islamaumaroc

دور الوقف في الحياة الثقافية بالمغرب في عهد السعديين

  السعيد بوركبة

العدد 300 ربيع 1-ربيع 2 1414/ شتنبر -أكتوبر 1993

الواقع أن الحياة الثقافية بالمغرب في عهد الدولة السعدية، ازدهرت أيما ازدهار، وكان ذلك يرجع إلى عدة عوامل أهمها : الأوقاف المخصصة لعلماء الذين يقومون بالتعليم، سواء في المدارس، أو في المساجد، أو المخصصة للكتب العلمية، التي تشحن بها الخزانات والمكتبات التي يستفيد منها طلبة العلم.
ومن الثابت تاريخيا : أنه في عهد هذه الدولة قد وجدت عدة شخصيات مرموقة في علم المعقول والمنقول، كانت نجوما لامعة في سماء العلم، عرفت برصيدها المعرفي الغزير، استطاعت أن تؤدي رسالتها العلمية للخاص والعام من الناس، وقد شجعها على تأدية هذه الرسالة : ما خصص لها من مستفاد الأوقاف إلى جانب ما كان لها من حوافز أخرى عقدية وغيرها، جعلها تستمر في نشر المعرفة، ابتغاء وجهه تعالى، وامتثالا لأوامره سبحانه وتعالى.
ومن بين هذه الشخصيات :

1
- أبو العباس أحمد بن علي المنجور (ت 995 هـ) :
فقد قرظ هذا العالم : أبو سالم إبراهيم بن عبد الرحمن بن عيسى الكلالي بقوله فيه : (1)
".. رئيس المحققين في وقته، وآخر المصنفين الفقيه المشارك المعقولي الأصولي
الإمام العلامة أبو العباس سيدي أحمد بن علي المنجور الفاسي رحمه الله تعالى، قرأ أحباسه شتوة ذلك العام، وكان أصحابه يأتون به بين أيديهم، أحد الآخذين بيده، الداخل تحت منكبه، الفقيه النجيب الأريب : صهره أبو الحسن سيدي علي بولعراب، والآخر الذي كان يقابله، لم أتحققه الآن، وكان رحمه الله يقرأ التفسير على الكرسي الكائن عن يسار الداخل من الباب المقابل لباب القراقين من جامع القرويين - شرفها الله بدوام ذكره - وهي الباب القريبة للمنار...".
وإلى جانب كرسي التفسير الذي كان يشغله، فإنه كان يقرأ أيضا صبيحة يوم الخميس ويوم الجمعة قصيد ابن زكري في التوحيد على الكرسي الكائن عن يمين الطالع للمستودع الكائن عن يمين الداخل من باب الحفا بجامع القرويين.
إلى جانب ذلك : كان له كرسي في الحديث، فقد كان يقرأ صحح مسلم على الكرسي القريب من باب الكتبيين من الجامع المذكور، وذلك بين العشائين.
كما كان له كرسي في الفقه، فقد كان يقرأ عليه - بعد صلاة الظهر أسفل السبع الكائن عن يسار الداخل، من مسجد الجنائز للجامع المذكور، مختصر ابن الحاجب، كما كان يقرأ عليه صغر الشيخ السنوسي.
توفي رحمه الله ليلة الاثنين سادس ذي القعدة الحرام عام خمسة وتسعين وتسعمائة، ودفن رحمه الله خارج باب الفتوح تحت روضة سيدي رضوان. (2)

