islamaumaroc

ظاهرة المثل في القرآن الكريم.

  علي آيت علي

العدد 300 ربيع 1-ربيع 2 1414/ شتنبر -أكتوبر 1993

قال الله تعالى  في محكم التنزيل :
"ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل" الإسراء :89.
إن المصدر النقلي الأول لشريعة الإسلام هو هذا القرآن المنزل على قلب رسوله الكريم قصد التعبد به، والتفقه فيه، والعمل بمضمونه جملة وتفصيلا.
وكون القرآن قد نقل متواترا – كتابة وحفظا وترتيلا منذ عهد الرسول المصطفى عليه الصلاة والسلام إلى الآن، - فقد وقع الإجماع على قطعية ثبوته، ووجوب العمل بمقتضاه، وأن منكره كلا أو بعضا كافر عند جميع الفرق والمذاهب.
وإذا كان القرآن هو المصدر النقلي الأساسي الأول في جميع القضايا والأحكام فإنه من حيث دلالته على تلك القضايا والأحكام لا يخلو الأمر من حالين :
إما أن يكون لفظا نصا – مصطلح الأصوليين – بحيث لا يحتمل إلا معنى واحدا فقط، فهو حينئذ قطعية الدلالة في إفادة العلم بالمراد، كقوله تعالى : "وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة"، وقوله :" الله لا إله إلا هو الحي القيوم".
وإما أن يكون لفظه محتملا عدة معان، فالمعنى الذي يفيده في تلك الحال ظني، غير مقطوع به، وهو محل اجتهاد علماء الأمة.
والقرآن إلى جانب كونه كتاب عقيدة وشريعة، ومعجزة الإسلام الذي هو?
الخلاصة النقية التي تبلورت فيها آمال الإنسانية على امتداد الزمان والمكان، وتمثلت فيها مطالب الروح والجسد، وكل ما كانت تستشرف إليه البشرية من هداية وأمن وسلام، وأنس، وفضيلة ...
إلى جانب ذلك فهو قمة بلاغية معجزة، وأثر فني خالد، وصل من الرفعة أسمى ما يستحيل أن يصل إليه أثر في لغة الضاد. وقد شاءت إرادة الحق جل جلاله أن يرتفع إلى هذا المستوى الجمالي البديع ، ليتحدى به النبي المصطفى الكريم تلك المثل البلاغية الجاهلية  والتي كانت سلاحا من الأسلحة في حلبة الصراع والفتن الغالبة على الساحة قبل الإسلام، مما أرغم الأعداء على الاعتراف بكونه ليس بقول بشر.(1)
ومن أسلوب القرآن وبيانه المعجز ضرب الأمثال التي كانت حكمة العرب في الجاهلية والإسلام، إن لم نقل حكمة الأمم كلها، إذ بها كانت العرب تعارض كلامها فتبلغ بها ما حاولت من حاجاتها في المنطق بكناية غير تصريح : "فيجتمع لها بذلك ثلاث خصال : إيجاز اللفظ، وإصابة المعنى، وحسن التشبيه (...) وهو من أبلغ الحكمة..."(2)
أهمية التمثيل :
ولما كانت الحقائق المثلى في دلالاتها وأغراضها تكتسي حلة رائقة حينما تصاغ في قالب جميل يجعلها قريبة إلى العقول بقياسها على المعلوم اليقيني فإن التمثيل بقياسها على المعلوم اليقيني فإن التمثيل هو ذلك القالب الذي يبلور المعاني في صورة حية تستقر في الأفهام بتشبيه المعقول بالمحسوس، والغائب بالحاضر، وقياس النظير على النظير: "وكم من معنى جميل أكسبه التمثيل روعة وجمالا، فكان ذلك أدعى لتقبل النفس له، واقتناع العقل به، وهو من أساليب القرآن الكريم في ضروب بيانه ونواحي إعجازه".(3)
روى الإمام البيهقي عن أبي هريرة (ض ) أن النبي صلى الله عليه وسلم  قال : "إن القرآن نزل على خمسة أوجه : حلال وحرام، ومحكم ومتشابه، وأمثال، فاعملوا بالحلال، واجتنبوا الحرام، واتبعوا المحكم، وآمنوا بالمتشابه، واعتبروا بالأمثال".
