islamaumaroc

انبعاث مجد في إقامة مهرجان

  دعوة الحق

33 العدد

حينما احتفل المغرب بإحياء الذكرى المائة بعد الألف لجامعة القرويين كان يحتفل برمز خالد رمز يشخص بعض مقوماته الأساسية.
فالقرويين كانت في العصور السالفة ملاذ اللغة العربية وملاذا للدين الإسلامي، وكانت تشكل منذ نشأتها قلعة حصينة رابط فيها كثير من العلماء الذين ابلوا البلاء الحسن في الدفاع عن حمى العروبة والإسلام. وذلك بالإضافة إلى ما أسهمت به في نشر العلم والمعرفة الأمر الذي جعل الحضارة الإسلامية تمتد في هذا الجزء الغربي من العالم العربي والإسلامي ومن ثم كان الاحتفاء بذكرى القرويين يعتبر صورة من صور الوفاء لأولئك العلماء الذين سلخوا أعمارهم سنين طوالا في نشر هذا الإشعاع الروحي والفكري من القرويين حتى امتدت أنواره إلى كافة أرجاء افريقيا التي ما يزال الإسلام إلى يومنا هذا منتشرا فيها رغم ما توالى على هذه القارة من محن وأهوال، وكلنا على علم من تلك الحملات المتوالية التي توالت على القرويين بعد الاحتلال في السر حينا وفي العلن حينا آخر، ولكن القرويين صمدت في وجه تلك الحملات طوال نصف قرن من الزمان وظلت تواصل رسالتها وترسل إشعاعها الروحي والفكري وكانت مصدر قوة لكفاح المغرب ضد الاحتلال والاستعمار.
ومنذ أن تولى صاحب الجلالة الملك المعظم محمد الخامس أمر هذا الشعب وهو يولي عنايته الكاملة للقرويين فكانت إحدى الواجهات التي صارع فيها جلالته الاستعمار الذي كان يحاول أن يجردها من كل روح ويتركها أثرا تاريخيا لا يتعدى أن يكون داخلا في منطقة نفوذ (بوزار). وان نحن استعرضنا مواقف جلالته المشرفة إزاء القرويين أيام العهد البائد فنجدها مواقف تتسم بالإيمان والجرأة وبالغيرة على مقومات الشعب المغربي، الأمر الذي جعلها تتدرج في مراحل تطورية على قدر ما كانت تسمح به ظروف ذلك العهد، فكان التنظيم الذي سعى صاحب الجلالة بإدخاله عليها في ذلك العهد النواة الأولى لتطورها تطورا لم يكن محققا لجميع الغايات التي أرادها صاحب الجلالة الملك المعظم، حتى إذا جاء عهد الاستقلال انصرفت همة جلالته مرة أخرى إلى العناية بالقرويين وإضفاء حلة جديدة عليها تتلاءم مع عهد الاستقلال.
والحقيقة أن من يستعرض ضروب الإصلاح التي أدخلت على القرويين بأمر من صاحب الجلالة الملك المعظم خلال هذه المدة التي عاشها المغرب حرا مستقلا فإنه سيلمس أثر هذه الإصلاحات في كافة الميادين، سيلمسها في رفع مستوى حياة الطلبة والعلماء وسيجدها ماثلة في التطور الهائل الذي تبدو مظاهره جلية واضحة عند المقارنة فيها بين عهدين. ومنذ بزوغ فجر الإستقلال والقرويين تتدرج في مراحل التطور والتقدم تمشيا مع تعليمات صاحب الجلالة الملك المعظم وإرشاداته، تلك التعليمات التي كانت ترمي لأن تجعل منها جامعة تحتفظ بمركزها التاريخي من جهة وتساير تطور العصر الحديث من جهة ثانية.
لقد مر على بناء القرويين ألف ومائة سنة ولقد أراد صاحب الجلالة أن يجعل من هذه الذكرى فرصة أخرى يظهر فيها مرة أخرى عناية جلالته بالقرويين، وهكذا فقد قبل أن يفتتح بنفسه المهرجان الرائع الذي أقيم بهذه المناسبة في مدينة فاس.
