شارك

من مظاهر رعاية ملوك الدولة العلوية للعلم والعلماء: عناية السلطانين المولى الرشيد والمولى إسماعيل بالأديب الصوفي محمد المرابط الدلائي.

  حسن جلاب

303 العدد

يزخر تاريخنا المجيد بمظاهر عناية ملوك الدولة العلوية بالعلم والعلماء، وتكريمهم وتشجيعهم عن الإبداع والعطاء، وكان ذلك دافعا وحافزا لهؤلاء لتطوير العلوم والسمو بها إلى مدارج الرقي والازدهار.
وسأقف هنا عند نموذجين من النماذج الكثيرة والمتعددة الواردة في كتب التراث والتي تهم واحدا من أبرز علماء المغرب خلال القرن الحادي عر الهجري، وعلما من أعلام الزاوية الدلائية الأديب اللغوي والصوفي محمد المرابط الدلائي.(1)
محمد المرابط الدلائي: لا يسمح المقام هنا للتعريف به تعريفا مفصلا، وأحيل إلى مصادر ترجمته لمن أراد التعرف إليه.(2) ينتمي إلى الأسرة الدلائية أسرة العلم والجهاد، التي وجدت نفسها – بعد ضعف حكم الدولة السعدية – تحكم منطقة شاسعة من مناطق المغرب الممتدة من جبال الأطلس المتوسط إلى حدود نهر أم الربيع جنوبا أواخر القرن العاشر الهجري بقيادة الشيخ أبي بكر المجاطي (3) جد المرابط الدلائي. وذلك إلى جانب زوايا أخرى تحكم مناطق أخرى:
كالحاحية والسملالية وتابوعصامت وغيرها...
وقد تميزت باهتمامها بالعلم ــ إلى جانب السياسية ــ بل إنها المنقذة الحقيقية لحركة العلمية بالمغرب في وقت فراغ ملحوظ، إذ توجه إليها العلماء والطلبة واستمروا هناك في أداء رسالتهم النبيلة بعدما وفر لهم أبو بكر كل ما يحتاجونه، فجنبهم ما عرفته باقي المناطق من صراع واضطراب وخصاص.
وقد نشأ المرابطي الدلائي (1021م-1089هـ) في هذا المناخ العلمي الرائع. ودروسه على والده محمد بن أبي بكر وأعمامه وإخوته وبعض الأساتذة الواردين على الزاوية: كالعربي الفاسي، وأحمد بن عمران وعبد القادر الفاسي وغيرهم. كما أخذ عن بعض العلماء المشارقة.
ويمكن تقسيم حياته إلى ثلاث مراحل.
* المرحلة الأولى: حياته بالزاوية (1021-1079هـ) وهي أهم المراحل، تشمل طلب العلم، ثم التدريس بالزاوية حيث تصدر لتدريب أغلب العلوم: التفسير والحديث والفقه والبلاغة، مع تفوق واضح وملحوظ في النحو واللغة، وهو صاحب المؤلفات المخلدة فيها.
كما عين وهو شاب في مقتبل العمر خطيبا إماما لمسجد الدلاء يؤم كبار العلماء والفقهاء القاطنين بالدلاء، اعترافا من والده بنبوغه وعلمه وزهده، فقد ركز جهده في سبيل العلم والعبادة مما جعله يلقب ب(المرابط) وفي هذه الفترة كذلك ألف أهم كتبه:
- ديوان شعر متوسط.
- مجموعة رسائل رسمية، دينية وإخوانية.
- المعارج المرتقاة إلى معاني الورقات شرح فيه ورقات إمام الحرمين.
- فتح اللطيف: رح فيه البسط والتعريف للمكودي في التعريف.
- نتائج التحصيل في أربعة أجزاء شرح فيه تسهيل الفوائد لابن مالك وهو أهم كتبه.
- رسائل نحوية عديدة.(4)
تضاف إلى ذلك مجموعة كتب مفقودة للمؤلف في النحو والبلاغة والنقد...
* المرحلة الثانية: (1079-1080هـ) بعد توحيد المولى الرشيد للمغرب وإخلائه للزاوية، أمر علماءه بالتوجه إلى فاس للاستمرار في أداء رسالتهم. فاستأذنه المرابط لزيارة البقاع المقدسة التي كان
يتشوق لزيارتها، فقد رسائل شوق إلى المدينة المنورة.(5)
وأخذ بالحجاز على الفقيهتين الجليلتين السيدة: مباركة والسيدة زين الشرف بنتي الشيخ العلامة عبد القادر بنمحمد بن يحيى بن مكرم الطبري الحسني، فأجازتا ه جميع ما يجوز لهما روايته. وأخذ بمصر عن أبي الحسن الشبرامسلي، و إبراهيم الكردي.(6)
* المرحلة الثالثة: (1080-1089هـ) وهي التي تهمنا في هذه المقالة. عاد المرابط إلى أرض الوطن يسبقه الشوق والحنين إلى رؤية أهله وإخوانه وأحبابه كعادة كل مسافر طالت غيبته، ووصل مدينة فاس، (وانزاح عنه كل تعب وبأس، وتلاقى مع من بها من الأهل والولدان والأصحاب والعشائر
 والإخوان ). (7)
وبمجرد استراحته من وعثاء السفر، استأنف رسالته العلمية، وعقد مجالس العلم بالقرويين كما فعل قبله علماء الدلاء الذين حلوا بفاس (وحيث استقر رحمه الله بفاس... عقد مجالس لإقراء أنواع العلوم وإيضاح المنطوق منها والمفهوم).(8)