ولذلك ذهب الإمام الشافعي إلى أن مما يلزم المجتهد معرفته من علوم القرآن معرفة ما ضرب فيه من الأمثال الدوال على طاعته المثبتة لاجتناب معصيته، وترك الغفلة عن الحفظ، والازدياد من نوافل الفضل. (4) وقال الماوردي :"من أعظم علوم القرآن علم أمثاله". (5)
قال تعالى : "وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون". (6)
فما معنى المثل؟
من منظور بعض علماء اللغة نجد أن المثل – بفتح الميم وكسرها – والمثيل كالشبه والشبه والشبيه لفظ ومعنى. (7)
أما أبو هلال العسكري فيقول :" الفرق بين "المثل" – بالتحريك – الصفة، فقال تعالى :" مثل الجنة التي وعد المتقون" (8)، أي صفة الجنة، وقولك : ضربت لفلان مثل، معناه أنك وصفت له شيئا (..) قال تعالى : "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا"، (9) ومعلوم أن حاملي التوراة لا يماثلون الحمار، ولكن جمعهم وإياه صفة، فاشتركوا فيها". (10) غير أن المحققين لغويا على أن "المثل" – بكسر الميم – عبارة عن شبه المحسوس، وبفتحها عبارة عن شبه المعاني المعقولة، إذ لو كان "المثل" – بالكسر – و"المثل" بالفتح سيان للزم التنافي بين قوله عز وجل:" ليس كمثله شيء"، (11) وبين قوله تعالى :" ولله المثل الأعلى"، (12) وإن الآية الأولى نافية للمثل، والثانية مثبتة له.. إلخ (13).
وأعتقد أن مذهب الإمام "فخر الدين" قد فرق بينهما تفريقا مسايرا لما عليه جمهرة أهل اللغة، حيث رأى أن "المثل" بالكسر يكون مساويا للشيء في تمام الماهية، و"المثل" – بالتحريك – هو الذي يكون مساويا له في بعض الصفات الخارجية.
وذهب علماء البيان إلى كون التشبيه أعم من التمثيل، فكل تشبيه تمثيل دون عكس، أي بينهما عموم وخصوص من وجه، إذ التمثيل مختص بما كان وجه الشبه فيه منتزعا من متعدد كقول الله عز وجل : "ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل".
وعليه، فإن التمثيل في لفة الضاد هو من ضروب الاستعارة غالبا، وكلاهما من التشبيه، إلا أنهما بغير أداته، وعلى غير أسلوبه، كقول طرفة بن العبد البكري الوائلي من أصحاب المعلقات السبع :
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا  ويأتيك بالأخبار من لم تزود
لأن المعنى: ستبدي لك الأيام كما أبدت لغيرك، ويأتيك بالأخبار من لم تزود، كما جرت عادة الأيام بذلك، وقد درج ابن قتيبه هذا البيت ضمن الأبيات التي لا مثيل لها.(17)
وهو عند بعضهم :(18) المماثلة، كقوله تعالى : "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم فى ظلمات لا يبصرون". (19) فقد شبهت حال المنافقين بحال من استوقد نارا إلى آخر الآية، بجامع الطمع في حصول شيء بوشرت أسبابه، وهيئت وسائله، ثم تلا ذلك كله الحرمان والخيبة لانقلاب الأسباب، وتقويض أركانها رأسا على عقب. أما غير التمثيل فما كان بخلاف ذلك، كقولنا مثلا :"فلان كالسيف المضاء".
وقد عقد أبو هلال العسكري اللغوي المدقق الأديب في كتابه القيم:" الفروق في اللغة"، بابا حول الفرق بين المثل، والشبه، والتنظير، والعديل، والند، وما يخالف ذلك من المختلف، والمتضاد، والمتنافي، وما يجري مجرى ذلك :"فعلى طلبتي اقتناء هذا الكتاب ولو بسواد العين، فهو كتاب جيد  في بابه لا يستغنى عنه دارس لغة الضاد".
