islamaumaroc

خشبة النجاة

  دعوة الحق

33 العدد

في عالم السياسة معسكران جباران يتقابلان. ومعسكر ثالث – يتطاول ظله يوما بعد يوم – يحاول أن يجد لنفسه بينهما مدى حيويا ليثبت وجوده. هذه المعسكرات الثلاث تشكل البشرية بوجه عام: البشرية التي تقتتل طمعا بالسيطرة على المادة.
وفي عالم القيم، جماعات هنا وهناك، في المعسكرات الثلاثة. جماعات قليلة العدد، قوية التأثير، تؤلف، من شتات البشرية الجائحة، معسكر الإنسانية.
وإذا كان الصراع شديدا، في عالم السياسة، بين المعسكرين الجبارين، حتى أنه جاوز حدود الأرض إلى متاهات الفضاء...
وإذا كان أهل المادة يقتتلون على المادة ويوشكون بذلك أن يمحقوا الأرض ومن عليها...
فإن الصراع الحقيقي، الصراع العميق، الصراع الكياني هو في عالم القيم، بين أهل الروح وأهل المادة، بين معسكر الإنسانية ومعسكر البشرية.
الصراع الأول، الاقتتال على المادة، يضع العالم اليوم في مهب عاصفة الفناء.
والصراع الثاني، مجابهة الروح للمادة، هو خشبة النجاة في مضرب الأنواء الثائرة.
ويحق لها، أكثر من أي زمان مضى، أن نقول مع شكسبير، بشيء من التوسع، أن القضية الكبرى، القضية الأساسية هي قضية الكينونة: أن يكون الإنسان أو لا يكون!
فاطمة القيروانية، تلك التي وهبت للروح، بسماحة نفس وصفاء إيمان، نصيبا مهما من إرثها، فبنت –منذ ألف عام ومائة عام – في عدوة القيروانيين، التصميم الأول لجامع القرويين... تلك كانت أول من زكى ماله الزكاة المثلى.
من لفظة القيروانيين – تخفيفا وتليينا- نشأت لفظة القرويين، جبارة منذ نشأتها، متمردة على صيغ الإعراب، متشبثة بالياء والنون حالا واحدة، إيذانا بأنها ستكون هي المحافظة على القيم الحقيقية، لا تأخذها، على بريق العصور، بروق التحول الخلب!
ولقد خلبت بروق في سماء القرويين وقصفت رعود. من الأدارسة، إلى الزناتيين، إلى المرابطين، إلى الموحدين، إلى المرينيين، إلى الوطاسيين، إلى السعديين، إلى العلويين، فضلا عن مؤامرات المطامع الأوروبية... عهود لم تكن كلها صفاء. ولكن روح القرويين – مغمدة حينا، مسلولة أحيانا – بقيت صافية خالصة، يتألق فيها العطاء، خلال تهجم الأيام، كما يتألق السيف الصقيل في دبيب الفرند !
نحن اليوم، في هذه الذكرى المجيدة، أمام تاريخ جهاد حافل: جهاد ديني، جهاد فكري، جهاد ثقافي، جهاد اجتماعي، جهاد سياسي... وفوق كل شيء، وقبل كل شيء، جهاد روحي! وإذا كنت أفرق بين الدين والروح، فلأن الروح، بالمعنى الإنساني، طليقة من قيود الدين، بالمعنى الاجتماعي. وشعلة الروح هي الشعلة التي ما خبا نوردها يوما في القرويين، في ميادين جهادها المختلفة.
سمعتم وستسمعون الكثير في هذا المهرجان الفكري الرائع عن تاريخ القرويين. وأنتم تعلمون أن هاهنا في القرويين، خزانة التراث المغربي العربي الإسلامي. وأن من هنا، أبدا من هنا، كانت الانطلاقات الفعالة في هذه الرقعة الخيرة من تراب العرب. ولكني لن أتحدث عن كل ذلك، لأني، منذ البدء، وضعت الأمر على الصعيد الأوسع، على صعيد الإنسانية.
