار جانبها السياسي – تعمل بواسطة مؤسساتها الاستشراقية والتبشيرية المنظمة والمتقدمة على اجتثاث سائر مقومات هذه الأمة، إذ هي – أي حركة الاستعمار بالمفهوم الواسع – وراء كل الدعوات التغريبية المحلية التي تسعى إلى صبغ سائر مؤسساتنا بالصبغة الغريبة، وفي مقدمتها مؤسسة الأسرة، ومؤسسة التربية والتعليم، ومؤسسة الإعلام. هذا فضلا عن عملها – أي حركة الاستعمار – على نشر المبادئ الإلحادية، إما بصورة غير مباشرة كما تفعل عدد من الاتجاهات العلمانية. 
ومما لا شك فيه أن هذه التحديات الحضارية الحديثة قد أثمرت ي أيضا مثل سابقاتها ثمارها المرة داخل بلداننا العربية المسلمة. 
فلقد شوهد من أبناء بلدتنا وديننا من هلل لسقوط الخلافة العثمانية الإسلامية مبشرا في الوقت ذاته بقدوم الأنظمة السياسية الوضعية، تحت غطاء هذه القومية، أو تلك حينا، أو تحت غطاء العلمانية أو الشيوعية حينا آخر.
كما شوهد فينا من رفع عقيرته بالدعوة إلى القضاء على مدونة الأحوال الشخصية. – أهم معقل ما يزال في يد الإسلام إلى حد ما- تحت غطاء تحرير المرأة. والحال أن الإسلام مقدم على سائر الأنظمة في مجال التعامل مع المرأة.
كما شوهد على المستوى الفكري من يعمل على مس فكر هذه الأمة وتاريخها عن طريق ما يسمى باطلا بالقراءة الجديدة للثرات لكونها ليست في الحقيقة سوى استنساخ كلس للفكر الغربي الاستشراقي و العلماني المعروف بعدائه التاريخي لحضارة الإسلام، كما شوهد  أخيرا من شركائنا في لغة الضاد من يسعى بجهده إلى تهميش تراثنا الأدبي حينا وتشويهه حينا آخر بدعوى الانتصار لما يسمونه بالأدب الحداثي الذي لا يعني في نهاية الأمر سوى أدب التمرد على اللغة العربية؛ لغة القرآن الكريم وعلى الدين والأخلاق عن طريق الثورة على ما يسمونه بالثالوث المحرم ويعنون به: الدين والجنس ولسلطة.
تلكم أهم التحديات الحضارية الحديثة التي تواجه اليوم شبابنا المسلم مهددة شخصيته الحضارية المتميزة بالمسخ والانحلال والتبعية لشخصية الشباب الغربي المسيحي اليهودي دينا وتاريخا، والعلماني أو المادي الملحد بتعبير أوضح واقعا وحالا. 
على أن هذه الصورة القاتمة للواقع الإسلامي الحالي لا ينبغي أن وحي لشبابنا بأدنى شك في قدرته على تغييرها وتطهيرها. ذلك أن الله تعالى الذي أنزل القرآن الكريم دستورا خالدا للإنسانية جمعاء هو الذي تولى في الوقت ذاته حفظه، أي ضمان سيرورته التاريخية إلى يوم الدين، مصداقا لقوله جل وعلا: (إنا نحن نزلنا الذكر وإن له لحافظون) (سورة الحجر/ آية:9).
ومن جهة ثانية، فإن الإسلام كما هو معلوم هو خاتم الرسالات السماوية، الأمر الذي يستوجب أن تكون رسالته كاملة شاملة، تتضمن الأجوبة الشافية لكل الأسلة التي قد تطرحها الإنسانية في حياتها المادية والروحية على مر العصور.
ولان الحق ما شهد به الأعداء كما يقال، فإننا نورد هادة للمؤرخ الإنجليزي "إرنولد توينبي"، فحواها أن الإسلام يتميز عن عدد من المذاهب والأديان بكونه الدين القادر على " الاستجابة لتحديات التاريخية" على حد تعبيره، أي على الخروج من أتون الصراع الحضاري أو التاريخي، سليم البنية، بل قويها، ما يمكنه من تحقيق البقاء والاستمرارية.