ولما كان المثل السائر يتميز بنوع من الغرابة، فقد استعير لفظ "المثل" في القرآن للحال، والصفة، والقصة، إذا كانت عجيبة الشأن...
ومن استعارته للحال وقوله تعالى : "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا"، (19) أي حالهم العجيب الشأن كحال الذي استوقد نارا.
أما استعارته للوصف فكقوله تعالى : "وله المثل الأعلى"، (20) أي الوصف الذي له شأن وأي شأن، وقوله :"كمثل العنكبوت اتخذ بيتا". (21)
وأما استعارته للقصة : فمنها قوله تعالى : "مثل الجنة التي وعد المتقون"، (22) أي فيما قصصنا عليك من القصص العظيمة الشأن، قصة الجنة العجيبة، ثم أخذ في بيان عجائبها: "فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة لشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات". (23)
وحتى لا يتوهم أن في وصف الشيء وحاله تداخلا نقول :
من المعلوم المقرر عند أهل الجهة أن الوصف إذا ذكر فإنه يشعر بالأمور الثابتة الذاتية، أو ما قاربها من جهة اللزوم للشيء وعدم الانفكاك عنه، وأما الحال فإنه يطلق على ما يلتبس به الشخص مما هو غير ذاتي له ولا لازم، فهما متغايران، وإن أطلق أحدهما على الآخر، فإنما هو إطلاق مجازي.(24)
ضروب الأمثال في القرآن :
بالنظر إلى التمثيل في القرآن نجد أنه أنواع ثلاث : الأمثال المصرحة، الأمثال الكامنة، والأمثال المرسلة.

النوع الأول : الأمثال المصرحة في القرآن :
وتسمى بالظاهرة ،(25) وهي ما صرح فيها بلفظ المثل، أو ما يدل على التشبيه، وهي في القرآن كثيرة جدا، نكتفي بذكر نموذجين منها حسب ما يسمح به الوقت، فأقول :
إن الله عز وجل ضرب الأمثال في الكتاب الكريم، وصرفها قدرا وشرعا، وأرشد بها عباده إلى العظة والاعتبار، وقياسهم الشيء على نظيره، والاستدلال بالمثيل على مثيله، ولا يعقل ذلك إلا العالمون. فانظروا مثلا إلى تصوير الفرقان حال المنافقين المستبطنين أخبث الكفر، والمظهرين الإيمان خدعة ونفاقا، فاستحبوا العمى على الهدى، بعدما استوضحوا الأمر وتبينوه.
قال تعالى :"مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون، صم بكم عمي فهو لا يرجعون، أو كصيب من السماء فيه  ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين. يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير".(26)
تأملوا معي هذا التصوير الرائع لحال المنافقين من خلال هذه الآيات البينات فهم بتظاهرهم بالإيمان يحسبون أنهم يخادعون الله، وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون، فضرب الله حالهم بحال قوم وقعوا في ظلمات واقية ، فتدبروا أمرهم ، وتأهبوا بكل ما يملكون من وسيلة لإيقاد النار يستضيئون بها حتى يكونوا بمنجاة من الأخطار الحائقة بهم في غمرة هذه الظلمات، فلما أضاءت ما حولهم، تبينوا مواقع أقدامهم، وهموا بما لم ينالوا، ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون.
فالتعبير بلفظ "استوقد" دون "أوقد" أبلغ وأروع في تصوير المثل ليدل على حقيقة المثل له، فليس معنى "استوقد" رديفا لمعنى "أوقد" متحدا معه في المعنى، وإنما دلالة "استوقد "أوسع مدى، وأدق في الدلالة على المعنى المقصود من التمثيل، لكون "استوقد" يشعر بالإعداد والأهمية وقوة الإيقاد، مما ينشأ عنه عموم الإضاءة مختلف الجوانب.
