islamaumaroc

دواء الشاكين وقامع المشككين -8-

  دعوة الحق

33 العدد

جاء في كتاب (ليس الإنسان مهملا، لكريس مورسن) إن الإنسان يمكن أن يترقى باتباع دماغه وسمو فكره وحينئذ تتحقق فكرة المدنية الفاضلة التي ذكرها الفيلسوف المغربي ابن باجة في بعض تآليفه. ثم قال أن الجنس الأبيض متفوق في الوقت الحاضر، ولعله يلمح بذلك إلى أن الإنسان الكامل (سوبرمان) قد يكون من الجنس الأبيض ويكون هو الصالح للبقاء وتنقرض الأجناس الأخرى كالصينيين واليابانيين والأندونيسيين والهنود السمر والحمر والإفريقيين السود، ويبقى الأشكال في الأمم المتصفة بالبياض وليست أوربية ولا أمريكية كالأتراك والفرس وأكثر العرب والجراكسة والبلوجستانية بل وبعض الأوربيين المتصفين بالسمرة في جنوب أوربا، لا يعرف مصيرهم أيقصر عليهم تطبيقا لقانون بقاء الأصلح أم يشفع لهم أخوانهم ويكون الحكم للغالب.
فإذا كان الأمر كذلك فما المانع من دخول الأمم المتصفة بالبياض وهي غير أوربية ولا أمريكية فإن كان سر الترقي كامنا في اللون وحده فلا فرق بين أبيض وأبيض، وإن كان السر كامنا في كونهم أوربيين كيفما كان لونهم فلماذا لم يتفوقوا في الزمان الغابر حين ازدهرت المدنية الصينية والهندية والأشورية والبابلية والقبطية والفينيقية وأخيرا العربية، وفي كل ذلك كان الأوربيون يغطون في نومهم ويتخبطون في أوحال جهلهم وتوحشهم وأين كانت أدمغتهم الراقية المخلوقة من نور؟ وكيف طرأ عليها التبدل بعد مضي تلك الأحقاب والأزمان المتطاولة؟ وهل احتقار الأجناس الأخرى كالأسيويين والإفريقيين وهنود أمريكا واختطاف الزنوج من ديارهم وجلبهم إلى أمريكا ومعاملتهم معاملة الحيوان الأعجم والاستعمار وما أدراك ما الاستعمار قتل الشعوب الآمنة في عقر ديارها واستعبادها واغتصاب أموالها وتسخيرها في خدمة اللص المستعمر، وتطبيق التمييز العنصري كذلك من وحي هذه الأدمغة العبقرية؟ وما أحسن ما قال الشاعر:
إذا لم تخش عاقبة الليالـي
                  ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في الدين خيـر
                  ولا الدنيا إذا ذهب الحيـاء
وهذه الفكرة الكاذبة الخاطئة مستولية على عقول الأوربيين، عالمهم وجاهلهم وذكيهم وغبيهم وسادتهم وسوقتهم، حتى أن العالم الشهير المؤلف كارل بروكلمان تورط فيها، فنقل من ترجمة تاريخ الهند للعالم الفيلسوف الكبير أبي الريحان محمد بن أحمد البيروني لمترجمه مارتين هارتمان أكاذيب اخترعها هذا الأخير منها أن البيروني كان مسلما في الظاهر فقط ولم يكن مسلما في الباطن لأن علمه وعقله أجل من أن يقبل الإسلام، ومنها أنه كان شيعيا في أول الأمر فلما اجتمع بالسلطان محمد بن الغزنوي صار سنيا، ومنها أنه كان فارسيا متعصبا لدولة الساسانيين التي قضى عليها العرب وكان يبغض العرب، ويحتقر علومهم، وهنا زاد الناقل كارل بروكلمان (بحق) انتهى كلامهما بنصه وفصه مترجما بحروفه، وقد نقلت كلام هارتمان بنصه الإنجليزي، وكلام بروكمان بنصه الألماني، ورددت عليه في رسالتي التي قدمتها في جامعة برلين، وأحرزت بها لقب دكتور في الفلسفة على حد تعبير الأوربيين وفي الأدب على حد اصطلاح العرب. وقد ناقش هذه الرسالة عشرة من علماء جامعة برلين أحدهم أستاذي المرشد رشارد هارتمان فوافقوا بالاجماع على ردي لتلك الترهات التي اخترعها مارتين هارتمان