islamaumaroc

عبد العزيز بنعبد الله صاحب الرسالة العلمية

  عبد الحق المريني

العدد 300 ربيع 1-ربيع 2 1414/ شتنبر -أكتوبر 1993

بسم الله الرحمان الرحيم
عرفت أستاذنا المكرم عبد العزيز بن عبد الله - وأنا مازلت في طور الصبا - من بعيد، رغم العلاقة الدموية التي تربط بين الأسرتين : المرينية والعبدلاوية، وكنت أصادفه غير ما مرة في طريقه إلى سيدي العربي بن السائح لأداء فرض من فرائض الصلاة، أو لقراءة «الوظيفة»، إذ أعرف عنه أنه انخرط في سلك الطريقة التيجانية منذ يفاعته، وكنت أتابع - وأنا في طور الدراسة الثانوية- بعض بحوثه عن الحضارة المغربية ومظاهرها التي كان ينشرها بمجلة «رسالة المغرب" الصادرة في الخمسينات، وكان غالبا ما تتصدر صورته الفوتغرافية – بالبدلة الأوربية – أبحاثه ومقالاته.
وقد وقع اتصالي المباشر به لما كنت أحضر دروسه في الحضارة المغربية بكلية الآداب في الرباط، وأنا طالب بها في أوائل الستينات، وكذلك لما كنت أتلقى عنه دروسا في تاريخ المغرب أنا وزميل ثان لا ثالث معنا عند تهييئنا معا لشهادة إضافية كانت تدعى آنذاك «شهادة تاريخ المغرب ».
يرجع الفضل للأستاذ عبد العزيز بن عبد الله - أحد مربي أجيال الاستقلال - في إلقاء كثير من الأضواء على مناحي مهمة من أوجه حضارتنا، انكب على استخلاصها من كتب التاريخ، ومن مراجع متباينة بين مطبوع ومخطوط، فكان له قصب السبق في هذا الإنجاز التاريخي الهام الذي كشف عن مكونات حضارتنا المغربية، ومختلف تياراتها وأوجهها المتعددة ، وعرف  شباب المغرب وناشئته في عهد الاستقلال بأصناف هذه الحضارة - التي امتد تيارها خارج المغرب - من عملة مغربية، وتقاليد دبلوماسية،* وهندسة معمارية، وبطولة عسكرية، وحياة اجتماعية، ونهضة اقتصادية، وفنون جميلة، وحركات فكرية، وعادات مغربية أصيلة، وصناعات تقليدية، وحديثة، وعلوم إنسانية كعلم الطب الذي خصص له مؤلفا أصدره بعنوان : "الطب والأطباء بالمغرب"، رسم فيه صورة مبكرة عن النشاط الطبي المغربي في مختلف مراحل التاريخ الإسلامي للمغرب، وعلى غرار كتابه عن تاريخ الطب المغربي ألف كتاب : «السفارة والسفراء بالمغرب عبر التاريخ"
وقد مكن اهتمام أستاذنا بتاريخ الحضارة المغربية - حسب ما صرح به في استجواباته الصحفية - من إنجاز موسوعات مغربية للأعلام الحضرية والبشرية، ومعلمات متعددة، كمعلمة المدن والقبائل في المغرب، ومعلمة الفقه المالكي، ومعلمة العلوم، ومعلمة الأدوات المنزلية، ومعلمة أدوات الهندسة المعمارية، ومعلمة المغرب الكبير، ومعلمة اللهجات المغربية (Encyclopédie Maghrébine )، ومعلمة الصحراء.
وعلى ذكر الصحراء فقد ساهم بقلمه في مسيرة الصحراء المغربية بكتاب أنجزه باللغة الفرنسية تحت عنوان : "الحقيقة حول الصحراء: Vérité sur le Sahara)
كما شجع أستاذنا البحث في معالم الحضارة المغربية على التعمق في دراسة تطور الفكر المغربي عبر العصور، وقد جمع محاضراته التي ألقاها في هذا الموضوع على طلبة معهد البحوث والدراسات العربية بمصر في كتاب طبعه تحت عنوان : "تطورات الفكر واللغة في المغرب الحديث" كشف فيه - فيما كشف - عن جوانب غامضة من المقومات الحضرية للجناح الغربي الإسلامي.