2 – أبو العباس أحمد بن علي الزموري (ت 1001 هـ) :
فقد كان هذا العالم من العلماء المرموقين في عهده، وكانت له عدة كراسي من بينها : كرسي التفسير بجامع الأندلس، فقد كان يقرأه فيه غذوة الصباح، يقع هذا الكرسي عن يمين الداخل من الباب المقابلة لمدرسة الوادي، وعن يسار الداخل من الباب المقابلة للمدرسة الصغرى هناك .. وكان التفسير الذي يقرأ هو تفسير الإمام الفخر، لكون الحبس عليه .(3)
كما كان له كرسي في السيرة بجامع القرويين يقع خلف ظهر الصومعة، إلا أنه ولاه لتلميذه علي بن عبد الرحمن السلاسي، كما كان بيده كرسي المرادي بمدرسة العطارين بعد صلاة العصر.
وقد بقي يؤدي رسالته العلمية إلى أن وافاه أجله رحمه الله عام 1001 هـ، فدفن
بروضة سيدي الخياط بحومة الدوم بفاس.
يحكى عنه أنه كان بينه وبين سيدي عبد الواحد الحميدي منافسة دنيوية كبيرة، حتى أن القاضي الحميدي تنفس الصعداء لخبر موته.

3 – أبو محمد عبد الواحد الحميدي (ت 1003 هـ) :
كان الحميدي عالما من الأعلام مشاركا في كل الفنون والعلوم.
فقد كان يقرأ التفسير في فصل الشتاء على الكرسي الكائن عن يمين الخارج من الباب المقابلة لوجه الخارج بانحراف يسير لدرب ابن حيون.
وبعد التفسير يقرأ رسالة ابن أبي زيد وحكم ابن عطاء الله.
كما كان يقرأ تهذيب البراذعي للمدونة بقية المدرسة المصباحية قبل صلاة الظهر، وكان يقرأ أيضا مختصر خليل على نداء العصر أو صلاتها.. وكان قارئ مجلسيه في المدونة والمختصر : الشيخ أبو زيد عبد الرحمن بن أحمد بن عثمان المكناسي، وكان يقرأ بعد الفراغ من المختصر : مغني ابن هشام في آخر عمره.
وهكذا استمر طوال حياته في نشر العلم إلى أن توفي رحمه الله عشية يوم السبت بعد العصر 18 ربيع الثاني عام 1003 هـ، ودفن من الغد بعد صلاة الظهر بروضة سيدي أبي زيد الهزميري خارج باب مصمودة، وقد حضر جنازته خلق كثير، وعلى رأسهم : السلطان الشيخ امحمد السعدي ووقف على قبره حتى فرغ من دفته. (4)

4 – أبو القاسم ابن سودة المري (ت 1004) :
وقد كان بن سودة هذا من بين العلماء الذين توزعوا الكراسي التي كانت للفقيه أحمد المنجور بعد وفاته.
أما العلماء الذين توزعوا هذه الكراسي فهم :
- القاضي عبد الواحد الحميدي ( ت 1003 هـ).
- أبو القاسم ابن سودة المري ( ت1004 هـ)
- أبو القاسم ابن أبي النعيم (ت 1032 هـ).
- أبو زكرياء يحيى بن محمد السراج (ت 1007 هـ).
وقد قال الدكتور التازي عن هذا التوزيع ما يلي (5):
.... فقد علمنا أنه - بعد أن وصلت أخبار وفاة المنجور إلى العاصمة مراكش - وزع المنصور السعدي ماله - للمنجور - بين أبي النعيم، وابن سودة، وكانا آنذاك في زيارة العاهل، وقد صادف الحال أن وزع ولي العهد بفاس (ما) للمنجور بين السراج والحميدي.
فلما عاد الأولان، تم الاتفاق على تسوية بين الأربعة بإشراف الأمير المامون : تمسك السراج بحصة من كراسي المنجور، إرضاء لولي العهد، وأعطيت الحصة الباقية لابن سودة، إرضاء للعاهل .. وتمت ترضية ابن أبي النعيم بإعطائه كرسي السراج في مستودع باب الحفاة، وترضية الحميدي بإعطائه الكرسي الذي كان يقصده خواص الطلبة والفقهاء حيث اعتادوا سماع الدروس المطرزة بالنكت والغرائب والبحوث...".
وكان هذا الكرسي هو ما كان يسمى بكرسي الونشريسي القاضي، وعنه قال الدكتور التازي: «والواقع أن هذا الكرسي يعد من الوجهة المادية أيضا من أثرى الكراسي العلمية وأغناها بالقرويين، ولذلك كان معروفا لدى الناس بكرسي القاضي، وقد نعت في الحوالة السليمانية بأنه كرسي باب الصالحين.
فقد وجدت من أحباسه اثنا عشر حانوتا بالقيسارية والعطارين، وتسعة بالسبطريين، وتسعة بعين علون، وأربعة بالسقاطين، وسبعة بالصفاحين، وأحد عشر عقارا، إلى ثمان وثلاثين بقعة موزعة في أهم جهات المدينة، يكون المجموع تسعا وأربعين عتبة، وهو قدر يقرب من الثمانية والسبعين "الموقوفة على كرسي الورياكلي". كما تقدم. (6)