واستحسنها بروكمان وسود بها صحائف كتابه (تاريخ الأدب العربي) وزاد عليها تلك الكلمة الإجرامية وهي قوله (بحق)، اقترف ذلك تزلفا لحزب هتلر النازي، وزعم بروكلمان أن البيروني كان يفتخر بآريته، يعني لأنه فارسي فهو يتصل بالنسب الآري الذي يعتز به هتلر وحزبه، وكان بزعمه يبغض العرب ويحتقر علومهم (بحق) لأنهم ساميون، ولم يكن في إمكاني حينئذ أن أرد عليه في هذا الزعم الأخير لأني كنت في عاصمة البلاد الألمانية في حكم هتلر الذي يدعي له مضلله رورتبرك، أن البشر ينقسمون إلى قسمين: قسم آري وهو الأعلى الكامل الذي انشأ المدنية، واكتشف المكتشفات واخترع المخترعات، وأنشأ العلوم وحملها بجدارة واستحقاق، وهو الذي يستحق أن يسود ويقود، وقسم غير آري وهو بضد ذلك غير صالح لإنشاء المدنية والعلم ولا لحملهما، وحقه أن يستعمر، ويجب على الجنس الآري أن يسخره ويقوم بتغذيته والمحافظة على صحته والعدل بين أفراده ووضع مناهج العمل له.
وكان العلماء الألمانيون يكفرون بهذا الرأي ويستهجنونه، ولما اشتدت وطأة الحكم الهتليري ما كان أحد يستطيع أن يجهر بمعارضته، كما أنه لم يتنزل أحدا من العلماء لاظهار الموافقة عليه إلا النادر، ومن هذا النادر بروكلمان.
وكان الأستاذ باولكالي قد اقترح على ترجمة مقدمة كتاب الجماهير في الجواهر للبيروني مع التعليق عليها ليكون ذلك موضوعا لرسالة امتحان شهادة الدكتورة التحريري فترجمت المقدمة وعلقت عليها، ولما فر الأستاذ باول كالي من حكومة هتلر إلى بريطانية في أول سنة 1939 انتقلت من جامعة بون إلى جامعة برلين وأتممت دراستي على يد الأستاذ رشارد هارتمان، لم أجد في تلك المقدمة شيئا أولى بالتعليق من تلك المفتريات التي اختلقها عدو الإسلام والعرب مارتين هارتمان وأقرها وزاد فيها بروكلمان فتجردت لردها وقضيت عليها بالبراهين القاطعة من كلام البيروني نفسه في تآليفه، فغضب على بروكلمان لأنه ظن أن الجو خلا له فأخذ يبيض ويصفر، وينقر ما شاء أن ينقر وحسب أن المسلمين والعرب نائمون في غفلة عن مكايده، ومكايد أستاذه الذي نقل عنه ذلك الهراء (بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق) ولهما الويل مما يصفان ويحق للعلماء الألمانيين العشرة الذين ناقشوا رسالتي وحكموا لي على أشهر مؤلف في هذا العصر من المستشرقين لا في ألمانيا وحدها بل في سائر البلاد الأوربية يحق لهم أن يفخروا بحرية الفكر ونصر الحق بقطع النظر عن قائله وهو طالب عربي غريب، ولا مجال هنا لتفصيل ذلك الرد لطوله، ولكني أذكر عبارة شاذة فلذة قالها البيروني في كتاب الصيدلة الذي ألفه في شرح مفردات الأدوية، وقد قال فيه، أن الصواب في هذه الكلمة هو الصيدنة بالنون لا باللام كما هو مشهور، والكلمة التي قالها البيروني في تفضيل اللغة العربية على اللغة الفارسية هي قوله: (أنا لا أحسن اللغة العربية ولا الفارسية ولكن الهجو بالعربية خير لي من المدح بالفارسية) يعني أنه يفضل أن يهجي بالعربية على أن يمدح بالفارسية، وهذه غاية المبالغة في حب العرب ولغتهم حبا يزيد على حب العرب أنفسهم للغتهم، وخصوصا في هذا الزمان الذي طغى فيه الاستعمار الروحي يله المادي ولا سيما في هذا الوطن المغربي المنكوب الذي نرى أبناءه يتراطنون بلغة الاستعمار فيما بينهم بدون ضرورة، شيء يدمي القلوب ويشمت الأعداء ويسوء الأصدقاء، قبل شهرين كنت راجعا