ومن جهة ثالثة، فإنه يجدر بنا، ونحن بصدد البحث في التحديات الحضارية وموقف الشباب المسلم منها، أن نورد حديثا نبويا هاما لكون الرسول صلى الله عليه وسلم تنبأ فيه بأن الإسلام سوف يجدد نفسه بنفسه كل مائة سنة، الأمر الذي يدل على أن خصائصة "التجديد" من أبرز خصائص الإسلام.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث: " يبعث الله على رأس كل مائة سنة من يجدد لهذه الأمة أمر دينها".
إنه حديث عظيم يفتح إلى جانب أمثاله من الشواهد القرآنية والحديثية باب الثقة والتفاؤل واسعا أمام المسلمين في تجديد أحوالهم مهما انحط بهم الوهن إلى أسفل دركات التخلف والانحطاط والانحراف عن الدين.
وقد برهن التاريخ الإسلامي قديمه وحديثه على صدق هذا التنبؤ النبوي. وكيف ذلك؟ وهو من أحاديث الصادق المصدوق الذي لا ينطق عن الهوى محمد صلى الله عيه وسلم المؤيد بالوحي.
ولو نظرنا نظرة عامة فحسب إلى حركات التجديد الإسلامي التي عرفها مجتمعنا الإسلامي في العصر الحديث، لتبين لنا بأن الإسلام؛ إسلام الكتاب والسنة هو الرابح بالفعل. وفي نهاية المطاف في ميدان التحديات الحضارية، وذلك بفضل الله، ثم بفضل صحوة بابه وجهاده. 
ومن المعلوم أن تجديد الدين عندنا نحن المسلمين هو في الوقت ذاته تجديد للدنيا، وذلك نظرا للربط القائم بينهما على قدم وساق إلى يوم الدين.
وعلى أساس هذا الفحم، ينبغي النظر إلى الحركات الاستقلالية أو التحريرية التي عرفها العالم الإسلامي في أثناء الاستعمار الأوربي على أنها حركات إسلامية تجديدية، لاسيما أن جميع قادتها كانوا في الوقت ذاته مصلحين دينيين.
من هم أبطال هذا المشهد الإسلامي الجديد، شهد رجال التحرير والتجديد الديني في الآن نفسه؟
إنهم زعماء الحركة السلفية الحديثة والعاصرة، بدءا بزعيمها الأول السيد جمال الدين الأفغاني (تـ 1897م)، ومرور بزعيمها الثاني الشيخ محمد عبده (تــ1905م)، وانتهاء بزعمائها المحليين في هذا البلد أو ذاك من أمثال الشيخ رشيد رضا في سوريا (تــ1935م)، والشيخ عبد الحميد بن باديس في الجزائر (تـ1945م)، والشيخ أبي شعيب الدكالي (تـ1937م)، والشيخ ابن العربي العلوي (1964م)، والأستاذ علال الفاسي (تـ1975م) في الغرب...الخ.
ومثلما ظهر المولى سليمان ملكا سلفيا إبان انتشار الدعوة الوهابية، فقد ظهر جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه ملكا وطنيا سلفيا إبان الحركة الوطنية المغربية.
ومما لا شك فيه أن الحركة الوطنية المغربية تعتبر من الحركات الوطنية المغربية تعتبر من لحركات الوطنية العربية والإسلامية الأكثر اصطباغا بصبغة الدين. ولأن الأمر كذلك، فإنه ليس من الغلو في شيء إذا نحن اعتبرنا هذه الحركة حرة إسلامية نموذجية بحق. 
