islamaumaroc

الآصرة الواصلة بين العرش والشعب

  إدريس العلوي العبدلاوي

العدد 302 رمضان 1414/ مارس 1994

لئن كان تاريخ الأوطان يقاس بالقرون وعشرات السنين، حتى تتضح معالمه، وتظهر آثاره البارزة فيه، فإن تاريخنا الوطني الحديث يصح أن يقال فيه أنه يقاس بالسنوات والأعوام، بل بالشهور والأيام، ذلك لأن المغرب تحت رعاية جلالة الملك الحسن الثاني عاش ويعيش تاريخه من خلال عطاء مستمر، تبدعه عبقرية قيادته الحكيمة، وعاش ويعيش تاريخه عن طريق إنجاز لا يتوقف ولا ينقطع في شتى مجالات وميادين الحياة اليومية، الحياة اليومية بمعانيها الشاملة، وبرموزها الحية الواسعة، وبدلالاتها التاريخية التي تترك حتما بصمات على طريق التقدم البشري وهي تحت خطاه نحو المستقبل.
لقد أصبح تاريخ المغرب الحديث خاصة منذ تربع جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على عرش أسلافه المنعمين إلى اليوم هو جزء من تاريخ أمتنا العربية، وجزء من تاريخ أسرتنا الإسلامية، وهو بكل المقاييس جزء من التاريخ العالمي المعاصر.
إن التأثير الواسع لجلالته على جميع هذه الأصعدة قد طبع بطابع خاص تاريخ المنطقة، وتاريخ إفريقيا برمتها، وامتد إلى الصعيد الدولي، وجعل الأحداث والتطورات التي تعاقبت جهويا وقاريا ودوليا موسومة بالشخصية القيادية لجلالته.
ومن ثم للمؤرخ المعاصر، مهما كانت ميوله ومشاربه، وكيفما كانت آراؤه وتقييماته، أن يتحدث حقيقة عن سياسة حسنية، أو بتعبير أصبح عن مذهبية حسنية أثرت ولا تزال تؤثر في مجرى الأحداث والقضايا، بل وأكثر من ذلك تساهم في خلقها وإيجادها، كتعبير عن النبوغية التي يتمتع بها جلالته في كل الأمور التي لها علاقة بسلام وتقدم وأمن وازدهار الشعوب.
إن من يحاول استقصاء ما جرى وتم، منذ تربع جلالته على عرش أسلافه المنعمين الأبرار، سيجد قطعا إشعاعا مستمرا لجلالته على سائر الميادين، وسيجد لجلالته تأثيرا واسعا على الأفكار، وعلى طريقة توجيهها وصياغتها وممارستها، لا فيما يتعلق بالمجال الوطني وحده، وهكذا... فالمجال العربي، والمجال الإسلامي، والمجال الإفريقي، والمجال الدولي، يكونون حلبة واسعة ظهر فيها جليا وما يزال التأثير القوي، والنفوذ البالغ لشخصية جلالته التي جمعت خصائص العبقرية المغربية إلى سجايا العبقرية الإنسانية.
في مثل هذا العيد سطرت الأقلام بمداد الفخار والصدق أنبل المواقف وأروع البطولات التي شهدها مغرب الحسن الثاني، مغرب الأصالة والتجديد، مغرب الديموقراطية والوطنية الحقة، مغرب دولة القانون.
في مثل هذا العيد السعيد، عيد العرش المجيد، وفي مثل هذا اليوم المشهود من تاريخ المغاربة، نقف جميعا وقفة إجلال وإكبار للأدوار والمهام الجسيمة التي اضطلع وما فتئ يضطلع بها جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله على مستويات عديدة، تتمثل فيها العبقرية الفذة التي أوتيها جلالته، والتي هي في الواقع نتاج كفاح متواصل، وثقافة عميقة، وذكاء متوقد، وجهاد مستمر، وصبر دءوب على مواجهة المحن والملمات بإيمان كبير، وثقة في الله، وتمسك عميق بالمسؤولية وواجبات الأمانة وحقوق الرسالة.
عندما تبدو بشائر طلائع ذكرى عيد العرش المجيد وتلوح، تقتضي بوادرها المشرقة من الفكر الوطني أن يغوص في أعماق التاريخ المغربي، سابرا أغواره، مكتشفا أسراره ودرره، وأن يتجول بالخصوص في أطوار تاريخ العرش لعلوي المجيد منذ النشأة، ومرورا بكل المعارك والمواقف والأحداث والوقائع التي عاشها المغرب في ظلال هذا العرش المكافح الذي ليس كالعروش، لأنه ينفرد بالعبقرية المبدعة، وبالنضالية المثالية، وبالاستمرارية في الجهاد المقدس من أجل بناء أمجاد الشخصية المغربية. 