5 - أبو زكرياء يحيى بن محمد السراج (1007 هـ) :
كان السراج يقرأ التفسير لما مات المنجور، وانتقل لكرسيه، وكان يقرأ بعد تفريق مجلس تفسيره، مختصر الشيخ (خليل) قرب باب المقصورة، مسندا ظهره إلى حائط القبلة من ناحية الخزانة، وكان قارئه بها، الفقيه عبد الرحمن بن عثمان المكناسي .
ومن عادته : إنه لا يجلس للإقراء هناك إلا بمفاتيح المقصورة بيده .
ومن عادته - رحمه الله - في فصل الشتاء: إذا فرغ من إقراء المختصر حيث ذكر، يمشي لمدرسة العطارين يقرئ هناك المدونة على الكرسي المقابل وجه الداخل لقبتها، فإذا فرغ، يرجع إلى المقصورة ثم يسير إلى مدرسة الحلفاويين، يقرئ هنالك مدونة أخرى له عليها حبس.. ولما توفي القاضي الحميدي، تولى هو الخطابة في الأعياد بالسلطان (أحمد المنصور السعيد) إلا أنه لما قرب أجله وضعف بدنه، مات ولده محمد، فاعترضه ذهول في عقله، حتى كان يأتي للخطبة ولا يجد ما يقوله، وكذا في إقرائه آخر الحال، مع أنه رحمه الله له خطب متعددة أنشأها من عندياته لنفسه، وكان يحفظ مختصر الشيخ، وسائر تقييده لا يحتاج فيها إلى نظر، (7) ثم بعد ذلك توفي رحمه الله في التاريخ المشار إليه أعلاه.

6 – أبو عبد الله محمد القصار (ت 1012 هـ) :
ما إن توفي السراج، حتى عين المنصور السعدي مكانه الفقيه : أبا عبد الله محمد بن قاسم بن علي القصار القبسي الغرناطي الفاسي، وكان يومئذ بمراكش، فقد كتب له الفتوى وجميع أحباسه.
إن الفقيه القصار كان متبحرا في جميع العلوم معقولها ومنقولها، وكانت له معرفة بالتاريخ وأنساب الناس.
وبغض النظر عما تولاه من الفتوى، وأخذه أحباس السراج، فإنه تولى كرسي التفسير الذي كان للزموري بجامع الأندلس، كما تول كرسي المرادي الذي كان للزموري أيضا بمدرسة العطارين.
قال عنه المحبي في خلاصة الأثر :
"إن سوق المعقول كان كاسدا في فاس، فنفق في زمان القصار ما كان كاسدا من سوق الأصلين والمنطق والبيان، وسائر العلوم. (8)
إن القصار لما أحله المنصور السعدي محل السراج، انتقل إلى فاس، فجاءها وهو يتزامن مع الفيل الداخل لها، وذلك يوم الاثنين 16 رمضان عام 1007 هـ، وقد خطب يوم الجمعة الموفى 20 رمضان على منبر القرويين، وبقي خطيبا مفتيا، إلى وفاته رحمه الله.

