islamaumaroc

حل الشريعة الإسلامية لأزمة الإنسان الحضارية

  محمد يعقوبي خبيزة

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993


تميهيد:
إن تفاعل الإنسان مع الساحة الحضارية تفاعلا إيجابيا مثمرا لحضارة إنسانية لابد وأن يقوم على أساس عقائدية متميزة.
وعبر المسيرة البشرية الطويلة اختلفت الحضارات في هويتها العقائدية، فنتج عن ذلك اختلافها في المردود العام على الإنسانية، ومدى ما حققته لإنسانها من شقاء أو سعادة.
ومهما اختلفت تلكم العقائديات وتنوعت، فإنه يمكن إرجاعها إلى صنفين رئيسيين هما:
1- العقائدية الربانية التي يعبر عنها الوحي الإلهي إلى مختلف رسله عليهم السلام بالصيغة التي بعث بها كل رسول في زمانه إلى أن أخذ تشكله وتمركزه الأخير بالوحي المحمدي وشريعته السمحة الخالدة على يد سيدنا محمد "، الذي كانت رسالته خاتمة لقافلة النبوات والرسالات السماوية، والذي استطاع أن ينشئ تلكم الحضارة الإسلامية الرائعة التي عم إشعاعها الساحة الحضارية خلال ما يسمى بالقرون الوسطى.
2- العقائدية المادية التي تلغي جانب الغيب من الحساب. فتلغي –نتيجة لذلك – الإيمان بالله وجدارة وحيه سبحانه إلى مختلف رسله عليهم السلام في توجيه الإنسان... وتعتمد على الحوار مع الطبيعة الصماء للوصول – بمنهجها التجريبي – إلى ما تعتبره حقائق في سائر الميادين... وهذه العقائدية المادية تعتبر عنها
المذاهب الوضعية على اختلاف عناوينها عبر التاريخ إلى أن أخذت تشكلها وتمركزها الأخير في الحضارة المعاصرة تحت عنوانين رئيسيين هما: «الإيديولوجية الرأسمالية» و«الإيديولوجية الشيوعية».
ولئن كانت تلكم العقائديات الوضعية قد استطاعت أن تغني الجانب المادي والعملي من حياة إنسان الحضارة المادي والعملي من حياة إنسان الحضارة المعاصرة – فإنها قد فشلت فشلا ذريعا في أن تحقق له ما ينشده من سعادة حقيقية، بل إنها قد جعلته يعاني من جرائها أزمة حضارية خانقة....
ولذلك فإننا –نحن المسلمين- نرى ضرورة أوبة الإنسانية إلى رحاب الشريعة الإسلامية، لما لذلك من اعتبارات مبدئية تجعل من هذه الشريعة الملاذ الوحيد لإنقاذ الإنسانية، ولما لها من مميزات وخصائص تجعلها كفيلة بتحقيق سعادة الإنسان سعادة حقيقية، وحل أزمته الحضارية.
وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: (فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى. قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى وكذلك نجزي من أسرف ولم يومن بآيات ربه ولعذاب الآخرة أشد وأبقى). طه: 123 – 127.
ومساهمة مني في التذكير والإقناع بضرورة أوبه الإنسانية إلى رحاب الشريعة الإسلامية لحل أزمة الإنسان الخانقة في ظل حضارته المعاصرة فإني أدير حديثي حول محورين رئيسيين مخصصا لكل محور حلقة على حدة على صفحات هذه المجلة، وذلك وفق الخطة التالية:
أولا:
• العقائديات الوضعية هي سبب أزمة الإنسان الحضارية .
• المنهج التجريبي أساس العقائديات الوضعية.
• شقاء الإنسان بالعقائديات الوضعية.   
 ثانيا:
• الشريعة الإسلامية هي المؤهلة لحل أزمة الإنسان الحضارية.
• اعتبارات تجعل الشريعة الإسلامية هي ملاذ الإنسانية.
• خصائص الشريعة الإسلامية تجعلنا كفيلة بحل الإنسان الحضارية.
وبالله التوفيق ومنه نستمد العون والهداية.

- العقائديات الوضعية هي سبب أزمة الإنسان الحضارية:
تنطلق الحضارة المعاصرة –كما قلنا- في توجيه حياة إنسانها – على مختلف  
المستويات والأصعدة – من عقائديات وضعية: رأسمالية شيوعية، وذلك بسبب اقتصارها على المنهج التجريبي بحثا عن الحقيقة في مختلف مجالات المعرفة، مما كانت نتيجته – من الزاوية الإسلامية – تلكم الأزمة الحضارية التي يكتوي بلظاها إنسان الحضارة المعاصرة، وهذا وذاك يجعلنا نقول: إن الاقتصار على المنهج التجريبي هو أساس العقائديات الوضعية، وأن هذه العقائديات الوضعية، وأن هذه العقائديات هي سبب شقاء الإنسانية وما تعانيه من أزمة حضارية.