ولأنه ميثاق ديني وروحي وعقائدي، ولأنه قائم على رباط البيعة والولاء بين الملك والشعب في علاقة محبة صوفية وروحية، صنعت معارك الاستقلال والتحرر والتشييد والبناء، وصنعت عطاءات الخير والبركات.
ولأنه شعار الاستمرار والقوة والتحدي والصمود، ورمز العمل المتواصل من أجل إقرار العدل والحق، وخدمة مصالح الرعية والبلاد.
وإذا ما ذكر الذاكرون اسم هذا العرش العلوي المجيد، واسم هذا البلد العريق، المتميز بشخصيته الأصيلة، وقيمه المثلى، وحضارته الغنية، وتحدياته الحكيمة، ذاكروا مرآة الشخصية المغربية المجسد للفكر والسلوك المغربيين، الحريص على استمرار الأصالة المغربية في شتى المناحي، جلالة الحسن الثاني المحفوظ بالسبع المثاني.
إن الدارس المتعمق للتاريخ المغربي، ليجد أنه بفضل ما آتاه الله من قيادة حكيمة رشيدة، في شتى ميادين الحضارة والعمران، وما حباه من نعمة العلم والعلماء الأفذاذ المبرزين، استطاع أن يحافظ على ثقافة وطنية أصيلة، راسخة الجذور والمقومات، وأمكنه بحكم ماله من حصانة ذاتية مستمدة من هذه الأصالة أن يجابه شتى التحديات الفكرية الأجنبية التي واجهته على مر العصور، وأن يؤكد ذاتيته في معترك الثقافات والحضارات المختلفة، وأن يبرز شخصيته على هذا الصعيد، ناصعة الملامح، غنية بدلالاتها، وما تنم عنه من إيحاءات خلاقة مبدعة.
ومنذ انعم الله على هذه الأمة بهذا الدين المتين، وأتم سبحانه نوره ولو كره الكافرون، وتعلقت العناية الربانية بوصول الإسلام إلى الجانب الغربي من إفريقيا، متوغلا إلى قلب أوربا، تحقيقا لمعجزة ما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم من أن الله زوى له الأرض حتى رأى مشارقها ومغاربها، وأن أمته سيبلغ ملكها ما زوي له منها.
ولقد ظهرت بوادر أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم الصادق، وتأكدت رؤياه الصالحة بما أراه الله بقدوم المولى إدريس الأكبر إلى المغرب، الذي تركز بوجوده مذهب من مذاهب أهل السنة والجماعة، ألا وهو المذهب المالكي، وأن صاحبه مالك بن أنس من أهل المدينة المنورة، مهبط الوحي، ومهاجر الرسول صلى الله عليه وسلم، فانتقلت نفحات تلك المدينة لطيبة بانتقال آثار هذا الإمام إلى عرصات هذا الوطن الأمين، وعلى أيد طاهرة من سلالة الرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم.
ولا بدع أن يتلقى المغاربة المولى إدريس الأكبر بالحفاوة والبشر، لما انطوت عليه تلك الجوانح الزكية من طيب الشمائل، وجميل الخصائل، علما ومعرفة، وشهامة ونجدة، وطيب عنصر، وكريم أصل وأرومة.
ولا غرابة أن يعتنقوا المذهب المالكي، الذي يمثل حلقة الوصل بينهم مبين تلك الأجواء العاطرة، والمآثر الفاخرة ولأنه ما هو إلا سلسلة ذهبية بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم.
واستمرار لتأكيد قيمة الشخصية المغربية، وتعميق أصالتها، يقف أمام عظمة الدولة العلوية الشريفة، التي يحمل اليوم مشعلها الساطع، ويجسم مجدها الرائع، ويحقق أملها الواسع، جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله وأطال عمره، سليل دوحتها العالية.
وإن من جميل مأثرات هذه الدولة العظيمة، وكريم مفاخرها، ما دأب عليه حفظه الله، ودأب عليه أجداده، من بذل محمود العناية بالثقافة والعلم، وما سار عليه من نهج رشيد، في إذكاء شعلة الفكر وإغناء رصيده، وما أولاه حفظه الله من موصول الحدب والرعاية لأهل العلم وأعلام المعرفة، شحذا لهممهم على الإسهام في إغناء الثقافة بالجيد المفيد من الأعمال، واستنداء لمواهبهم وقرائحهم كي لاتني عن موصول العطاء في هذا المضمار.
لقد شهد التاريخ، ويشهد العالم أجمع بشرقه وغربه، انه فريد في عصره، أتى بما لم تستطعه الأوائل، فهو الملك المسلم، والقائد الملهم، والإمام العادل.
لقد حاز المجد من أطرافه، إذ جمع بين عزة إسماعيل وقوته، وتفتح محمد الثالث وعبقريته، وإصلاح الحسن الأول وهمته، وجهاد محمد الخامس وتبصره وحكمته، فكان خير خلف لخير سلف.