7 - محمد الشريف المريني التلمساني (ت 1018 هـ) :
كان التلمساني من بين العلماء الذين أثروا الكراسي العلمية في هذه الفترة .
فقد كان يقرئ رسالة الشيخ ابن أبي زيد القيرواني فوق الكرسي الكائن بظهر الخصة من جامع القرويين بعد صلاة الصبح كل يوم، ومن الطلبة الذين كانوا يلازمون مجلسه حسبما في رسالة الكلالي المشار إليها أعلاه.
-الفقيه أبو الحجاج سيدي يوسف ابن محمد الشريف الزروالي.
- الفقيه أبو علي سيدي الحسن بن مهدي الزياتي، وكان مأواه حينئذ بمدرسة الحلفاويين.
- الفقيه أبو عبد الله سيدي محد البطيوي مخشان الشفشاوني.
- والفقيه أبو عبد الله سيدي محمد البطيوي مع جماعة غيرهم ممن لا معرفة لنا بهم، وكانوا يسكنون بمدرسة الحلفاويين.
- والفقيه أبو عبد الله محمد الشريف الجمالي القصري المستوطن بمدرسة العطارين ، وكان من طلبة سيدي مصباح ، ملازما هناك الأستاذ المحقق (أبو القاسم الفيلالي ).
- والفقيه المشارك سيدي أحمد الفركلي، وجماعة من الطلبة المعتبرين من أهل فاس، ومن جملة الطلبة الحاضرين :
الطالب سيدي عبد العزيز الزمراني.
وكان إذا فرغ من الرسالة ينزل للأرض، يقرأ: صغرى الشيخ السنوسي، "وفي بعض الأوقات، كان يقرأ ألفية ابن مالك، ملتزما بسيدي المكودي".
"وفي بعض الأوقات، يقرأ كبرى الشيخ السنوسي، كل ذلك على اختلاف أغراض الطالبين للشيخ المذكور، فيما يتبرع بقراءته بعد الفراغ من حبسه. (9)
أما بالنسبة لمراكش، فقد ابتنت أم المنصور السعدي، مسعودة الوزكيتية، جامعا عظيما بباب دكالة بمراكش، وأكثرت عليه من الأوقاف والجرايات وخزائن الكتب وكراسي أنواع العلوم .وعن هذا الجامع يحدثنا الفقيه المقري التلمساني بقوله :
"وقد صليت فيه الجمعة مرارا، ورأيت جماعة أعلام يدرسون به أنواع العلوم .. ثم قال عن أم المنصور بانيته في وثيقة التحبيس"...  فحبست لوجه الله العظيم، ورجاء ثوابه الجسيم، والنعيم المقيم، جميع 70 حانوتا غير نصف حانوت الواجبة لها في نصفها من القيسارية المشتركة بينها وبين مساكين المارستان المخترعة لها وسط سوق الخضر المراكشية دون البقعة المتصلة بقلعتها، وجميع بيت الأرحاء الجديدة المخترعة لها على وادي "تسلطانت" القريب من أرحاء أولاد الأمين محمد بن قاسم القسطلي، وأولاد التاجر عبد الله التنجارفي، المشتمل على أربع مدارات، مع جميع داره المبنية له وجميع العين الكبرى التي تمتلكها من ورثة أحمد بن ربوح الكائنة بالمخالص خارج باب تاغزوت مع جميع أرضها وجنانها ومائها، ما عدا الحظ الواجب لأولاد الولي الصالح السيد أبي عمرو القسطلي بجميع منافع ذلك كله وحقوقه : الداخلية فيه، والخارجية عنه، وما عد، وما نسب إليه بما تحاز به الأوقاف، ويحترم بحرمتها، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها على جامعها السعيد المخترع لها الجديد، بين حومتي باب الرخاء، وباب دكالة من حضرتهم المراكشية الذي هو لكريم جنابها منسوب، ولعظيم أجرها مجلوب، أحيت به ذلك المكان الميت، ألهمها الله قوله :"وما رميت إذ رميت" تأنفت في بنائه، وبلغت الغاية الممكنة في إنشائه، وأمدته بعين آلما لإسباغ الطهور وإرواء الظمأ، فجاء محكم الإنشا، وأغنى عن الدلو والرشا، فما أعظم (منة) منت بها، وأجل قدر هبتها في مواهبها، فالله سبحانه مجازيها عن كل كبد رطبة سقتها، ومشقة صعبة وقتها، بكل صعبة أجرا يقود منها إلى الفضل ألف، ويضاعفه إلى مائة ألف ضعف، وتصير الأوقاف المذكورة بصرف خراجها ومستفادها في مصالح الجامع المذكور من مرتب أئمته وفقهائه وقرائه ومؤذنيه القيمين بسائر وظائفه وإجراء مائه، وإكمال بنائه، قالت : ذلك، وأشهدت به على نفسها حسبما وضعت به خاتمها المتضمن اسمها في أواسط شهر الله المحرم من عام خمسة وتسعين وتسعمائة. (10)
وأما بالنسبة لسوس، فقد عرفت نجوما لوامع في الفكر والثقافة، وكانت هذه النجوم تغذى من قبل الأوقاف، ومن بين اللامعين في سماء المعرفة ببلدة تارودانت (المحمدية) وحدها :

