islamaumaroc

لقاء مع تاريخنا في مسجد الحسن الثاني بالمغرب الأقصى

  عائشة عبد الرحمن بنت الشاطئ

العدد 300 ربيع 1-ربيع 2 1414/ شتنبر -أكتوبر 1993

على موعد قلما أخلفته من شهود الاحتفال بالمهيب بالمولد النبوي الشريف في الربوع المغربية، أذن الله تعالى – له الحمد والمنة – أن أشهده في الليلة الغراء من شهر ربيع الأنوار لهذه السنة القمرية، التي اختارها الملك الحسن الثاني عاهل المملكة المغربية موعدا للاحتفال بإنجاز مسجده الفريد في الدار البيضاء، حيث تتجلى في فيض النور النبوي آية الإسلام الحضارية في عز أصالتها، شموخ عراقتها، وحفزها الطموح الإنساني إلى الآفاق العليا التي استشرفها الإسلام لأمته المنوط بها حمل تكاليف رسالته في صيانة الحياة والعمران، من سفه الجهالة، وزيغ الإلحاد، وتأمين مسعاها الكادح إلى قيمها العليا من لعنة العدمية، وعقم العبثية.
ومن حيث أرابط في الموقع العلمي الجليل بجامعة القرويين العريقة، أتيح لي أن أتابع من قرب مراحل تأسيس بنيان هذا المسجد، وتشييد صرحه الشامخ، منذ أعلن الملك قبل سنتين، عزمه على إقامته - بعون الله - على ساحل المحيط الأطلسي بأقصى المغرب، وليطل من الدار البيضاء على أقرب بلدان الغرب المعاصر، منار حضارة إسلامية عريقة ، وشاهدا على استمرار عطائها الحضاري، ورسالة تواصل وتفاهم تصدق بما سبقها من رسالات الدين الواحد، وتؤمن برسل الله جميعا، "لا ففرق بين أحد من رسله"، وتقدر جهود الإنسان منذ كان، وحيث يكون لكسب المعرفة وتقدم العمران، وتعترف بأن الناس جميعا إخوة لأب واحد وأم واحدة ، أكرمهم عند الله أتقاهم : "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم ".
كان ملحوظا كذلك في اختيار الدار البيضاء مكانا لمسجد الحسن الثاني – إلى جانب خصوصية موضعها على ساحل المحيط الأطلسي لأقصى المغرب وقربها من المغرب المعاصر - أنها العاصمة الاقتصادية الكبرى للمغرب، والمركز لأكثر مؤسساته الصناعية والتجارية، المسيطرة على الوضع الاقتصادي للبلاد، فكان من حقها أن تحظى بمؤسسة إسلامية كبرى، تضفي عليه صبغة إسلامية في زمان مضغوط بجوانب المادية، مفتون بخلابة الحداثة، وليس كالمسجد، بما هو بيت عبادة ودار علم وحكمة ومعهد تربية وسلوك، ما يمنح هذه الصبغة المميزة :"صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون".
في متابعتي لمراحل تشييد هذا البنيان الذي أسس على تقوى من الله ورضوان، كنت متأثرة بلا ريب بما علمته منذ وعيت من موضع المساجد في وجودنا العلمي الإسلامي، وتاريخنا الحضاري، فكانت البطاقة الأولى لمسجد الحسن الثاني في ذاكرتي، يوم أودع الملك ما رصده من ماله الخاص لتكاليف البنيان، وأعلن أنه يترك مجال الاكتتاب مفتوحا لمن شاء من أبناء شعبه للمشاركة في هذا العمل الصالح، كل منهم على قدر وسعه، فلا يستأثر الملك بمثوبة هذه المكرمة، مستجيبا في هذا الإيثار لما يعلمه من مسارعة الشعب المغربي إلى فعل الخيرات، والاستجابة لدعاء بذل في سبيل المكرمات، ابتغاء وجه الله تعالى، فما مضت أيام معدودات حتى سجلت لوائح الاكتتاب أكثر من اثني عشر مليونا من المغاربة، معهم أربعون ألفا من المسلمين وغيرهم، وبلغ ما اكتتبوا به مبلغ ثلاثة آلاف وخمسمائة وثمانية عشر دراهم (3.518.105.603)، فربما أفادت هذه الدراهم الثلاثة في خانة الآحاد منم ألوف الملايين احتمال أن يكون من أهل الخير من اكتتب بدراهم معدودات على قدر وسعه.
ثم كان من شواهد القبول الإلهي لهذا العمل الصالح اكتشاف منجم غني بالرخام النقي النادر قرب مدينة أكادير رصد كله لمسجد الحسن الثاني، فوفى بحاجة أعمدته الرخامية، ولوحاته التي تغطي مائتين وعشرين ألف متر مربع، والتشكيلات الرخامية البارعة لقاعات الوضوء والحمامات وملحقاتها.