- علاقته بالمولى الرشيد:
اندمج علماء الدلاء بعلماء فاس بعد فترة قصيرة من حلولهم بها:
1- لأن عددا كبيرا من الفاسيين كانوا يعيشون بالدلاء: سواء منهم الأساتذة أو الطلبة.
2- لما وجدوه من ترحيب ورعاية من طرف المولى الرشيد الذي كان يهدف إلى إعادة العاصمة العلمية إلى سابق عهدها مع الدروس العلمية والنشاط الفكري.
فقد كان علماء الدلاء وعلى رأسهم الشيخ محمد المرابط من خاصة السلطان (يتعهدهم ببره وألطافه، بل إن منهم من كان من جلسائه وخواص أهل حضرته ). (9) ويقصد المرابط المذكور.
وفي كتب التاريخ واللغة إشارات إلى ما كان يدور في مجالس المولى الرشيد من نكث وفوائد لغوية وأدبية، سواء منها ما كان علماء الدلاء موضوعه أو غيرهم ممن رواد المجلس.
ومما يروى في هذا الباب أن المرابط كان ذات يوم مع جماعة من الأعيان بمجلس لمولى الرشيد بفاس الجديد، فأند هذا الأخير معرضا به:
ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى                   عـــــــدوا له ما من صداقته بد
يروح ويغدو كارها للقائه                          وتضطره الأيام والزمن االنكد (10)
ولعله كان يقصد بالتعريض التعرف إلى رد فعل الشيخ، وما وصلت إليه حالته النفسية بعد الانتقال من الدلاء إلى فاس، وقد وفق المرابط في هذا الاختبار إذ قال الحوات عن رده:" ففهم المرابط الإشارة والتعريض فقال: أيد الله الأمير، إن من سعادة الحر أن يكون خصمه عاقلا، فأعجب ذلك الأمير والحاضرين، واستحسنوا بديهته ولطافة منزعه". (11)
ولعل هذا الجواب قد زاد من إعجاب السلطان بالمرابط وتشجيعه والإنعام عليه.