وعلم الدلالة يقر أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، وذلك في أسلوب القرآن لازم مطرد، فلا  تجد فيه كلمة بلغت في البناء منتهى صياغتها، مساوية في أداء المعنى لكلمة أخرى من مادتها لم تقع فيه، وقصرت في بناءها عن صيغة أختها. وكبار علماء اللغة ومحققوها على أن الترادف مطلقا في القرن معدوم أو نادر.
ثم تدبروا معي في التمثيل نفسه قوله تعالى :" ذهب الله بنورهم" دون أن يقول :"ذهب الله بنارهم" لأن قصدهم من استيقاد النار هو النور للإضاءة، فذهب الله بما فيها من الإضاءة، وبقيت لهم النار بين أيديهم تأكل أنفسهم وتحرقها، ووقعوا في تيه من الحيرة والدهشة، واستولى عليهم الرعب والفزع وهم يرون أصل النور، ولا نور.
وفي هذا المثل لطيفة بيانية من لطائف التعبير القرآني المعجز حين قال تعالى :" ذهب الله بنورهم" دون أن يقول :"أذهب الله نورهم"، لأن قوله تعالى : "ذهب الله بنورهم" يفيد أن الله جل جلاله انتزع النور منهم، وصرفه إلى حيث شاء، فلا مطمع لهم في رده عليهم أبدا، لكنوهم يعلمون ألا سبيل لهم إلى الله بعد الكفر به والطغيان، بل إن معنى التعبير القرآني أدق وأعمق لأنه يفيد أن الله تعالى ذهب بالنور، وحجبوا عنه بظلمات النفاق، ولله المثل الأعلى.
أما التعبير الثاني "أذهب الله نورهم" فإنه يفيد أن الله عز وجل أزال عنهم النور بإطفائه، وذلك من شأنه ألا يقطع طمعهم وأملهم فيما يتعللون به من أسباب يستعيدون بها النور. ولهذا الملحظ البياني عقب سبحانه في الآية بما يفيد تيئيسهم من عودة النور إليهم حين قال :"وتركهم في ظلمات لا يبصرون"، فهذه حال من أبصر ثم عمي، وعرف ثم أنكر، ودخل في الإسلام ظاهريا ثم فارقه بقلبه، فقد عطلوا آذانهم وألسنتهم وعيونهم، فلا رجعة لهم إلى الحق ، ولا أوبة لهم إلى الهدى، ولا هداية لهم إلى النور.(27)
ثم ذكر حالهم بالنسبة إلى المثل المائي، يصورها ويرسم ما في نفوسهم من اضطراب وحيرة وقلق، فقال تعالى :
"أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت" إلى "إن الله على كل شي ء قدير"، وبهذا "شبههم بأصحاب صيب، وهو المطر الذي يصوب ،( 28) أي ينزل من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق، فلضعف بصائرهم وعقولهم اشتدت عليهم زواجر القرآن ووعيده وتهديده وأوامره ونواهيه، (...) فحالهم كحال من أصابه مطر، فلضعفه وخوره جعل أصبعيه في أذنيه، وغمض عينيه خشية من صاعقة تصيبه...".(29)
قال السيد "قطب" معلقا على هذا المثل : إنه مشهد عجيب، حافل بالحركة، مشوب بالاضطراب، فيه تيه وضلال، وفيه هول ورعب، وفيه فزع وحيرة، وفيه أضواء وأصداء، صيب من السماء هاطل غزير "فيه ظلمات ورعد وبرق" .30 إهـ.
ومن ضرب المثل للكافر قوله تعالى :"يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذون منه ضعف الطالب والمطلوب". (31)
ما أعظم كتاب الله عز وجل، وأبلغ مقاله، وأروع بيانه، وأخلد مثله .