وعندما كان استأذنا يدرس تاريخ المغرب في كلية الآداب بالرباط ، ويشرف على قسم التاريخ الحديث والوسيط والقديم كان يتحرى الاستناد على نصوص يأتي بها المؤرخون الفرنسيون، بل كان دائما يربط بين تاريخ الحضارة الإسلامية وتأثيرها في بلورة الحضارة المغربية من جهة أولى - كما ذكر في إحدى حواراته الثقافية - وأبعاد هذه الحضارة في إفريقيا والبحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي من جهة ثانية، وكانت تنشر له جريدة «الاستقلال» الاستقلالية الصادرة باللغة الفرنسية دراسات أسبوعية باللغة الفرنسية جمعها في كتاب عنوانه : "التيارات الكبرى في حضارة المغرب" (Les grands Currants de la Civilisation du
Maghreb)، فند فيه جميع المزاعم التي صدرت عن المؤرخ الفرنسي "هانري تيراس" في مؤلفه عن تاريخ المغرب الذي كتبه بطلب من «الإقامة العامة » - بعد مطالبة المغرب بالاستقلال سنة 1944 - وحمل فيه حملة شعواء على الإسلام والمغرب للنيل من الوحدة المغربية، وبث الشقاق بين أبناء المغرب.
وليعطي أستاذنا دليلا آخر على تمسك المغاربة بوحدة بلادهم وعقيدتهم، واستمرارية دولتهم عبر العصور دون الخضوع لأي تيار خارجي سياسي أو ديني، كتب كتابا من 400 صفحة عنوانه :"العرش المغربي أقدم العروش"، غبر مهمل في نفس المسار للناحية الفكرية، حيث ألف بإزائه كتابا عن «الشعر والشعراء" أدرج فيه لائحة شعراء المغرب من عهد الأدارسة إلى العصر الحديث.
كما قام أستاذنا بتأليف مصنف هام باللغة الفرنسية بعنوان : "الأطروحة الحسنية مبادئها ومفاهيمها" (La Thèse Hassanienne, ses préceptes et ses concepts)  حلل فيه الفكر الحسني منذ ثلاثين سنة خلت من خلال خطب العرش، والاستجوابات الصحفية الملكية، التي لمس عبرها كيف أن الفكر الحسني استطاع أن يطفر بالمغرب طفرة عملاقة، جعلته مهيئا لمواجهة لوازم القرن الواحد والعشرين ومتطلباته.
وسيصدر هذا الكتاب ضمن مجلة "القدس" - في أحد أعدادها الممتازة باللفة الفرنسية - التي أسند إليه جلالة الملك الحسن الثاني والرئيس ياسر عرفات إدارتها.
وتمتاز هذه المجلة ببحوثها ودراستها حول الإسلاميات في العالم الغربي، وفي القارة الإفريقية، وفي المغرب العربي.
ولم يفت أستاذنا في باب كتابة التاريخ أن يتحف مسقط رأسه رباط الفتح والخير بكتاب تاريخي هام : "رباط الفتح بين عاصمة شالة وعاصمة القصبة منذ
ألف عام" قامت بطبعه ونشره جمعية رباط الفتح.
وإزاء تخصص الأستاذ في دراسة الحضارة المغربية، والتيارات الفكرية المغربية، والتاريخ المغربي بصفة عامة، فقد اتجه أيضا إلى دراسة الكتب الصوفية، وجوامع الأحاديث النبوية، والتفاسير القرآنية، للتوفيق بين الفلسفة الإسلامية والمعطيات المعاصرة.
وقد ساعده في هذا الاتجاه دراسته للقرآن مبكرا، وحفظه لمآت من الأحاديث النبوية ومطالعته للكتب الصوفية، بحكم أنه ابن عالم وفقيه ومحدث وحافظ.
وكان من بواكير دراسته الفلسفية كتاب : "الفلسفة والأخلاق عند ابن الخطيب"، ومحاضرات عن الفلسفة الإسلامية، منها: محاضرة ألقاها في مدينة أسفي عن تجربته الجامعية منذ ثلاثين سنة، حلل فيها تطور الفكر الجامعي، حيث لاحظ أنه بدأ في الستينات بالعقلانية والارتكاز عليها، ثم تحول هذا الفكر إلى الحركة الشيوعية بشكلها اللاديني، ثم بدأ يعود إلى الإسلام انطلاقا من الصحوة الإسلامية التي حدت بكثير من المفكرين الأوروبيين إلى اعتناق الإسلام : دين العقل والعلم والأخلاق والعمل.