ولنقرأ لجلالة الملك محمد الخامس رحمه الله هذه الكلمات التي يحث فيها المغاربة على التمسك بالدين، وهي أصلا فقرة من خطبة الجمعة التي كان قد ألقاها بطنجة أثناء زيارته لها سنة 1947، أي في فترة بداية اشتداد الجهاد الوطني، قال رحمه الله:
" تمسكوا برابطة الدين، فهي الحبل المتين، والحصن الحصين، والملجأ الذي ركن إليه آباؤنا الأولون، وأجدادنا الموفقون، ففتحوا البلاد، ومصروا الأمصار، وسادوا العباد، فأناروا الأفكار، وأنقذوا العالم من مخالب الجهل والعناد، وحرروه من ربقة الاضطهاد" (3)
نريد أن نخلص من هذا العرض للحركات السلفية الحديثة والمعاصرة إلى القول بأنها قد جاءت مصداقا لنبوة التجديد الديني، التي تنبأ بها الرسول الكريم صلوات الله عليه في حديثه الشريف المثبت آنفا، وأن الشباب العربي المسلم الذي كان روح هذه الحركات وقلبها النابض، وفكرها الخلاق، وساعدها المفتوح، قد استطاع بنص من الله أن يحبط تحديات الاستعمار الغربي الصليبي بعد أن ضرب أمثلة في طلب إحدى الحسنيين: النصر أو الهادة، تذرنا بالأمثلة الرائعة التي ضربها شباب المجتمع الإسلامي الأول، أي صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وبانسحاب شبح الاستعمار الغربي من المسرح العربي والإسلامي، وحلول الاستقلال أصبحنا أمام فصل جديد تملؤه مشاهد جديدة ومثيرة حقا، طلعت على الأمة بتحديات حضارية بالغة الخطورة، ذلك أن النخبة المثقفة في العالم العربي والإسلامي، سنجد المنتمين إليها، يتحولون – إلا من رحم ربك- إلى مجرد أبواق تردد أصداء هذه المنظومة الإيديولوجية الأجنبية أو تلك. وقد حازت المنظومة الماركسية الملحدة- كما هو معلوم- نصيب الأسد من عقل هذه النخبة ووجدانها، فرأينا منذ مطلع الستينيات ارتفاعا مهولا للمد اليساري داخل الساحة العربية الإسلامية بوجه عام، وهو مد مناهض للإسلام ولقيمه المثلى في العقيدة والشريعة، كما رأينا – تبعا لذلك- أفواجا لا تحصى ن الشباب المسلم ينساق انسياق القطيع في طريق هذا المد المعادي للدين، فكان ذلك تحديا حضري جديدا للإسلام كتب عليه أن لا ينتصر على تحد إلا ليجابه تحديا آخر.
وهنا لابد أن نقرر حقيقة تاريخية ستبقى محل إعجاب وإكبار في تاريخ المغرب المعاصر، وهي أ بلادنا – ولله الحمد- تعتبر من البلدان العربية والإسلامية القليلة التي ظلت متمسكة بشعار الإسلام في وقت كان قد تخلى فيه عن هذا الشعار الرباني الخالد كثيرون، وتعود حسنة هذه المكرمة إلى أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وجزاه عن الإسلام أحسن الجزء، لأنه طالما صرح بإسلامية المغرب الواضحة والثابتة، في فترة كان فيها النظام الشيوعي العالمي يفرض فيها توجهاته الإيديولوجية على غالبية بلدان العالم الثالث، وضمنها بلدان العالم العربي والإسلامي.
واليوم، وحن في فترة تاريخية جديدة؛ فترة تشد تحولات تاريخية جذرية على المستوى العالمي، وذلك بفعل ظهور مهدين جديدين على المسرح السياسي، مشهد الزلزال العنيف والمفاجئ الذي أتى على الشيوعية من أساسها، فاسحا بذلك الطريق لظهور النظم العالمي الجديد، ومشهد صحوة الإسلام في مختلف أرجاء المعمور، عد غفوة، بل بعد شلل حسب كثير من الناس أنه مرض الموت المنذر بنهاية هذا الدين.
في هذه الفترة بالذات ينبغي على الشباب المسلم أن يستثمر ظاهرة الوعي الإسلامي الملحوظة عالميا من أجل تحقيق صحوة إسلامية فاعلة وراشدة. 
لقد كانت الشيوعية بنظامها العالمي والشمولي، وبنزعتها الإلحادية الواضحة من أكبر المذاهب والنظم التي تحدت الإسلام في عقر داره، إلا أن الله تعالى الذي يأبى إلا أن يتم نوره ولو كر الكافرون نصر دينه من حيث لم يحتسب ذلك حتى أتباعه والمؤمنون به، فجاءت الصحوة الإسلامية حلقة جديدة في سلسلة الصحوات السابقة، ينزع الله بها شيئا فشيئا بذور الشرك والفساد من صدور شبابنا المسلم.