لقد كان يوم المهرجان من أيام فاس الخالدة. كان يوما لتمجيد الثقافة والفكر اللذين تعد القرويين رمزا لهما، وكان يوم حماس شعبي تسنى فيه لسكان مدينة فاس أن يعطوا صورة من صور الوفاء والولاء لصاحب الجلالة الملك المعظم كما أنه قد تجلى من خلال هذا المهرجان احتفاء الشعب بموكب جلالة الملك الذي كانت تعلوه يومئذ هيبة العلم ووقار العلماء حيث سار هذا الموكب من باب الجلود ليقطع المسافة الطويلة التي تفصل فيما بين هذا الباب وجامع القرويين محاطا بهذه العواطف التي تجمعت فيما بين شوارع فاس الضيقة لتظهر في بهجة وروعة ما عليهما من مزيد، الأمر الذي جعل السادة العلماء والأدباء وغيرهم من الضيوف المشاركين في هذا المهرجان يعجبون أيما إعجاب بهذه الروعة التي تجلت في هذا الاحتفاء العظيم الذي كانت تتعالى فيه الأصوات بحياة الدول العربية والإسلامية والإفريقية من أفواه الرجال والنساء والشباب والأطفال وفي قاعة المطالعة بخزانة القرويين ألقى صاحب الجلالة الملك المعظم خطابا أشاد فيه برسالة الجامعة مبرزا الدور الروحي الذي قامت به طوال قرون عديدة ومبينا في الوقت نفسه ضرورة تطور الجامعة حتى تصبح متمشية في أداء رسالتها مع روح العصر.
فرسالة القرويين لم تتغير ولن تتغير في جوهرها أبدا، إنها رسالة تقوم على أساس المحافظة على المقومات الروحية وعلى الاحتفاظ للغة العربية والثقافة الإسلامية بمركزهما الذي يعد جزءا لا يتجزأ من عوامل تقدم الكيان المغربي. ولكن ينبغي للقرويين أن تتطور من حيث الأساليب التي تؤدي بها هذه الرسالة حتى يكون لدورها أثره الفعال في التأثير على الجيل الناشيء الذي تتجاذبه مختلف التيارات والأهواء، إذ كلما تجددت أساليب تبليغ رسالة القرويين إلا واستمرت هذه الرسالة وكان لها أثرها الفعال في الجيل الجديد. وإذا كان صاحب الجلالة الملك المعظم قد أمر بتيسير جميع الوسائل المادية التي يتطلبها أداء هذه الرسالة.
وأعطى توجيهاته التي ترسم الخطوط الأساسية للأسلوب الجديد الذي ينبغي أن تصاغ فيه هذه الرسالة فإن من واجب العلماء أن يجعلوا من هذه الخطوط الأساسية برامج موسعة ويسهرون على تطبيقها حتى تستطيع رسالة القرويين أن تواصل مهمتها التي قامت بها عبر القرون وفي مختلف أنحاء الدنيا.
هذه هي نقطة البداية ونقطة النهاية فيما يخص رسالة القرويين وهي نقطة واضحة كل الوضوح سواء في البداية أو في النهاية. إنها تنحصر في تمطيط جوهر هذه الرسالة حتى تصبح لهذه الرسالة رأيها في مظاهر التطور الحضاري الذي أثر في كل شيء بما في ذلك الثقافة بمعناها الواسع العام.
وفي غمرة ذلك الحماس الذي عاشته مدينة فاس في ذلك اليوم الخالد اجتمع في إحدى قاعات الحي الجامعي الجديد كبار العلماء والباحثين ليبرزوا من جديد الدور الذي قامت به جامعة القرويين في الماضي والدور الذي ينبغي أن تقوم به في الحاضر.
ولقد كان مهرجان القرويين فرصة طيبة لإلقاء بحوث قيمة حول القرويين كما كان فرصة لإظهار بعض الجوانب من الحضارة العربية والإسلامية التي تجمع فيما بين أقطار العروبة والإسلام في مشرق الأرض ومغربها كما كان فرصة تسنى فيها لبعض كبار الأدباء والباحثين إلقاء محاضرات تناولت مواضيع مختلفة من شؤون الفكر والثقافة. وإننا لنرجو أن تبادر الدوائر المختصة بنشر كافة البحوث والمقالات التي أعدت لهذا المهرجان العظيم الذي بعث مجد القرويين وبعث معه الدور الفكري والإنساني الذي أدته الثقافة العربية والإسلامية عبر قرون خلت.
عن سفيان بن عبد الله الثقفي قال قلت يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسال عنه أحدا بعدك وفي حديث أبي أسامة غيرك قال: قل آمنت ثم استقم.

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here