ولا يخفى على طلاب دار الحديث الحسنية كيف كان أستاذنا يحاول في
محاضراته عن الأصالة الإسلامية، والطرق الصوفية، أن يعرفهم بالفكر الإسلامي الصحيح، ويقنعهم "بضرورة تعزيز هويتنا بمميزات السلف الصالح» و«إعطاء الوجه العصري للإسلام الذي شوهته كثير من النظريات الطائفية»، «فالإسلام دين كل العصور ولا يمكن - يقول أستاذنا المكرم - أن نحقق تطورا ولا رقيا في الإسلام إلا إذا عززناه وطعمناه بالمعطيات الحضارية المعاصرة».
وقد أصدر الأستاذ دراسات بالفرنسية عن هذا الموضوع جمعها في كتاب تحت عنوان : "أضواء على الإسلام" أو "الإسلام في ينابيعه" (Clarté sur l’Islam ou l’Islam dans ses sources)
كما صدر له كتاب آخر باللغة الفرنسية تحت عنوان : «الفكر الإسلامي والفقه الحديث ».
وبحكم دراسته لعلوم اللغة العربية، وتمكنه منها، وبحكم إيمانه العميق بأن الفكر العلمي انطلق في أوروبا من خلال اللغة العربية، فإنه يعتبر أن المقولة بأن اللغة العربية قاصرة أمر غير مطابق للواقع. إذ القصور ليس في اللغة العربية بل في جهل أهلها لها.
وقد درس أستاذنا هذا الموضوع بعمق عندما استخلص عشرات الآلاف من المصطلحات القديمة، ووضعها مقابل مصطلحات حديثة، وأنجز أربعين معجما
بثلاث لغات «العربية، والفرنسية، والإنجليزية » في مختلف العلوم والفنون، مما أهله ليكون عضوا في عدة مجامع لغوية عربية بالقاهرة وبغداد وعمان والهند. ومديرا لمعهد التعريب، ومديرا عاما لمكتب تنسيق التعريب في الوطن العربي التابع للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم مدة من الزمان لا يستهان بها.
ولابد أن نشير في هذه العجالة  إلى المكانة التي تحتلها المرأة المغربية (وهو موضوع الساعة ) عند أستاذنا، فقد خصص لها بحثا قيما في كتابه «المظاهر" تحدث فيه عن عالمات المغرب وأديباته وفقيهاته ومجاهداته ، وأصدر "معجما لأعلام النساء بالمغرب"، وأنجز بحثا عن "المرأة المراكشية في الحقل الفكري" استند فيه على كتاب "شهيرات نساء المغرب" للكانوني: ونشره بمجلة «المعهد المصري للدراسات الإسلامية»، وجعل أستاذنا - "كتاب القصة" أيضا - كل قصصه التاريخية والوطنية التي دبجها تدور حول المرأة المغربية مثل: "غادة أصيلا"، و"الرومية الشقراء"، و"الجاسوسية السمراء" و"الجاسوسية المقنعة"، و"الكاهنة ".
هذا غيض من غيض .
فلا غرو أن يكون عالمنا الموسوعي عضوا في عدة منظمات فكرية وثقافية دولية.
ولا غرو أن يحاضر في عشرين جامعة من مختلف القارات في مجالات اختصاصه المتعدد المناحي.
ولا غرو أن يتبوأ مكانة علمية مرموقة في العالم العربي قلما توفرت لغيره من العلماء.
ولا غرو أن يكون «رجل المهمات العلمية» موضع اهتمام واعتناء وتكريم من طرف مريديه ، فقد أدى «رسالته العلمية» وما يزال خير أداء.
جازاه الله عن هذا الجبل خيرا، وأثابه وأحسن إليه.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

__________________________
• -  نص مشاركة الكاتب في حفل التكريم الذي أقامته جمعية رباط الفتح للأستاذ عبد العزيز بن عبد الله يوم 18 دجنبر 1992.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here