تشرفت بقيادته، واستظلت بظله، وتنعمت بوجوده، ونهضت وارتقت بحسن سيرته وحكمة تسييره، إنه بدر العلوم اللائح، وقطرها الغادي والرائح، فالجواهر تستخرج من بحوره، ولمعات الطروس تحلى بقلائد سطوره، فهو بحق مالك أعنة العلوم وناهج طريقها، والعارف بترصيعها وتنميقها، الناظم لعقودها، الراقم لبردها، المجيد لإرهافها، العالم بجلائها. لم يترك معنى مغلقا إلا فتح صياصيه، ولا مشكلا إلا أوضح مبانيه، يستنبط حقائق القلوب، ويستخرج ودائع الغيوب، يحوك الكلام على حسب الأماني، ويخيط الألفاظ على قدود المعاني، فهو الجامع لما تفرق من شمل الفضائل، والناظم لما انتشر من عقد المآثر.
إنه الملك العالم، والعالم الملك، والملك الملهم الذي تربع على عرش القلوب، كما  تربع على عرش المغرب بالصدق والإخلاص والتضحية، فاستحق أن ينال رضاء ربه، وحب شعبه، واستحق أن يكون الزعيم الظافر، والقائد المسلم المنتصر، وإذا دعا لبيت دعوته، وإذا خاطب عانق خطابه القلوب والوجدان قبل أن تتلقاه الآذان.
 إن عرش جلالته نجم علوي يرف في سماء بلادنا سنا وسناء، وقلوبنا أبدا به خافقات، تراه ذخرا ونورا ورجاء، فله منا ما امتد العمر، وطالت السنون، أكبر الحب والإخلاص والوفاء، فهو من سلالة الدوحة النبوية الشريفة، وقطب من أقطاب الدولة العلوية المنيفة.
إن يوم عيد العرش المجيد يتيه على الأيام بهجة وجمالا، ويفوقها تعظيما وإجلالا، إنه يوم أغر، وعيد أطهر، ذكراه من أجل الذكريات الوطنية، وأعز المناسبات القومية، تحمل في ثناياه روائع المعاني، ونوادر الأماني، إذ بالعرش نجاهد ونقاتل، ونكافح ونناضل، وندافع عن الوحدة الترابية، وبه نعتز ونفتخر، ونسود وننتصر، ونظفر ونتحرر، وبه نحقق أحلامنا وأمانينا، ونسير في ركب التحرر ظافرين، وبرباط الوحدة مستمسكين منتصرين، ولكل مظاهر النهضة والعمران بانين ومحققين.
كلما حلت ذكرى عيد العرش المجيد، تدفق في شرايين الأمة دم جديد، يوحي بالعزم الصادق، والإرادة الصلبة، للسباق في مرحلة أخرى من مراحل البناء والتشييد، ويحرك عربة تاريخنا المجيد صوب الازدهار والتطور والنماء.
كلما حلت ذكرى عيد العرش العظيمة، سطع في ربوع الوطن كوكب جديد يضيء النفوس بالأمل، ويبعث الطمأنينة ببسمته، ويوحي بالبشر والسعادة في طلعته. فنستجمع قوانا وكلنا ثقة وعزم وإيمان، وحزم واستمرار وتحدي لتحليل الصعاب، وتحقيق المستحيل.
كلما حلت ذكرى عيد العرش الخالدة، ذكرى جلوس مولانا أمير المؤمنين على عرش أسلافه المنعمين، حل معها وعي بمرحلة جديدة من مراحل كفاحنا المستمر تحت قيادة زعيمة متوقدة، قيادة جلالة الحسن الثاني العظيم، رائدنا المظفر، ورمز الفتوة والشباب الدائم، والطموح والبناء لعزة هذا الوطن.
أدام الله ما أضفى على مولانا أمير المؤمنين من نعم وافية وافرة، وأسبغ عليه ممن منن ظاهرة متواترة، وأطال الله عمره لصالح الأقوال وحكيمها، وما جد الأعمال وعظيمها، وأبقاه الله الموئل الأجل الأكرم، والحصن الأمنع الأشم، والملاذ الأعز الأفخم، وأدامه لشعبه يؤثل مفاخره وأمجاده، وييسر أبهاجه وأسعاده. وأبقاه الله لهذا الوطن ركنه الركين، وحصنه الحصين، وقائده الموقف الأمين.
هنيئا لكم يا مولاي بهذا العيد السعيد، ودمتم هلال كل عيد، تحفظكم عناية الله وتحرسكم رعايته، وأدام الله على جلالتكم نعمة التوقيف والولاء والتأييد، ومتعكم بالصحة والعافية والعمر المديد، ومتع شعبكم في ظل عرشكم المجيد، بالهناء والعيش الرغيد، وجعل عهدكم الزاهر دائم الإشراق والتجديد.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here