وحين أذيع نبأ اكتشاف ذلك النجم الغني تجاوبت آفاق الربوع المغربية بآية القبـول مـن الله تعالـى:"إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه".
احتفل المغرب بوضع حجر الأساس لمسجد الحسن الثاني في اليوم الحادي عشر من شهر يوليو سنة 1986، وأقيمت (أوراش التجهيز)، وجلب إليها أجود مواد البناء، وعبئت كتائب البناة من المهندسين العصريين النخبة، ومهرة المعلمين والصناع التقليديين المغاربة، في ثلاثين ألفا من العمال عكفوا سبع سنين دأبا على إنجاز هذا الصرح الفريد الممثل لأحدث منجزات التكنولوجيا للفن المعماري، وأعرق ميراث أصيل من تجارب الصناعة المغربية التقليدية سايرت حركة الزمن، واستجابت لدواعي التطور، دون أن تفرط في طابعها المتميز في انسجام رائع بين عطاء الجهد المادي للإنسان، وقيمه المعنوية، وتكامل فذ بين عبقرية العمران وآية الإنسان الذي خصه عز وجل بأهليته لكسب العلم، وأناط به عمران الكون، وسخر له كل ما في السماوات وما في الأرض جميعا، ليحقق آية إنسانيته، ويكتشف آيات القدرة الإلهية في الكون والحياة :
وفي كل شيء آية تدل على أنه الخالق
تلقى المسجد الحسن الثاني ذخيرة الميراث المغربي العريق من فن المعمار في بناء المساجد بوجه خاص، حيث تتجلى عبقريته، وتفرد شخصيته، فكانت المساجد من مآثر الدول التي تعاقبت عليه من الفتح الإسلامي حتى العصر الحديث، ومن مفاخر عصورها.
وفي رؤية ملهمة لجلالة الملك الحسن الثاني تطلع إلى تسخير منجزات العصر الحديث لإقامة بيت الله تعالى على الماء، تذكيرا بقوله عز وجل في سورة هود :"وكان عرشه على الماء"... الآية.
وامتد بنيان بيت الله من بر الدار البيضاء إلى ما يليه من ماء المحيط الأطلسي، وأسعفته منجزات العصر بدعم النبيان وتأمينه من رطوبة الماء، ودرجة الزلازل، وطغيان الأمواج، وهوج الأعاصير.
واكتمل البناء وقام صرحه راسخا شامخا، وارتفعت مئذنته مشرئبة إلى السماء بعلو مائتي متر، منار حضارة إسلامية عريقة معاصرة، أصيلة متطورة، مطلة على أقصى غرب العالم الإسلامي على العالم الغربي المعاصر.
وسعيت مع ألوف المدعوين إلى افتتاحه مع الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف في الليلة الغراء من شهر ربيع الأول لهذه السن القمرية.
فهل قلت إنني بما تابعت من قرب مراحل تأسيسه وتشييده واجتليت من قرب عظمة آيته وجلال تفرده؟
فلأقل إذن : إنني لما شهدته في أوج اكتماله، ألفيته تجاوز ما تناهي إليه تصوري، ومثلته لي رؤاي، إذ يعلو الأذان للصلاة فيسيري بي إلى البيت العتيق مع الحشود التي اصطفت في صحن المسجد وأروقته وشرفاته ومقصوراته، متجهة إلى المسجد الحرام تقيم صلاة العشاء في أقصى المغرب، ثم تتابع في خشوع مراسم الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، وتصغي إلى إنشاء الذاكرين مقاطع من قصيدتي :"الشريف البوصيري"، "البردة والهمزية"، والمشهور من معارضات الشعراء لهما، قدامى ومحدثين، ومقاطع أخرى مطولة من (القصيدة المنفرجة ).
بعد ختام الحفل المشهود توزعتنا الربوع المغربية لنشاركها حتى مطلع الفجر مشاهد الاحتفال الشعبي التقليدي بالعيد السعيد.
وأصبحت يوم الثلاثاء على موعد – من حيث لا أحتسب – من زيارة مسجد الحسن الثاني في ضحى الغد على سعة من الوقت، بإذن خاص من الملك حفظه الله تعالى، وأتم عليه نعمته.
وشارفت المسجد ضحى الأربعاء، ليبدأ من مدخله لقائي مع تاريخنا العلمي والحضاري، وموضع المسجد منه على العهد به : بيت الله المطهر للذكر والعبادة، وملتقى الجماعة، ودار علم وحكمة، ومعهد تربية وتزكية، منار هدى لأمته.