من فاس إلى مكناس بعد إلقاء درس الوعظ في جامع الأندلسن فبينما أنا في أثناء الطريق إذا بجماعة من رجال الدرك قد استوقفت السيارات وأخذت تجري عليها امتحانا دقيقا، فمنها شقي وسعيد، فبعض السيارات نجحت في الامتحان فسمحوا لها باستئناف السير وبعضها عثر جدها فرسبت وبقيت محبوسة تنتظر العقاب، وكانت سيارتي من الناجحات فاستأنفتا السير في ذلك الليل البهيم، فلم يمض إلا قليل حتى اعترضت طريقنا جماعة أخرى من رجال الدرك وأرادوا إجراء الامتحان مرة أخرى فاخبرناهم أن السيارة قد امتحنت بفحص أوراقها وأدواتها قبل عشر دقائق فنجحت، فلم يقبلوا وأصروا على إعادة الامتحان فأعادوه فظهر لهم أن الضوء الأحمر الخلفي الذي يعطي الإشارات للسيارات الآتية من الوراء متوقف فقالوا أصلحوه أو ادفعوا ألف فرنك غرامة نقدا أو تسجل عليكم قضية مخالفة، فقلت لهم سجلوا وكان أحدهم يتكلم مع صاحبه فأراد أن يودعه فقال له بالعجمية: (بون نوي).
وكنت مغتاظا عليه فوجدت فرصة للكلام فقلت له: لغة الاستعمار حلوة لذيذة لا تستطيعون أن تفطموا أنفسكم عنها؟ فقال لي: كيف كيف؟ يعني أن الكلام بالعربية والفرنسية سواء. فقلت له: هذا مسخ ودناءة وخزي وعار، وهل يوجد على وجه الأرض شخص عنده شرف وذرة من الوطنية يسوي بين لغة قومه ولغة الاستعمار. فقال لي: إن هذه اللغة هي الرسمية عندنا في عملنا.
فقلت له: إن كلمة الوداع ليست من الأعمال الرسمية، ألا يستطيع صاحبك أن يقول لك: اصبح بخير أو ليلة سعيدة، أو نحو ذلك؟ فلما عجز عن الدفاع، قال لي: من أنت؟ فقلت له: قد رأيت اسمي في أوراق السيارة وما حاجتك إلى معرفتي، أعمل بالقانون الذي عندك، فأصر على أن أخبره باسمي فأخبرته فاعتذر وقال: سامحني. وأخذ يصلح مع السائق ضوء السيارة. وإنما اغتظت عليه في أول الأمر لأنه بدا الكلام بفظاظة وانتهت القضية بسلام. ورأيت أختين مغربيتين صغيرتين تحدث إحداهما الأخرى بالفرنسية.
وأما في الدوائر الحكومية فالعربية أجنبية، ولكن لا بد لهذا الليل من آخر.
كنت أتكلم من رئيس شركة التأمين على السيارات وهو فرنسي قح في الرباط فقال: إني نصحت أولادي فقلت لهم: إنكم ولدتم في المغرب ونشأتم في المغرب، ولن تستطيعوا أن تعيشوا إلا في المغرب، فتعلموا العربية فإنكم إن لم تفعلوا فسيذهب أحدكم إلى دار البريد بعد عشر سنين أو على الأكثر بعد خمس عشرة سنة، فلا يستطيع أن يقضي حاجته إلا بترجمان. فيا ليت المغاربة يفهمون هذه الحقيقة التي فهمها هذا الرجل الفرنسي البعيد النظر.
ورب قائل يقول لقد خرجت عن الموضوع أكثر من مرة وصيرت مقالك هذا كسفينة نوح في جمعها بين البشر وأنواع الحيوان فأقول في الجواب: إن الاستطراد عادة لازمة لي، فأن الحديث كما قيل ذو شجون وكثير من الناس يجدون في المقال المشتمل على فنون يرتبط بعضها ببعض من المتعة ما لا يجدونه في المقال المنسق المنحصر في لون واحد، والذي نعتقده وندين الله به أن البشر كلهم نوع واحد وان اختلفت أجناسه، فإن العقل والتفكير الذي كرم الله به بني آدم لا يختلف باختلاف الألوان والأشكال وأن العلم والمدنية ليسا وقفا على جنس بعينه، إلا أن حب السيطرة والاستعباد يحمل الظالمين على التنكر لهذا المبدأ القويم وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.

 


 

 

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here