1 – منصور بن محمد المومني (1000هـ/1591م) :
فقد قرأ هذا العالم بسوس ومراكش وفاس قبل أن يستقر بالمحمدية مدرسا للعلوم العقلية، خاصة من منطق وبلاغة وأصول وكلام. (11)

2- سعيد بن علي الهوزالي (1001هـ/1592م ) :
فقد ولي قضاء الجماعة بالمحمدية نيفا وثلاثين سنة، قضاها في تدريس العلوم الشرعية واللغوية والحدب على الطلبة، إذ كان المتصرف في أوقاف التعليم الغنية بهذه المدينة.
وقد ذهب الدكتور محمد حجي إلى أن الهوزاليين كانوا يمثلون إحدى الأسر العلمية بالمحمدية، لهذا العهد، مثلما كان يمثلها في فاس آل الزقاق، وآل ابن القاضي، وآل ابن إبراهيم المشترائيون، منهم :
- محمد بن علي الهوزالي (ت 1012/1604م ) الأديب المعروف بالنابغة، شارح ديوان المتنبي، فهو إلى ذلك الأدب الجم، فقيه مشارك، ولي قبل أن ينتقل إلى بلاط أحمد المنصور في مراكش القضاء ببعض المناطق السوسية، وأسندت إليه الفتوى والتدريس بحاضرة المحمدية، حيث كان يمزج الفقه بل دروس الفقه بالأدب والتاريخ.
- أحمد بن مسعود الهوزالي (ت 1030هـ/1639م ).
- بلقاسم بن أحمد الهوزالي (ت 1048هـ /1639م ).
- منصور الهوزالي (ت 1074 هـ/ 1663م ).
- محمد بن أحمد ابن الوقاد (ت 1001 هـ/ 92- 1593 م) :
"... لم تقتصر دروس ابن الوقاد على ما كان السوسيون يتعاطونه عادة من قراءات، وفقه وقواعد اللغة، وإنما التفسير والحديث والأدب أيضا، وهو أول من قرأ "الجامح الصحيح" للبخاري بتارودانت، قراءة ضبط وإتقان، وخطب فيها ببراعة اللسان. وأول من أحيى ليلة المولد باجتماع الناس في منزله وقراءة قصائد مدحه صلى الله عليه وسلم. (12)

3- عبد الرحمن ابن الوقاد (ت 1057 هـ/ 1547 م ) :
وخلفه في الخطابة والإمامة والتدريس بالجامع الكبير، وكان مثله فصاحة تعبير، وجودة إلقاء، وسعة أفق. وعاش عبد الرحمن بين أظهر سكان المحمدية مد أطول من مدة أبيه ، فأتم مهمة تهذيب الأذواق وتطويع الألسنة على التعبير العربي السليم دون لكنة ولا توقف، وأمسى شيخ المحدثين في القطر السوسي كله.