- المنهج التجريبي أساس العقائديات الوضعية:
 فمن نافلة القول أن نذكر بأن الشريعة الإسلامية –الممثلة في نصوص الوحي من كتاب وسنة – قد أولت لملكة العقل ما تستحقه من عناية توجيهية فائقة، (1) وذلك حتى يستخدمها الإنسان في إدراك الحقائق الكونية، والنواميس الطبيعية، والحكم التشريعية... فيلمس من خلال ذلك كله وجود الله بأدلة قطعية، واتصافه بجميع صفات الكمال الربانية... وتحقق ظاهرة النبوة، وما يجب لأصحابها الكرام البررة من كمال الصدق، وأداء أمانة الرسالة، والعصمة التامة من أية معصية... (2) في نفس الوقت الذي يوظف فيه الإنسان هذه الملكة فيما يعود عليه وعلى مجتمعه وعلى الإنسانية بالخير العميم والمنافع الشاملة.... فتزكو بكل ذلك حياة الإنسان الروحية والمعنوية والمادية... وتزدهر مختلف نواحي الحضارة في دائرة العبودية لله سبحانه عبودية مطلقة...
 وصدق الله العظيم القائل في محكم التنزيل: ?ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرج به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود، ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله غفور رحيم? فاطر: 27/28.
 ولذلك فقد كان علماء الإسلام في العصر القيادي للحضارة الإسلامية ينطلقون في طمأنينة وثقة من تأييد شريعتهم للعلم، وإكبارها للعقل، فينظرون في الظواهر الكونية بعقلية جديدة متحررة. ويمارسون التجارب العلمية بكل ما أمكنهم في دقة... وبذلك قدموا جديدا أصلا في العلوم الطبيعية والرياضيات والفلسفة... ودخلوا التاريخ العلمي روادا  لآفاق لم يستشرف لها أحد قبلهم، فكانوا هو الذين أصلوا المنهج التجريبي الاستقرائي،وأعطوا الإنسانية أوليات الكتب العلمية في الطب والتشريح والصيدلة والكيمياء والطبيعة والفلك والملاحة والجغرافيا، وقدموا مخترعاتهم من أجهزة التجربة العلمية والرصد الفلكي والخبرة الجغرافية والملاحية... وبفضلهم تم نقل العلوم الطبيعية إلى مجال البحث التجريبي الذي لم تعرفه الفلسفة اليونانية بمنهجها العقلي النظري.(3)
 يقول الأستاذ «بريفولت» في كتابه: «بناء الإنسانية».
 وقد نظم اليونان المذاهب وعمموا الأحكام ووضعوا النظريات... ولكن أساليب البحث في دأب وأناة، وجمع المعلومات الإيجابية وتركيزها، والمناهج التفصيلية للعلم، والملاحظة الدقيقة المستمرة، والبحث التجريبي، وكل ذلك كان غريبا عن المنهج اليوناني تماما، ولم يقارب البحث العلمي نشأته في العالم القديم إلا في الإسكندرية في عهدها الهيليني.
 أما ما ندعوه (العلم) فقد ظهر في أوربا نتيجة لروح من البحث جديدة، ولطرق من الاستقصاء مستحدثة بطرق التجربة والمقاييس وتطور الرياضيات إلى صورة لم يعرفها اليونان، وهذه الروح وتلك المناهج أوصلها العرب إلى العالم الأوروبي». (4)
 وهكذا يمكننا القول بأن المنهج العلمي التجريبي قد نشأ على أيدي المسلمين بتوجيه من القرآن والسنة المنطلقين الرئيسيين للشريعة الإسلامية...
 وعلى إثر الحروب الصليبية منذ القرن الرابع عشر الميلادي انتقل ذلكم المنهج التجريبي – مقطوعا عن جذوره الإيمانية – إلى أوربا، فوجدها خاضعة للكنيسة ومالها من تفسيرات بشرية للأناجيل المحرفة عمل رجال الدين على نشرها وحمايتها... باعتبارها تراثا دينيا مقدسا، وعملت سلطة النظام الإقطاعي على الدفاع عنها باعتبارها مساعدة كل المساعدة على تخدير العقول والأفئدة تخديرا يمكنها من استمرار فرض نفوذها.