وإذا كان المغرب كدولة لا يزال بحاجة إلى روح القرويين، تذكي في صدور الشباب شعلة الحماس للحياة الحرة الواعية، فإن العالم قد أصبح بحاجة ماسة إلى روح جديدة لا تسطيع بثها واذكاءها والحفاظ عليها إلا القرويين ومثيلات القرويين.
في هذا الصراع الشامل بين الروح والمادة، الذي يهدد العالم بالدمار، موكول إلى القرويين وإلى مثيلاتها حيث كانت، أن تنتصر للروح انتصارا غلابا.
والنصر الحقيقي في الحرب ليس العمل الماحق ولا الذي يفضي إلى تسليط سيد على مسود. كل حرب تنتهي إلى مثل هذه النتيجة تزرع، في حياض السلم، بذور حرب جديدة.
النصر الحقيقي توصل إلى تفاهم دائم، يقوم على طبيعة الأشياء، لا على حكم الغرائز البشرية.
النصر الحقيقي الذي ننشده، في الصراع بين الروح والمادة، تفاهم بمعنى الكلمة اللغوي: أن يفهم كل منهما الآخر، فيتعايشا متعاونين، تعاونا تكون المادة فيه وسيلة لانتعاش الروح، وتكون الروح فيه حافزا لازدهار المادة.
النصر الحقيقي هو أن نرفع البشرية إلى شرفة الإنسانية، وعند ذلك تتسع الأرض للعالمين جميعا، ولا تبقى حاجة إلى غزو السماء!
ولتتمكن القرويين، ومثيلات القرويين في العالم، من أداء الرسالة الفضلى، لا بد من إعادة النظر في بعض القيم، في مفهوم بعض القيم:
يجب أن يفهم الدين أن العلم ليس كفرا ويجب أن يفهم العلم أن الدين ليس خرافة وهذا لا يتسم إلا إذا «تعلم» الدين و «تدين» العلم.
ولست أقصد من ذلك ما قصده الفلاسفة العرب، وعلى أثرهم فلاسفة الفرنجة وفلاسفة الكنيسة بشكل خاص، من التوفيق بين الدين والعلم على الصعيد العقائدي الفلسفي الماورائي ... لست أقصد حل معضلة المعضلات.
وإنما أقصد أمرا بسيطا: أن نفهم الحياة، وأن نؤمن بالحياة.
ومن فهم الحياة «آمن» بالعلم ومن آمن بالحياة «علم» أن الإنسان أخو الإنسان، وأن الحياة تكون إنسانية بقدر ما يكون فيها من الإيثار وعمل الخير.
موكول إلى القرويين وإلى مثيلاتها في جميع أنحاء العالم –إلى أي دين انتمت- أن تذكي في المرء روح الإنسانية، بإفهامه الحياة، أي العلم الحديث، ومعنى الحياة، أي فلسفة وجود الإنسان أخا للإنسان.
لقد أدت القرويين، في مراحل حياتها الطويلة المشرقة، رسالتها الوطنية بشكل رائع. واليوم يرجى لها أن تساهم في أداء رسالة إنسانية شاملة.
فاطمة القيروانية كانت أول من زكى ماله الزكاة المثلى... والزكاة لغة ودينا إنماء للمال وتطهير. ولقد نما مال فاطمة خلال العصور وتطهر، فأفاء على المغرب علما وحكمة وإيمانا.
واليوم يطلب إلى القرويين، في هذه العاصفة الهوجاء التي تجتاح العالم، أن تكون إحدى خشبات النجاة.
والأمل بالله، والأمل بالقرويين، والأمل بحكومة صاحب الجلالة ألا تنطفيء جذوة الروح التي ألهبت، منذ ألف عام ومائة عام، صدر فاطمة القيروانية!
العمر كله يا جامعة القرويين، وإلى الأمام!  

 

 

 

 

 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here