4 – عبد الرحمن بن محمد التمنارتي (توفي حوالي 1060 هـ/1650م) :
جاء إلى تارودانت عام 991 هـ/1583م وهو ما يزال طفلا ذا ذؤابة، فلازمها سائر أيام حياته طالبا، ثم عالما مدرسا، وقاضيا مفتيا، ومؤلفا لامعا.
وإليه يرجع الفضل في تدوين أخبار الحياة العلمية بالمحمدية وسوس عموما خلال القرن الهجري الحادي عشر.
من بين مؤلفاته : الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة. (13)
كما كان الوقف يساعد على تنمية الثقافة ويشجعها عن طريق الكتب التي توقف من المحسنين، وقد كانت ظاهرة وقف الكتب ظاهرة صحية في هذه الفترة، كما كانت في الفترات التي قبلها.
ونتيجة لذلك، نلاحظ وجود مكتبات عامة أنشئت وشحنت بآلاف المخطوطات بغية مساعدة طالب العلم، وتيسير وسائل المعرفة له، حتى يتمكن من دراسة العلم، ومن بين هذه المكتبات، بناء على ما أورده الدكتور محمد حجي :

1 – مكتبة ابن يوسف بمراكش :

فقد أسس هذه المكتبة السلطان عبد الله الغالب السعدي حوالي 965 هـ/1558م عندما جدد المدرسة الكبرى المتصلة بجامع علي بن يوسف المرابطي، وفضلا عن الكتب التي أوقفها الغالب على هذه المكتبة ظل المؤلفون وغيرهم من العلماء وذوي اليسار يتنافسون في وقف الكتب عليها.
ومن الملاحظ: أن المكتبة العامة بمراكش ما تزال تحتفظ حتى اليوم ببعض الكتب الموقوفة على مكتبة ابن يوسف في العصر السعدي، مثل المخطوطات، أرقام : 385 – 464 – 499.

2 – مكتبة جامع الشرفاء بمراكش :
وهذه المكتبة هي أخت المكتبة السابقة، أسسها في نفس التاريخ عبد الله الغالب وأوقف عليها من نفائس الكتب أكثر، وظل الأمراء السعديون والمحسنون من العلماء والأثرياء يوقفون عليها من أمهات الكتب ما جعلها في الجنوب قرينة مكتبة القرويين في الشمال، ومن هذه المكتبة كان أكثر استفادة أحمد بابا السوداني لتأليف كتبه الشهيرة في التراجم.
ويلاحظ أيضا أن من كتب جامع الشرفاء اليوم في المكتبة العامة بمراكش المخطوطين رقمي : 26و139. (15)

3
- مكتبة الحرم العباسي بمراكش :
أسس هذه المكتبة الأمير أبو فارس عبد الله الواثق بن أحمد المنصور في قبلة الجامع الكبير الذي شيده بجوار ضريح أبي العباس السبتي، وقد عبر أحمد المقري عن كثرة الكتب التي أوقفها أبو فارس على هذه المكتبة بقوله : «وحبس عليها خزائن من الكتب العتيقة فكأنه جمع فيها ما يملأ مكتبات عديدة ».
وقد لاحظ الدكتور حجي: أن كتب هذه المكتبة شتتت في المغرب وإسبانيا، وأن من بين مخطوطاتها الباقية اليوم في المكتبة العامة بمكناس أرقام : 7 – 22 – 224 - 358. وفي الأسكوريال رقم 1840.(16)

4- مكتبة جامح الحرة بمراكش :
فقد أسست هذه المكتبة الحرة مسعودة الوزكيتية أم السلطان أحمد المنصور السعدي، وذلك حوالي عام 995هـ/1587م ، بنتها في قبلة الجامع الذي شيدته بباب دكالة، وأوقفت عليها جملة وافرة من الكتب العلمية، وتنافس في إهداء الكتب العلمية إلى هذه المكتبة كل من : أحمد المنصور، وأبنائه، وأحفاده، وجملة من العلماء والمعنيين.
ومن المخطوطات الباقية من هذه المكتبة اليوم في المكتبة العامة بمراكش : المخطوطات التي تحمل أرقام : 64- 112 – 136. (17)

5- مكتبة الجامع الكبير بالمحمدية :
من تأسيس امحمد المهدي الشيخ حوالي عام 935هـ/1528م عندما جدد بناء مدينة تارودانت، وتوالت العناية بهذه المكتبة من لدن ملوك السعديين، والعلماء السوسيين، والتلمسانيين، والأندلسيين الذين استوطنوا هذه المدينة .
ومن مخطوطات هذه المكتبة الباقية إلى اليوم : مخطوط المكتبة العامة بمكناس رقم : 409، وهو من تحبيس زيدان بن أحمد المنصور.