وكيف لا؟ وهذا الشباب الذي كان بالأمس القريب يزهو بمجاهرته بالأفكار المادية المعادية للدين، وباقترافه لأنواع من الفساد تحت شعار التحرر الفكري والاجتماعي المزعوم، هاهو ذا اليوم يتنافس في عمارة بيوت الله، وفي تنفيذ أوامر الشرع والابتعاد عن نواهيه.
أليس هذه عودة ميمونة لصورة الشباب الإسلامي الأول إلى الوجود؟
أليس هذا مصداقا آخر للوعي الإلهي وللتنبؤ النبوي بتجدد الإسلام على مر العصور والأزمان؟
وأخيرا: أليس هذا انتصار آخر يحققه الباب المسلم في حلبة التحديات الحضارية؟
 بلى، إن الأمر لكذلك، وإننا لنحمد الله تعالى ونكره كثيرا على ذلك. 
إلا أن حماسنا للصحوة ولشبابها لا ينبغي أن يدفعنا إلى استمرارا المكتسبات في خدر لذيذ، وإلى توهم تحقيق الانتصار النهائي، ذلك أن صحوة الإسلام اليوم تواجه تحديات عظمى قد تؤدي – لا قدر الله- إلى عرقلة سيرها الطبيعي إذا لم يحافظ المسؤولون عنها على المستوى القيادي المطلوب.

وقد أرنا آنفا إلى هذه التحديات، وهي كما رأينا ذات طابع شمولي، إذ هي تطال سائر الجوانب السياسية والفكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والأدبية والفنية.
ونظرا لضيق المجال فإنني سأختم عرضي هذا بالوقوف عند نمط واحد من التحديات المذكورة وهو التحدي الفني الذي يتحدى بابنا المغربي المسلم في المرحلة الراهنة.
ولفضيلة الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري مقال هام في هذا الموضوع بالذات، كان قد ألقاه في الدورة الثانية جامعة الصحوة الإسلامية تحت عنوان:"مكانة الفن في التوجيه التربوي الإسلامي وبناء المجتمع الحديث". 
وقد تميز هذا المقال بحق بوضوح الفكر وشجاعته في وصف الواقع من جهة، وبالقدرة على اقتراح الحل أو البديل من جهة ثانية.
ففي وصف الواقع الفني نجده يؤكد على ضرورة: 
" إعطاء الفن بعده الأخلاقي لأن الفن المتجرد عن الأخلاق آفة خطيرة على المجتمع، زيادة على ونه تشويها للقيم الجمالية، وهبوطا بالإحساس الجميل في الإنسان إلى درك الحيوانية. فالرقص المائع، والرسم الفاضح والسينما الخليعة، والشعر الماجن والقصة السافلة، والمسرح الوقح، والغناء الفاجر، وجميع ضروب الفن التي تتنكر للأخلاق والقيم تعتبر ظاهرة مرضية في المجتمع ناتجة عن اختلال في قيم هذا المجتمع وفي بنائه". (4)
وبعد الوصف الشامل لواقع الفن في العصر الحديث نجده فضيلته يعمل على اقتراح الفن الإسلامي بوصفه البديل المأمول في الساحة الفنية فيقول:
"لو بذلنا الجهد في خلق مدرسة إسلامية للتمثيل، وخلق المسرح الإسلامي، وخلق مسرح الطفل المسلم، وخلق دار أو دور للسينما الإسلامية، لرجونا أن نهيئ إنسان المستقبل في أمتنا واعيا مستنيرا، متمدنا سويا بفضل التوجيه التربوي الذي تضمنه هذه الوسائل".(5)
والحق أن ما احتوت عليه الفقرة أعلاه من دعوة إلى صبغ الفن بالصبغ الإسلامية إن هي إلا قبسة من إسلامية الفكر الحسني في سائر لميادين وضمنها الميدان الفني، فها هو ذا أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله يوجه إلى مسرحيي المغرب، بمناسبة انعقاد المناظرة الأولى للمسرح الاحترافي المغربي، رسالته الملكية السامية يأمرهم فيها بالالتزام بالإسلام في صياغة إبداعهم المسرحي الجميل.