- علاقته بالمولى إسماعيل:
عرف المولى إسماعيل برعايته للعلماء وإكرامهم لهم، والإشراف بنفسه على راحتهم عند استدعائهم لقصره. ولقي علماء الدلاء منه نفس العناية، بالرغم من تمرد أحمد ابن عبد الله الدلائي عليه والذي لم يدم طويلا.(12) فقد أشارت المصادر إلى إحاطته لهم (بمظاهر الإجلال والاحترام).(13)
وقد عين الشيخ المرابط خطيبا بمدرسة من أهم مدارس فاس وهي المدرسة المتوكلية، وتسمى كذلك بالمدرسة العنانية، بحي الطالعة من فاس. قال سليمان الحوت: " وفي أوائل ذي القعدة الحرام عام ثمانية وثمانين وألف تولى صاحب الترجمة سيدي محمد المرابط الخطابة عن إذن السلطان مولاي إسماعيل رحمهما الله بالمدرسة العنانية، (14) واستمر في أداء رسالته النبيلة الدينية والعلمية إلى أن لبى نداء ربه يوم: 25 جمادى الثانية عام 1089 هـ

- رسالة المرابط للمولى إسماعيل:
كتب رسالة شكر وامتنان كتبا المرابط للسلطان بعد تعيينه خطيبا بالمدرسة العنانية، مؤكدا انه فرح بالكتاب الذي حمل إليه كل أنواع المودة، وهل هناك مودة أكثر من وضع السلطان ثقته في الشيخ، وتعيينه خطيبا في مسجد من أكبر مساجد العاصمة العلمية " وقد ورد علينا من حضرتكم العالية، ومكاتبتكم السلطانية كتاب منور الأرجا... فتصفحناه تصفح مغتبط فألفيناه قد أسفر عن غرر المودات".
وبدأ المرابط جوابه بالدعاء للأمير بدوام التأييد والحفظ من ك مكروه سوء (أدام الله الحضرة الإمامية، والمثابة الهاشمية الهمامية، وأيدها بسيرة العمرين، كما حاطها تعاقب الملوين، وأسبغ عليها سوابغ إجماله... ووقاها مقاحم الأخطار... ).
وتتعاقب الأمداح – بعد ذلك – بأسلوب المرابط المعتاد، المعتمد على المجاز وأصناف المحسنات: فهو ميمون الطائر (المقام الذي انثالت إليه وجوه الميامن تتهلل)، كريم الأخلاق (كما تمايلت إليه المكرمات تتهادى وتتململ)، عظيم، مهاب الجانب (ودانت له رقاب الأمم إعظاما) محبوب من طرف الجميع (ووسع امتنانه البدو والحضر)، واسع السلطان (كما استخدم سلطانه ربيعة ومضر)، معيدا الأمن والنظام إلى البلاد: (وأقام عمود المملكة بعد إشراقه).
هو البدر والناس الكواكب حوله               وهل يشبه البدر المنير الكواكب
ويتصدى المرسل للموضوع، فيذكر – بعد التحية والسلام- وصول الكتاب المولوي، وهو كتاب منور الأرجا، رافع الحجا، مطمع المسالك، فائق المدارك قد طابقت ألفاظه معانيه.
وقد ادخل الفرحة والسرور على قلب الكاتب لما يشتمل عليه من صادق مودة الأمير، وما يسبغه عليه من أفضال. هذه الأفضال التي جمعت الناس على حب الأمير. ولا يستغرب صدور مثل هذا عن الأمير (وكيف لا وهو غرة الزمان وناظر عين الأوان، وينابيع الجود تتفجر من أنامله، وأزاهر السماح تضحك عن فضائله وفواضله، ومواقفه شهيرة، وسيرته لا تفضلها سيرة ).
وختم الكاتب رسالته بالسلام على الأمير، دون إشارة إلى تاريخ الإرسال.