حقيق على كل إنسان أن يفتح سمعه وبصره لهذا المثل لرباني، ويتدبره بتؤدة ووعي وحصافة ، فإنه - إن فعل - يقطع دابر الشرك من قلبه بهذا التمثيل الذي يعلن بالمحسوس عن ضعف الآلهة المدعاة من أصنام وأوثان وأشخاص وقيم، ومن بينها تلك التي يستنصر بها كفار قريش، فالبيان المعجز يعلن للعالمين عن هذا الضعف في صورة مثل معروض للأسماع والأبصار، مصور في مشهد شاخص تتملاه العيون، وتتأمله القلوب، مشهد يصور الضعف المزري، ويمثله أبرع تمثيل، لكونه يضع قاعدة ، ويقرر حقيقة بقوله : " إن الذين تدعون من دون اللهلن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له"، فتلك الآلهة التي يعبدها المشركون من دون الواحد الأحد لن تقدر على خلق الذباب ولو اجتمعت كلها لذلك، واستعانت بمن شاءت من إنس وجن، لأن الذباب نفسه في طيه لغز وسر عجيب، سر الحياة والخلق، فيستوي في استحالة خلقه مع الجمل والفيل... ولكن الأسلوب القرآني المعجز اختار الذباب الصغير الحقير القذر، إذ العجز عن خلقه يلقي في النفس والعقل ظلالا من الضعف أكثر مما يلقيه العجز عن خلق غيره كالجمل والفيل.. دون أن يخل ذلك بالحقيقة في أبهى جمالياتها، وأرق التعبير عناه، وهو من الأسلوب القرآني العجيب. (32)
ثم إن هذه الآلهة لا تقدر على الانتصار من الذباب إذا سلبتها شيئا، وهو من أضعف المخلوقات، فلا أعجز من هذه المعبودات، ولا أضعف منها، ولا أحقر، فكيف يستحسن عبادتها من دون الله من له مسكة عقل، وقلة إدراك.
ثم ختم الحق سبحانه وتعالى هذا المثل المصور الموحى بتعقيب سوى فيه بين العابد والمعبود في الضعف والعجز وفقدان القدرة :"ضعف الطالب والمطلوب"، فقرر لذلك ما أوحى به المثل من دلالات إلى البصائر والمشاعر والأحاسيس. (33)

النوع الثاني : الأمثال الكامنة أو الضمنية في القرآن :
ونعني بها غير المصرح فيها بلفظ التمثيل، ولكنها تدل على معان رائعة في إيجاز واف، لها وقعها البالغ إذا نقلت إلى ما يشبهها، ولا أطيل النظر في تحليلها، فيكفي لإدراك جمالها وبراعتها التي لا تعارض أن توضع في إطارها جملة لتؤلف صورة واضحة كاشفة، معبرة عن نفسها تعبيرا أقوي وأبلغ، ومن أمثلة هذا النمـوذج : (35)
1 – قوله تعالى في وصف بقرة بني إسرائيل :
"لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك". (36)
2) وقوله تعالى في شأن الصلاة : "ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وابتغ بين ذلك سبيلا".(37)
3) وقوله تعالى في كيفية الإنفاق : "ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط ".(38)
4) وقوله تعالى في معنى "ليس الخبر كالعيان":
"قال أو لم تومن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي" .(39)
5) وقوله تعالى في معنى قول البخاري(*) "كما تدين تدان":
"من يعمل سوءا يجز به ".(40)
6) وقوله تعالى في معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين" (41).
"قال هل آمنكم عليه إلا كما أمنتكم على أخيه من قبل"...إلخ .(42)

النوع الثالث : الأمثال المرسلة في القرآن :
(43)
وهي حملة أرسلت إرسالا من غير تصيح بلفظ التشبيه، فهي آيات جارية مجرى الأمثال عند بعض العلماء، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى :
"قضي الأمر الذي فيه تستفتيان". (44)
"أليس الصبح بقريب". (45)
"لكم دينكم ولي دين ". (46)
"لكل نبأ مستقر". (47)
"ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله". (48)
"ما على الرسول إلا البلاغ ".