 فلما أخذ ذلكم المنهج التجريبي العلمي الإسلامي يؤتي ثماره الإيجابية في العقلية الأوروبية بالبحوث والاكتشافات في مختلف الميادين العلمية وقفت الكنيسة في وجه هذا الاتجاه الجديد وقفة عنيفة، وقابلت نتائج بحوث الطليعة من العلماء الأوروبيين بعداء وجفوة، مستعينة بسلطة نظام الإقطاع لإخماد صوتهم بمختلف ألوان التنكيل والعذاب، والقضاء على النخبة منهم بالإعدام بتهمة الهرطقة والإبتداع....
 وتحت وطأة العقد النفسية التي تكونت للأوروبيين إزاء الكنيسة – نتيجة ما عانوه من تحالفها مع نظام الإقطاع من ضغط واستبداد خلال العصور الوسيطة، وإرواء لتعطشهم الظامئ إلى المعرفة، ومشايعة منهم للموجة العلمية الجديدة. – فقد كان من الطبيعي أن ينساق الفكر الأوروبي مع كل ما يخلصه من سيطرة الكنيسة وتراثها، وما تحتمي به من سلطة، ويدفع به قدما إلى اقتحام مختلف مجالات العلم والمعرفة...
 وبناء على ذلك فإن الفكر الأوروبي أساس قيادة في بداية الأمر على العقل مع الفلسفة المثالية للبحث في المجالات التي لا تخضع للتجربة الحسية، ووقف بجانب العلم التجريبي يؤيده ويسانده فيما يرومه من الكشف عن الظواهر الطبيعية بمناهجه العلمي وسائله المخبرية، مما جعل مصادر المعرفة خلال عصر التنوير الأوربي دائرة بين العقل والتجربة الحسية.
 حتى إذا ما كان القرن التاسع عشر وقف الفكر الأوربي، مبهورا أو مغرورا بما استطاع العلم التجريبي أن يحققه من نتائج واقعية ومخترعات آلية...، ليعلن على لسان فلاسفته الماديين بأن العلم هو ما تناول المحسوس، وأنه هو وحده القابل للمعرفة بإخضاعه للتجربة والملاحظة... بل إن الطبيعة والبيئة الاقتصادية – بصفة خاصة – هي التي تكون عقل الإنسان نفسه، وتشحنه بما فيه من معرفة وعواطف وميول... تنعكس على سلوكه، أما ما يملى عليه من ذاته – مما يسمى عقلا مجردا، أو من وراء الطبيعة مما يسمى وحيا ودينا – فكل ذلك مجرد خداع أو تخييل للحقيقة، وليس من الحقيقة في شيء!!!    
 وفي ذلك يقول د. محمد غلاب:
 «... بيد أن الغرب لم يقف بالعلم عند هذا الحد، بل اغتر بتلك النتائج الواقعية التي ظهرت أمامه من العلم فحسب أن في مكنته أن يتناول كل ما في الوجود، وأنه يستطيع أن يخضع لسلطانه السماء كما أخضع الأرض، وأنه قادر على أن يجني أمام التجربة رأس المعنويات كما أحنى رأس المحسات، وأن له الحق في أن يفرض نفسه على كل شيء لكي يصدر كلمته الحاسمة بإزاء كل موجود...
وعندما وصل التطرف في الغرور بالغرب إلى هذا الحد، أعلن أن العالم المحس الخاضع للتجربة هو وحده الحقيقة القابلة للمعرفة، بل هو وحده الموجود. وأن العالم الوحيد الذي يمكنه أن يتصل به الإنسان هو العالم المحس، وأن العلم يأبى أن يواجه غير هذا العالم، لأن من العبث أن يواجه الأخيلة الأحلام التي لا تنضوي تحت راية الحقائق الواقعية»(6)
وتطبيقا لهذه الفلسفة المادية فقد أصبحت المعرفة – حتى ما كان منها من صميم العلوم الإنسانية – كالتاريخ وعلم الاجتماع وعلم النفس والأخلاق خاضعة لمناهج مهما كان حظ العقل فيها ضعيفا، فإنها مطبوعة بالطابع المادي، ومتفقة على إلغاء الوحي وتعاليمه من الحساب مادام في مصدره وحقيقته وتحققه لا يخضع للتجربة الحسية، ويستعصي إدراكه على الوسائل المخبرية.