- نص الرسالة:
أدام الله الحضرة الإمامية، والمثابة الهاشمية الهمامية، وأيدها بسيرة العمرين كما حاطها تعاقب الملوين وأسبغ عليه سوابغ إجماله، كما أفرغ عليها سحاب إجلاله، ووقاها مقاحم الأخطار، كما أتاها بغنائم الأوطار، المقام الذي انثالت إليه وجوه الميامين تتهلل، كما تمايلت إليه المكرمات تتهادى وتتململ، ودانت له رقاب الأمم إعظام، كما ازدهرت في معالم المعارف إكبارا وإكراما، وطافت به الأماني، كما دارت به التهاني. ووسع امتنانه البدو والحضر، كما استخدم سلطان ربيعة ومضر، وأقام عمود المملكة بعد إشرافه، كما استنقد أسيرها بعد إفلاسه وإيجافه إذ تفرع من جرة شما، (أصلها ثابت وفرعها في السماء) وانتهج الحنيفية البيضا حسا ومعنى، فانبرى مثابه للناس، وأمنا، وصار من كل إنسان بمنزلة إنسانه من أوسانه، وأقرب للسانه من إرسانه، وبيانه من بيانه، وفي شمائله ينشد:
هو البدر والناس الكواكب حول                وهل يشبه البدر المنير الكواكب
لازالت مآثره مخلدة في صحائف الطروس، كما وخطت غضبه مرتسمة في صفائح الجسوم والنفوس. سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ورضوان الأعم وتحياته، هذا وقد ورد علينا من حضرتكم العلية ومكانتكم السلطانية كتاب منور الأرجا رافع الحجا، مطمع المسالك، فائق المدارك، قد طابقت ألفاظ معانيه وخالفت أجناسه مبانيه، فتصفحناه تصفح مغتبط وتعرفنا ما فيه تعرف منتشط، فألفيناه قد أسفر عن غرر الملذات والمصافاة المودات، وقد آن بما صدر منه من المفاخر المخلدة والمآثر المؤيدة التي جمعت الأهواء المفترقة على محبته، وألفت الآراء المختلفة على مودته. ولا غرو في ورود الفضل من معدنه، وإنما يستغرب صدوره عن غير موطنه، وكيف لا وهو غرة الزمان، وناظر عين الأوان، وينابيع الجود تتفجر من أنامله، وأزاهر السماح تضحك عن فضائله وفواضله، ومواقفه شهيرة، وسيرته لا تفضلها سيرة، إذ صار في ذروة المجد صدرا، وفي هالة الفخار بدرا، خلد الله ملكه ونظم في عقد المعالي سلكه والسلام. (15)
تلكم كانت شهادات ووثائق على عناية الدولة العلوية بالعلم والعلماء وتجيعهم لهم، واعتراف هؤلاء بالجميل وإظهار آيات الولاء والإخلاص لهم نسوقها في هذه المناسبة العزيزة على المغاربة جميعا...

1) دافعت عن رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في موضوع (أبو عبد الله محمد المرابط الدلائي: حياته وآثاره) بكلية الآداب- الرباط في 25/2/1978 تحت إشراف الدكتور عباس الجراري. وهي قيد الطبع.
2) انظر كذلك في ترجمته: البدور الضاوية 138 وما بعدها. نشر المثاني ط. حجرية 2/33- 35. الصفوة لليفرني 179-180 سلوة الأنفاس للكتاني 2/90-92.
3) انظر في تاريخ هذه الزاوية رسالة الأستاذ د. محمد حجي: الزاوية الدلائية ودورها الديني والعلمي والسياسي. ط. وطنية الرباط 1964.
4) انظرها بتفصيل في رسالتي عن المؤلف.
5) انظر نص رسالته في البدور الضاوية 146 وظ.
6) نشر المثاني 2/34-35 ط. حجرية.
7) البدور الضاوية 137.
8) نفس المصدر.
9) النبوغ 1/274.
10) البيتان للمتنبي، انظر الديوان 1/375 .
11) البدور الضاوية 137 ظ.
12) البدور الضاوية 205 و.
13) الزاوية الدلائية لمحمد حجي ص: 242.
14) البدور الضاوية 144 و. 
15) البدور الضاوية 148 ط. 149 ونشر المثاني 2/35-36.

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here