 قال نصره الله للمسرحيين في ختام رسالته التاريخية: 
"فكونوا رعاكم الله في مستوى مغرب اليوم، ومغرب الأجيال المقبلة، ورسلا لترشيد العبقرية المسرحية، والدعوة للتربية الصالحة، والذود عن الهوية الوطنية، وتجذير الأصالة المغربية، متشبثين بقيم مملكتنا ومقدساتها، محترمين عواطف شعبنا الإسلامية الأصيلة، واضعين تلك المقدسات فوق كل اعتبار". (6)
إنها لتوجيهات ملكية سامية، ودرر مغربية إسلامية غالية، على المسرحيين والفنانين عموما ببلادنا أن يعملوا على تنفيذها في ميدانهم الرائع الجميل إذا هم أرادوا الحصول على بطاقة الانتماء الحقيقية إلى هذه الأمة، وعلى شهادة الحب والوفاء للمنهج الإسلامي الأصيل الذي يعمل على تطبيقه أمير المؤمنين نصره الله.
وبعد، ذلكم كان عرضا لمختلف التحديات الحضارية التي واجهت الشباب المسلم قديما وحديثا، تلك التحديات التي شاءت السنة الإلهية أن لا تختفي من ساحة الواقع إلا لتظهر فيه من جديد، بهذه الصورة أو تلك، الأمر الذي يصبح معه العمل على توحيد الجهود بين مسؤولي الأمة الإسلامية إجراءا ضروريا إذا نح شئنا أن نكون في مستوى آمال الإسلام ووعوده في التصحيح والتغيير والتجديد، وذلكم ما دعت إليه رسالة أمير المؤمنين جلالة الملك الحس الثاني نصه الله إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري، تلكم الرسالة التاريخية العظيمة التي لو عمل بها المجتمع الإسلامي اليوم لتحقيق التجديد الديني المنشود، والتي نظرا لأهميتها البالغة فإنه يجب العمل على نرها في الأمة بوسيلة أو بأخرى.
يقول جلالته مخاطبا قادة العالم الإسلامي ودعاته: 
"فمن واجب القادة المسؤولين والزعماء البارزين في العلم الإسلامي أن يفتحوا الطريق أمام القائمين بالبعث الإسلامي والدعوة الإسلامية، وأن يشملوهم بالرعاية الكافية، حتى يؤدوا رسالتهم أحسن أداء، كما أن من واجب دعاة الإسلام أنفسهم أن يجتمعوا على كلمة سواء، ويدعموا فيها بينهم روابط التضامن والإخاء، وان يعملوا على أن تكون دعوتهم خالصة لوجه الله، يسودها طابع التعاون والصفاء، فبالتخطيط الإسلامي المحكم، والعمل المتواصل المنظم للدعوة الإسلامية الموحدة يتغلب المجتمع الإسلامي على كثير من الأزمات، ويتصدى بفاعلية ونجاح لمواجهة كثير من التحديات. ويمارس مسؤولية تطوره ونموه بنفس، وفي طاق حضارته، دون أدنى تبعية، ولا ضغوط خارجية.
قال تعالى: (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) (سورة التوبة، الآية:122).
وقال تعالى:(ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات) (سورة آل عمران 104-105)(7)
 وأخيرا، بارك الله في شبابنا المغربي المسلم، قاهر التحديات، وبارك في عيده السعيد، عيد الشباب المجيد.
7) "رسالة أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني إلى الأمة الإسلامية بمناسبة مطلع القرن الخامس عشر الهجري" ص:9.

1) أغلب ألقاب هؤلاء الصحابة مأخوذة من كتاب: " رجال حول الرسول" لخالد محمد خالد الطبعة الأولى 1404-1984- القاهرة.
2) أبو الأعلى المودودي:" بين يدي الباب" ص: 23. طبعة (1407-1987) الدار السعودية للنشر والتوزيع.
3) نقلا عن "مجلة دعوة" الحق ص: 35-العدد302- السنة 1414-1994.
4) الدكتور عبد الكبير العلوي المدغري:"مكانة الفن في التوجيه التربوي الإسلامي وبناء المجتمع الحديث" مقال منور في كتاب "الجامعة الصيفية للصحوة الإسلامية، الدورة الثانية" ص:308. مطبعة فضالة – المحمدية.
5) نفسه ص: 311.
6) "الرسالة الملكية" بمناسبة المناظرة الأولى للمسرح المغربي الاحترافي ص:7.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here