ولم يقف الفكر الأوروبي في تطبيق الفلسفة المادية في مختلف مجالات المعرفة، وإنما تعداه إلى ابتداع مذاهبه الوضعية من اشتراكية ورأسمالية لتحل – بزعمها – محل الوحي وتعاليمه في تنظيم الحياة الإنسانية والدفع بها قدما إلى تحقيق ما تصبو إليه من أمن ورخاء وسعادة، في ظل ما تبشر به من عدالة اجتماعية!!
وهكذا أعرض الفكر الأوربي – بصفة عامة – في تاريخه الحديث عن الوحي وتعاليمه، فلم يعتمده مصدرا للمعرفة حيث أصبحت مناهجها دائرة بين العقل، والتجربة الحسية تنتهي أخيرا إلى المادية الصرفة كما لم يعتمده في إقدامه على تنظيم الحياة العامة حيث أصبحت مؤطرة بمذاهبه الوضعية.(7)
وهكذا يمكننا القول بأن المنهج التجريبي الذي نشأ على أيدي المفكرين المسلمين – بتوجيه من الشريعة الإسلامية- قد فقد جذوره الإيمانية عند المفكرين الغربيين في ظل حضارتهم المادية المعاصرة. فكان من نتائج ذلك نشأة العقائديات الوضعية المادية المختلفة..

شقاء الإنسانية بالعقائديات الوضعية:
ولقد كانت الحضارة التي نعيشها حضارة مادية لأنها تنطلق في توجيه حياة إنسانها من عقائديات وضعية متعددة: رأسمالية وشيوعية واشتراكية... وهي عقائديات مهما اختلفت في مضامينها، فإنها تشترك في استبعاد الوحي الإلهي عن أن يكون مصدرا لأية معرفة يقينية، وعدم الاعتراف لتعاليمه بأية جدارة في توجيه حياة الإنسان الواقعية... ونتيجة لذلك فإنها تتجه إلى الحوار مع الطبيعة للوصول إلى ما تعتبره حقائق يقينية، تفسر لها الكون مصدرا ومدبرا، والحياة غاية وهدفا، والإنسان طبيعة ومصيرا، وعلى ضوء هذا التفسير تضع من القيم الحضارية، وتشيد من المؤسسات الاجتماعية، وتسن التشريعات القانونية ما تحاول أن تؤطر به الحياة الإنسانية على سائر المستويات والأصعدة.
 ولقد أتيح لكل من تلكم العقائديات المادية أن تعرف التطبيق العملي في نختلف المجتمعات المعاصرة – شرقية غربية – لفترة من الزمن طويلة مكنت النبغاء من المفكرين أن يقيموها تقييما واقعيا، فيحكموا على مدى ما حققته لإنسانها من اطمئنان واستقرار وسعادة، أو مدى ما جرته عليه من قلق واضطراب وشقاوة.
وتكاد تجمع أقوال أولئكم النبغاء من المفكرين على نتيجة مركزة وهي: تلكم العقائديان الوضعية إن استطاعت أن تثري الجانب المادي والعملي من حياة إنسان الحضارة المعاصرة فإنها قد فشلت فشلا ذريعا في أن تحقق له ما ينشده في سعادة حقيقية، بل إنها قد جعلته يعيش في ظلها أزمة حضارية خانقة.
 ونحن هنا لا نستثني المجتمعات الإسلامية مما يعانيه إنسان الحضارة المعاصرة بصفة عامة... وذلك أنه قد أتى على المسلمين حين من الدهر عشوا فيه عن  الاستعمار والحرب، وأباحت له أن يشبع غرائزه كما يريد ويجب، مستخدما في جميع ذلك كل ما استطاع العلم التجريبي أن يهيئه له من آلات تقنية، ومعدات حربية، ووسائل للرفاهية المادية، والمتعة الحسية...
 ... ومع كل ذلك، فإن إنسان الحضارة المعاصرة لم يستطع أن يستأصل نداء الفطرة من نفسه، وأن يلغي التطلع إلى قوة عليا كامنة في أعماق وجدانه... ولذلك فإنه قد شعر بأن الحضارة التي يعيشها – بفلسفتها المادية ومذاهبها الوضعية- قد كبتت الجانب المعنوي في شخصيته، ففشلت فشلا ذريعا في تحقيق ما يصبو إليه من أمني نفسي، وطمأنينة قلبية، وسعادة حقيقية... وأنها قد أوقعته في أزمة حضارية خانقة.