"لا يكلف الله نفسا إلا وسعها".(49)
"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان". (50)
لتمثيل في الكلام يكسب الدلالات ميزة خاصة، ويجعل لها في القلوب والنفوس نشوة وارتياحا فإنك إذا تأملت حالك وحال المعنى قبل التمثيل، وبعده، ترى البون شاسعا والتمايز كبيرا.
تأمل الفرق بين أن تقول : فلان يكد نفسه في قراءة الكتب ثم لا يفهم منها شيئا، وبين أن تتلو قوله تعالى : "مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا". (51)
فإنك بلا شك تدرك بعد ما بين حاليك، وشدة تفاوتهما في تمكن المعنى في نفسك، وتحببه إليك، وتثبته في قلبك، وتوفيره لأنسك. (52)
فإذا جاء التمثيل في باب المدح كسا المعنى حلة من الجمال والبهاء كقوله تعالى :"مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات". (53)
وإن جاء في باب الذم كان وقعه أشد إيلاما كما ورد في سورة الأعراف بخصوص الغاوين :
" واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث". (54) وإن جاء في مقام الاحتجاج كان باهر البيان، قوي الحجة والدليل كقوله تعالى : "مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون". (55)
وإن جاء في مقام الوعظ كان أبلغ في التنبيه والزجر كقوله عز وجل بخصوص وصف نعيم الدنيا :
"اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والأولاد كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما". (56)
وإن جاء في موضع الاعتذار سحر العقل، وسلب القلب، وسل السخيمة، وأزال الضغينة والموجدة، وهكذا دواليك في مختلف فنون القول وضروب الكلام .(57)
تنبيه :
لا يوجد الاعتذار في القرآن الكريم إلا حكاية عن أصحاب المعاذير الكاذبة، والتعلات الخاطئة، ليكون الاعتذار حجة عليهم، فهو في الظاهر اعتذار، وفي الواقع احتجاج، كقوله تعالى عن حالة المعرضين عن دعوة لا إله إلا الله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم :
"وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون".(58)
ورد في كلام الزركشي (59) أن من حكمة "المثل" تعليم البيان، وهو من خصائص هذه الشريعة، والمثل أعون شيء على البيان بسبب كونه يصور المعاني المجردة تصور الأشخاص، فإن الأعيان أثبت في الأذهان لاستعانة العقل فيه بالحواس، بخلاف المعاني المعقولة فإنها مجردة عن الحس، ولذلك فهي دقيقة، ولا ينتظم مقصود التشبيه والتمثيل إلا إذا كان المثل مسلما عند السامع .
وفي ضروب الأمثال من تقرير المقصود ما لا يخفى على كل ذي عقل سليم، وفكر راجح، إذ المقصد من المثل تشبيه الجلي بالخفي، والشاهد بالغائب، فالمرغب في الإيمان مثلا إذا مثل له بالنور تأكد في قلبه المراد، والمزهد في الكفر إذا مثل له بالظلمة تأكد قبحا في نفسه.
وفيه أيضا تبكيت الخصم، وقد أكثر الله عز وجل في القرآن من هذا التمثيل بناء على ما فيه من بيان بديع.
قال الزمخشري رحمه الله : «التمثيل إنما يصار إليه لكشف المعاني، وإدناء المتوهم من المشاهد، فإن كان المتمثل له عظيما كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرا كان المتمثل له كذلك، فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إلا بأمر استدعته حال المتمثل له، ألا ترى أن الحق لما كان واضحا جليا تمثل له بالضياء والنور، وأن الباطل لما كان بضده تمثل له بالظلمة، وكذلك جعل بيت العنكبوت مثلا في الوهن والضعف".(60 )
وبعد، فإن العقل البشري حين يتجاوز مجال إدراكه الحسي يقع في المتاهات، وعندما يقصر عن إدراك الحقيقة وفهمها يتعطل تفكيره، فتنتابه حيرة، ويتيه في عالم الضلال، وحينئذ يشق الفسوق والعصيان سبيلهما إلى أعماق القلوب وأغوار النفوس الضعيفة الإيمان، فيسوقانها سوقا إلى ساحة الكفر والبهتان ...