على جانب من المدخل الرئيسي لمسجد الحسن الثاني مبنى للمدرسة القرآنية مع كتاب لحفظ القرآن الكريم على مساحة أربعة آلاف ومائتي متر مربع، وعلى الجانب الآخر مبنى على مساحة ثلاثة آلاف ومائتي متر مربع لخزانة المكتبة الإسلامية، وقاعات للندوات والمحاضرات .
وأفضى بنا المدخل عبر ساحة رحبة، إلى صحن المسجد الكبير، تحف به السواري والأعمدة الرخامية على مساحة ثلاثين ألف متر مربع، مع امتداد لمقصورة الصلاة تبلغ بها الطاقة الاستعابية للمصلين في المسجد ثمانين ألفا، فيهم المصليات بشرفتين للسيدات أعلى الرواق الكبير.
وفيما كنت مستغرقة في تأمل الإبداع الفني لسقف الرواق من صحن المسجد، إذا به يتحرك رويدا حتى انفتح كاملا دقيقتين أو ثلاث دقائق على ماء المحيط في متجه القبلة، فليس بيننا في رواق المسجد وبين ملكوت الله تعالى في السماء والبحر حاجز أو حجاب . فكأني فهمت هذه اللحظة الباهرة المغزى العميق لقول جلالة الملك يوم عيد الشباب من خمس سنين يحدث عن رؤيته الملهمة لمسجده المتفرد :
"وفكرت في بناء مسجد بالدار البيضاء هو الآن في طور البناء، سيكون فريدا بأن يقوم بناؤه على سطح الماء تذكيرا بآيته تعالى :"وكان عرشه على الماء"، وليكون المصلي فيه والداعي والذاكر والشاكر والراكع والساجد محمولا على الأرض المطهرة، فأينما نظر وجد سماء ربه، وبحر ربه".
ليس بينه وبين ملكوت ربه في السماء والبر والبحر حاجز أو حجاب.
من ثم ارتقى بنا المصعد الكهربائي إلى الطابق الثاني من المئذنة السامقة المشرئبة إلى السماء، تعرج بنا من البر والبحر إلى الأفق المفتوح إلى غير حد أو مدى، والمجهزة بنظام ضوئي لأشعة الليزر يوجه من بعد إلى القبلة، تنسخ المسافات الشاسعة بين مشرق ومغرب، والآماد المترامية بين ماض وحاضر، فتتراءى لي في جلوة الضحى مساجدنا التاريخية تلتقي في لحظة كلمح البصر، وتحف بالمسجد الجديد عامرة بملايين المسلمين يستقبلون القبلة في البيت العتيق، دعاؤهم (الله أكبر)، ورجاؤهم أن ييسر الله لهم أن يشدوا الرحال إلى المسجد الثلاثة الأئمة، المسجد الحرام بأم القرى، والمسجد النبوي بالمدينة المنورة، فالمسجد الأقصى بالقدس الشريف رد الله غربته.
في الرؤية التاريخية للجبهة المغربية، أنها قدمت عشرة آلاف من جندها البربر البواسل إلى كتائب "طارق بن زياد المغربي" الذي وصل براية الإسلام في حركة الفتوح الكبرى إلى أقصى مدها غربا بالأندلس على حافة بحر الظلمات قبل نهاية القرن الهجري الأول بثمان سنين.
ثم لم يمض قرنان على الجبهة (المغربية الأندلسية) حتى صارت دار قرآن وحديث وسيرة وعربية، ومنار حضارة إسلامية قائدة رائدة أضاءت للغرب الأوربي ظلمات عصوره الوسطى.
وذكرت  - والعهد قريب بعام إسبانيا مهرجان احتفالها بمضي خمسة قرون عل سقوط غرناطة آخر معاقل الإسلام بالأندلس – أن هذه الجبهة المغربية كانت ملاذا للأمة في محنة ضياع الأندلس، ومهاجرا للإسلام دينا ودولة ولسانا وعلما وحضارة وتراثا.
فاليوم - والعالم الجديد يحتشد لحرب الإسلام في معركة التحدي بين القيم وصراع الأضداد - يرتفع منار الإسلام على المحيط الأطلسي في أقصى غرب العالم الإسلامي، أقرب ما يكون إلى أمريكا وأوربا، يتحدى مكايد الصهيونية ، وأحقاد الصليبية، ويكشف عن أبصارنا وبصائرنا غطاء الغفلة، وذرائع التضليل، ويصمنا بقبس من آيات النور:
"في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار". صدق الله العظيم .
   

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here