 وإن مما تسجله الإحصاءات الرسمية من زيادة مطردة في نسبة المصابين بالأمراض العقلية، والمقدمين على الانتحار لأسباب عديدة، والغارقين في إدمان المخدرات والمواد المسكرة، والمحترفين لأنواع الجرائم والجنايات المختلفة، لأكبر دليل على ما يعانيه إنسان الحضارة المعاصرة من تشنجات عصبية، واضطرابات نفسية، وأزمات روحية، جعلت الرئيس «نكسن» يعبر عن هذه الوضعية المأساوية التي يعيشها إنسان الحضارة المعاصرة بهذه الكلمة الوجيزة: «إننا نجد أنفسنا أثرياء في البضائع، ولكننا ممزقون في الروح، وإننا لنصل بدقة إلى القمر، ونسقط هنا في متاعب كثيرة على الأرض».
 أما السبب في تلكم المتاعب التي تشقي إنسان الحضارة على الأرض، ومن يتحمل مسؤوليتها. وما هو السبيل للخلاص من شرورها ومضاعفاتها... حتى لا تؤدي إلى نسف هذه الحضارة من أساسها. فهو ما نلمحه عند «د. أليكسيس كاديل» في كتابه: «الإنسان ذلك المجهول» وذلك حيث يقول: «إن الحضارة العصرية لا تلائم الإنسان، لأنها تكونت دون معرفة بطبيعته الحقيقية، وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة لحجمنا وشكلنا، وإنا لقوم تعساء لأننا نتخبط أخلاقيا وعقليا، وإن الجماعات التي بلغت فيها الحضارة الصناعية ذروة النمو والتقدم هي الآخذة في الضعف، والتي ستكون عودتها إلى الوحشية والهمجية أسرع من سواها...
إن العلم والتكنولوجيا ليس مسؤولين عن حالة الإنسان الراهنة، وإننا نحن المسؤولون، لأننا لم نميز بين الممنوع والمشروع... يجب أن نعيد إنشاء الإنسان في تمام شخصيته الإنسان التي أضعفتها الحياة العصرية، ومقاييسها الوضعية».(8)
نعم، يجب لإنقاذ إنسان الحضارة المعاصرة من المتاعب التي يعاني منها في ظلها، بل ومن المصير المظلم الذي يتوقعه لها مفكروها (9) العمل على إعادة إنشاء الإنسان في تمام شخصيته الإنسانية التي أضعفتها الحياة العصرية ومقاييسها الوضعية... وذلك بالعودة بها إلى التمييز بين الممنوع والمشروع على أساس معرفة دقيقة ومستوعبة لطبيعة الإنسان الحقيقية...
ولكن ما السبيل إلى ذلك يا ترى؟ هل هو في تلفيق عقائدية منتقاة من العقائديات الوضعية الموجودة؟ أو في وضع عقائدية جديدة؟ أم ماذا؟
 ...هذا ما نجيب عنه – إن شاء الله – في الحلقة القادمة...
                   

________________
1) انظر بحتنا: «توجيه الشريعة الإسلامية لمختلف جوانب الشخصية الإنسانية»: «توجيه الشريعة الإسلامي لحياة الفرد العقلية» (لم ينشر بعد).
2) انظر بحثنا: ظاهرة الوحي... ونقض الشبهات المعرضين ضد نبوة سيدنا محمد ". (لم ينشر بعد).
3) انظر: «القرآن وقضايا الإنسان» للدكتورة عائشة عبد الرحمن ص: 213/214.
4) نقلا عن «الإسلام ومشكلات الحضارة» لسيد قطب ص: 34.
5) انظر: «أثر العرب في الحضارة الأوروبية العقاد». و«مقدمة في المنهج» د. عائشة عبد الرحمان و«مناهج البحث عند مفكري الإسلام واكتشاف المنهج العلمي في العالم» د. علي تسامي النشار.
6) «المعرفة عند مفكري المسلمين» ص:143/144. وانظر: «الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي» د. محمد البهي. ص: 19 وما بعدها.
7) انظر:«المستقبل لهذا الدين» لسيد قطب. وخاصة فصل: الفصام النكد».
8) «الإنسان ذلك المجهول» د. الكسيس كاريل. تعريب: ذ. شفيق أسعد فريد.
9) انظر التفصيل في «الفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر»: «مشكلات الحكم والتوجيه والفكر الإسلامي والمجتمع المعاصر: مشكلات الأسرة والتكافل». وكلاهما للدكتور: محمد البهي. و«الإسلام ومشكلات الحضارة» سيد قطب. و«محاضرات في الإسلام والتيارات المعاصرة» ذ. عمر بهاء الدين الأميري.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here