من أجل هذا وذلك كانت الأمثال في القرآن علاجا لكل صنف، ولأجل هذا المقصد كذلك جاءت لتحض على الإيمان، وتفضح أرباب النفاق، وتحث على الإحسان، وتمثل بالكفر وذويه، وتندد بالظلم وأصحابه، وترشد إلى الحق، وتنير الطريق، وتلبس المعنوي ثوب المحسوس، وتظهر المعقول في صورة مادية شاخصة، وتدحض مزاعم الجاحدين المنكرين بالدليل والبرهان حتى تتجلى الحقيقة خالصة، والغاية تامة كاملة، والحجة دامغة ثابتة .
والإنسانية المعذبة اليوم في ضميرها، المضطربة في أنظمتها وأنسقتها، المتداعية في أخلاقها وقيمها، لا عاصم لها من الهاوية التي تتردى فيها إلا القرآن.
قال تعالى : "فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى". (61)


______________
(*) هذا الموضوع افتتحت به السنة الجامعية الجديدة بكلية اللغة العربية بمراكش يوم 15-10-92.
1 -  انظر: د/ البيهقي  "تاريخ الشعر العربي الجاهلي" ص : 113- ط / مطبعة السنة المحمدية _ القاهرة : 1386هـ - 1961م .
2 - السيوطي: المزهر 1/ 486- ط / دار إحياء الكتب العربية - القاهرة (د. ت . ط ).
3 - القطان : مباحث في علوم القرآن ص : 286- ط 2/ مكتبة المعارف - الرياض ، 1988.
4 – الزركشي  : البرهان في علوم القرآن 1/486 – ط1 / دار إحياء الكتب العربية – القاهرة 1957.
5 – السيوطي : الإتقان في علوم القرآن 4/38 – ط1 / مطبعة المشهد الحسيني – 1387 هـ - 1967.
6 – سورة العنكبوت  - الآية : 43.
7 – ابن رشيق : العمدة 1/280 – ط5 / دار الجيل – بيروت : 1981.
8 – سورة محمد – الآية :15
سورة الرعد  - الآية : 35
9 – سورة الجمعة  - الآية : 5.
10 – أبو هلال العسكري : الفروق في اللغة ص : 147.
11 – سورة الشورى – الآية : 15.
12 – سورة النحل – الآية : 60.
13 – البرهان : 1/488.
14 -  للتوسع في دراسة ظاهرة المثل يراجع "إعراب القرآن" للنحاس 1/ 398. 2/360. 379. 3/201 "أمال الزجاجي" ص : 91. 113. 129. 143. 184. 200. 205. 253. 254  "أمال القالي" 2/11 – 12.  "الإتقان"  4/38 وما بعدها.
"البرهان" 1/486- 491. "الأضداد في اللغة"  لابن الأنباري ص : 131 – 134. ط / دار الجيل، الكويت 1960.
"تفصيل آيات القرآن الحكيم" (جول لايوم ) ترجمة محمد فؤاد عبد الباقي ص : 484 - 491، ط / بيروت (د.
ت . ط ). "رسالة الأمثال البغدادية"  للقاضي الطالقاني - ط / القاهرة 1911. "العقد الفريد" لابن عبد ربه -
"فهرس الأمثال" 7/166 – 169... إلخ . "العمدة"لابن رشيق 1/277 – 286. ط5/  دار الجيل – بيروت : 1981.
"مجمع الأمثال" للميداني. "الكامل" للمبرد 1/ 205 – 207. ط / نهضة مطر (د. ت . ط ). "الفوائد الجميلة على الآيات الجليلة" للشوشاوي، تحقيق ذ. إدريس عزوزي ص : 161. 190. 195. 211. 257. "النهاية
في غريب الحديث والأثر" لابن الأثير – 4/294 - نشر المكتبة الإسلامية _ ط 1/1963. "مجلة البينة" س 1، ع6، ص: 112-116. "مجلة البحث العلمي" الرباط : س 2، ع6، ص : 114 – 143. "أعلام الموقعين" لابن القيم 1/150 وما بعدها - ط / شركة الطباعة الفنية المتحدة - القاهرة : 1388/1968.