6 -  مكتبة المسجد الأعظم بمكناس :
أحيى السعديون هذه المكتبة القديمة وأوقفوا عليها العديد من الكتب، وازدادت عنايتهم بها عندما عين الأمير العالم زيدان بن أحمد المنصور واليا على مكناس.
ومن مخطوطاتها الباقية إلى اليوم في المكتبة العامة بمكناس مخطوط رقم 395 وهو من تحبيس الأمير زيدان .(19)
           
7 – مكتبة دار العدة في فجيج :
أسس هذه المكتبة في مطلع القرن العاشر الهجري (16م) الشيخ عبد الجبار بن أحمد العزوزي الفجيجي، وأوقف عليها هو أولاده العلماء كتبا كثيرة، من ضمنها : تآليفهم في التفسير والفقه والأدب.
"حبس على من ينتفع به من الذرية وغيرهم بالنظر فيا ، والاستنساخ منها، إن كان أهلا لذلك، ثم ترد بعد ذلك لمحلها.. معقب مؤبد". (20)

8 – مكتبة الجامع الأعظم بآسفي :
حاول السعديون أن يعيدوا إلى أسفي المحررة حياتها الثقافية الأولى، فجددوا جامعها الكبير ومدرستها ومكتبتها القديمة، وشارك الجمهور في إغناء مكتبة الجامع الأعظم التي لم تستجلب القراء إلا بعد مضي فترى غير قصيرة.
ومن مخطوطات هذه المكتبة الباقية اليوم في آسفي: جزء من "مشارق الأنوار" للقاضي عياض، من تحبيس القائد عبد الله عام 1003 هـ/1594م. (21)

9 – مكتبة الجامع الكبير بالدلاء :
بنيت هذه المكتبة ضمن الجامع الكبير الذي أسسه الشيخ أبو بكر بن محمد الدلائي أواخر القرن 10 بزاوية الدلاء القديمة، وازداد عدد الكتب التي أغناها به أبناء الشيخ، وأحفاده العلماء والأمراء حتى أمست تعد بالآلاف، وشبهها بعض المؤرخين بمكتبة الخليفة الأموي الحكم المستنصر في قرطبة. (22)

10 – المكتبة الملكية بمراكش :
وهي مكتبة خاصة بالمنصور السعدي، وتعد هذه المكتبة أم المكتبات الخاصة في هذا العصر، وأهمها على الإطلاق، حوت من نفائس مؤلفات القدماء والمحدثين ما لم تحوه مكتبة أخرى من قبل في هذا البلد، وأهدى إليها مئات المؤلفين كتبهم من المغرب والمشرق إلى ما حمل لها، وانتسخ لحسابها طوال نحو قرن ونصف.
وبلغت المكتبة السعدية ذروة مجدها مع أحمد المنصور الذي رتب لها في قصره : خطاطين ماهرين للنساخة، وفنانين للتجليد والتزويق، وأخذوا يكتبون بدل المداد بمحلول الذهب والعنبر المسقي بماء الورد، وينشفون بمسحوق الذهب، بدل
التراب، فضلا عن الوراقين المشارقة الذين لم يفتروا عن إمداده بما ينتجون في القاهرة واسطمبول والحرمين الشريفين.
وزاد الدكتور حجي قائلا: "إننا نعتقد جازمين أن الثلاثة الآلاف من الأسفار التي آلت إلى الأسكوريال ليست كل المكتبة الملكية السعدية، ولا تمثل حتى أهم ما كان فيها".(23)
تلكم كانت أهم المكتبات العامة الوقفية - بغض النظر عن المكتبة الخاصة للمنصور - التي قامت بدور فعال في تنشيط الثقافة واستمراريتها، وإلى جانب هذه المكتبات : هنالك مكتبات خاصة تزيد على 100 مكتبة لبعض الخواص في العصر السعدي.
وإذا تأملنا في أثر الظاهرة الوقفية في الثقافة نجدها قد شجعت العلم والعلماء، وساعدت الطلبة في الحصول على نسبة كبيرة من المعارف، مما جعل المغرب قبلة مشرقة مقصودة للنهل من مناهل العلوم .