15 -  سورة البقرة _ الآية : 256.
16 -  من البحر الطويل ، "عيون الأثر" لابن قتيبة 2/91 - ط / دار الكتاب (د. ت . ط ).
17 -  المصدر نفسه ، "العمدة "  1/280.
18-  نفسه : 1/277-286.
19 – سورة البقرة – الآية : 17. وقد ذكر الدامغاني أن مادة (م.ث.ل) وردت في القرآن على أربعة أوجه : الأول :المثل بمعنى السن، انظر الآيات:  البقرة 244، النور :34، الزخرف:8. ثانيا : المثل :العبرة، انظر الآيات : الزخرف :56 -59. ثالثا : الصفة، الآيات : الفتح:29، العنكبوت : 34، الحشر :21. رابعا : المثل : العذاب، الآيات، إبراهيم :25، الفرقان:9. "قاموس القرآن" للدامغاني الحنفي 428-429.
20 – سورة النحل – الآية : 60.
21 – سورة العنكبوت – الآية : 41.
22 – 23 - سورة محمد – الآية : 15.
29) لمزيد بيان ، البرهان : 1/489.
29) نفسه : 1/486.
28) سورة البقرة ~ الآيات : 67. 20.
27 - القرآن العظيم وهدايته وإعجازه في قول المفسرين، لمحمد الصادق مرجون ، ص : 166 _ 169، ط / دار الاتحاد العربي للطباعة /196.
28 -  بابه : قال .
29 -  ابن القيم / أعلام الموقعين 1/151. ط / القاهرة 1388/1968.
30 - في ظلال القرآن : مج 1/64. ط / دار الشروق /1982.
31 - سورة الحج - الآيتان : 73-74.
32 – في ظلال القرآن، مج 4 /2444.
33 – أعلام الموقعين : 1/182-183.
34 – هناك حوار شيق بين مضرب بن إبراهيم، والحسين بن الفضل حول الأمثلة الكامنة في القرآن الكريم، انظر البرهان 4/ 41-43.
35 – الإتقان : 4/41-43 مباحث في علوم القرآن، ص : 285-286.
36 – سورة البقرة – الآية : 68.
37 -  سورة الإسراء _ الآية : 110.
38 - سورة الإسراء _ الآية : 29.
39 -  سورة البقرة _ الآية : 260.
(*) في كتاب التفسير باب ما جاء في فاتحة الكتاب 5/646.
40 -  سورة النساء _ الآية : 123.
41 -  البخاري: 87. كتاب الأدب : 7/103. مسلم / كتاب الزهد: 4/2295.
42 -  سورة يوسف _ الآية : 64.
43 -  الإتقان 4/ 43_ 45.
44 -  سورة يوسف _ الآية : 41.
45 -  سورة هود _ الآية : 81.
46 -  سورة الكافرون _ الآية : 6.
47 -  سورة الأنعام _ الآية : 67.
48 -  سورة فاطر _ الآية : 43.
49 -  سورة البقرة _ الآية : 286.
50 -  سورة الرحمن - الآية : 60.
51 – سورة الجمعة – الآية : 5.
52 – في موضوع تأثير التمثيل في النفس، انظر أسرار البلاغة" للجرجاني ص : 60-106.
53 – سورة محمد – الآية :5.
54 – سورة الأعراف – الآيتان : 174-175.
55 – سورة العنكبوت – الآية : 41.
56 – سورة الحديد – الآية : 20.
57 -  أسرار البلاغة : 83 وما بعدها، علوم البلاغة : للمراغي ص : 234.
58 -  سورة فصلت _ الآية : 5.
59 -  البرهان : 1/487-488.
60 -  البرهان : 1/488.
61 -  سوره طه - الآيتان : 123- 124.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here