مصادر البحث ومراجعه :

1 -  رسالة (تنبيه الصغير من الولدان على ما وقع في مسألة الهارب مع الهاربة من الهذيان لمدعي استحقاق الفتوى: آجليان ) ص : 15 من مخطوط رقم : 571 حرف ك، موجود بقسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط .
2 -  انظر المصدر السابق أعلاه ص : 16.
3 -  نفس المصدر السابق ص : 17.
4 - جامع القرويين ، ج : 2 للدكتور عبد الهادي التازي.
5 - روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين مراكش وفاس : لأبي العباس أحمد المقري - المطبعة الملكية بالرباط . (1383هـ/1964م ).
6- الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين : للدكتور محمد حجي (مطبعة فضالة ) شوال 1398هـ/شتنبر 1978م .


________________
1 – في رسالته : (تنبيه الصغير من الولدان على ما وقع في مسألة الهارب مع الهاربة من الهذيان لمدعي استحقاق الفتوى : آجليان) ص : 15 من مخطوط رقم 571 / حرف ك، موجود بقسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط.
2 -  انظر المصدر السابق أعلاه ص : 16.
3 - انظر المصدر أعلاه ص : 17.
4 – انظر حبه لطلبته، وعطفه ومساعدته إياهم، ومختلف الشخصيات العالم التي كانت تحضر دروسه في المصدر السابق أعلاه ص : 19 – 20 – 21 .
5 - في كتابه (جامع القرويين ) ج : 2، ص : 380.
6 - (جامع القرويين ) ج : 2، ص : 380.
7 – (تنبيه الصغير من الولدان على ما وقع في مسالة الهارب مع الهاربة من الهذيان لمدعي استحقاق الفتوى : آجليان) لبي سالم الكلالي : الفصلة الخاصة بهذا في مخطوط رقم 571 / حرف ك، قسم الوثائق بالخزانة العامة بالرباط، وانظر مزيد بيان عن السراج هناك في ص : 20-21.
8 – انظر رسالة :تنبيه الصغير من الولدان.. للكلالي الآنفة الذكر، وكذا (الاستقصا) ج:6، ص: 14، وج:5، ص :145، و(روضة الآس) للمقري ص :316.
10 – انظر نص ديباجة وثيقة تحبيسها في (روضة الآس العاطرة الأنفاس في ذكر من لقيته من أعلام الحضرتين : مراكش وفاس) لأبي العباس أحمد القمري ص : 63-66، المطبعة الملكية بالرباط (1383 هـ - 1964م).
11 – الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين للدكتور محمد حجي ج2، ص :406 (مطبعة فضالة) شوال 1398 هـ/1978م.
12) المرجع أعلاه ونفس الجزء ص : 412 - 413.
13 – المرجع السابق ونفس الجزء أعلاه ص : 406.
14 – في كتابه : الحركة الفكرية بالمغرب في عهد السعديين، ج :1 – ص :185.
15 – انظر هامش رقم 11 من المرجع أعلاه، ونفس الجزء ونفس الصفحة.
16 -  المرجع أعلاه ونفس الجزء ونفس الصفحة، (هامش 13).
17 - المرجع أعلاه ونفس الجزء، ونفس ص ، (هامش 14).
18 -  المرجع أعلاه ص : 86. (هامش : 15).
19 -  المرجع أعلاه ، ونفس الجزء، ونفس الصفحة (هامش : 16).
20 – المرجع أعلاه، ونفس الجزء/ ص :187.
21 – المرجع أعلاه، ونفس الجزء، ص : 186. وهامش 18.
22 – المرجع أعلاه، ونفس الجزء/ ص :187.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here