islamaumaroc

القضاء في الإسلام

  الحسن اليوبي

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993


1- تعريف القضاء:
القضاء لغة يفيد معاني متعددة، فقد يأتي بمعنى الأمر والإلزام كقوله تعالى: { وقضى ربك إلا تعبدوا إلا إياه }، (1) وقد يأتي بمعنى الأداء، قال تعالى: 
}فإذا قضيتم مناسككم{، (2)  كما يأتي بمعنى الهلاك كما في قوله تعالى: }وكانت القاضية{(3).
ويطلق لفظ القضاء في الاصطلاح الفقهي على الحكم والفصل في الخصومات، فقد عرفه ابن رشد بقوله: «حقيقة القضاء: الإخبار عن حكم شرعي على سبيل الإلزام»، (4) وعرفه ابن طلحة الأندلسي بأنه (الدخول بين الخالق والخلق ليؤدي فيهم أوامره وأحكامه بواسطة الكتاب والسنة). (5) كما عرفه ابن عرفة بقوله: «صفة حكيمة توجب لموصوفها نفوذ حكمه الشرعي ولو بتعديل أو تجريح لا في عموم مصالح المسلمين».(6)

2- القضاء قبل الإسلام:
عرف العرب القضاء في جاهليتهم واعتمدوا على عاداتهم الموروثة لفض ما كان يحدث بينهم من نزاع وخلاف، وكان القضاة هم رؤساءهم وشيوخهم ومن عرف بينهم برجاحة العقل وحصافة الرأي والإصابة في الحكم.
ومن طرقهم المعروفة في القضاء:

- الحكومة:
وهي تحكيم قبيلة معروفة بالنباهة والمكانة المرموقة بين القبائل المغربية، ومن القبائل التي تولت الحكومة قبيلة بني سعد بمكة.

- الاحتكام:
وهو تحكيم الكهان، وكان الناس في الجاهلية يعتقدون أن لهم صلة بالجن وقدرة خارقة على معرفة أسرار الأمور وبواطنها بالفراسة وغيرها.

- الحلف:
وهو اللجوء إلى التعاهد على رفع الظلم ونصر المظلون، فقد تعاهد الزعماء من قريش على نصرة المظلوم مهما كانت قبيلته، وعرف هذا الحلف بحلف الفضول. وتذكر المصادر سببا لهذا الحلف يتلخص في أن رجلا قدم من اليمن إلى مكة ببضاعة فباعها لرجل من بني سهم فرفض المشتري دفع الثمن للرجل اليمني، فاستدعى عليه أشراف مكة، وكان هذا الحلف، وقد حضره الرسول قبل بعثته وذكره بعد بعثته (ص) بخير قائلا: «شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم».

3- القضاء في عصر الرسول وعصر الخلفاء الراشدين:
إن الشريعة تمثل القاعدة الأساسية المنظمة لجميع المؤسسات داخل الأمة الإسلامية، سواء الاجتماعية منها أو السياسية أو الاقتصادية، كما أنها قاعدة يقوم عليها تنظيم العلاقات والمعاملات بين أفراد المجتمع وغيره من المجتمعات الأخرى الإسلامية وغير الإسلامية. فالشريعة وحدها صاحبة السيادة، والحاكم ليس إلا قائما على حدود الله وحدود طاعته، والمحكومون مأمورون بطاعة الحاكم في نطاق المشروعية، يقول (ص): «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ومن أمر بمعصية الله فلا سمع له ولا طاعة».
ومن الأهداف الأساسية للشريعة الإسلامية تحقيق المساواة، وإقرار العدالة بين أفراد المجتمع، ولذلك أمر الرسول بتبليغ الرسالة، ومباشرة الحكم بين الناس، وأمر الناس بطاعة الله وطاعة رسوله، هذه الطاعة التي تتجلى في قبول
أحكامه والتسليم بها، قال تعالى: (فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما).(7)
 وقد باشر الرسول القضاء بين الناس واستمد أصول قضائه من الكتاب، عملا بقوله تعالى: (فاحكم بينهم بما أنزل الله)(8) وبقوله (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) (9)
كما اعتمد (ص) على اجتهاده، وله مجموعة من القواعد الأساسية في مجال القضاء كقوله: »البينة على من ادعى واليمين على من أنكر«. وقوله: »إذا جلس بين يديك الخصمان فلا تقض حتى تسمع كلام الآخر كما سمعت كلام الأول«.
ولما استمع رقعة الإسلام عين الرسول بعض الصحابة لحكم والقضاء في البلدان البعيدة، وشجعهم على الاجتهاد في نطاق الشريعة. فقد عين معاذ بن جبل قاضيا على اليمن وقال له: كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بما في كتاب الله، قال: فإن لم يكن في كتاب الله: قال فبسنة رسول الله(ص)، قال: فإن لم يكن في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، قال معاذ: فضرب رسول الله (ص) صدري وقال: الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي الله ورسوله. (10) ولما توفي الرسول وتولى الخلافة أبو بكر سار على نفس النهج السابق حيث كان رضي الله عنه يتولى القضاء بين الناس، كما عين قضاته أنس بن مالك وعمر ابن الخطاب.
إلا أن القضاء في عهد أبي بكر لم يشهد تطورا يذكر بسبب انشغاله بحرب الردة من جهة، وبسبب ورع الناس في هذا العصر وقلة الخصام والتنازع بينهم.
ولما تولى عمر بن الخطاب شهد التنظيم القضائي تطورا ملحوظا دعا إليه اتساع رقعة الحكم وتعدد أعباء الولاة ومهامهم، وتجلى هذا التطور في فصل القضاء عن الولاية وإحداث الاختصاص في المجال القضائي، فقد عين عمر قضاة للنظر في الخصومات المالية دون الجنايات والدماء.
وقد كان الرسول والخلفاء من بعده يقضون بالمسجد غالبا إلى أن تولى عثمان ابن عفان فأحدث دارا للقضاء. وكنوا يعتمدون في قضائهم على الكتب والسنة، 
اجتهدوا اجتهادا جماعيا، كما عملوا بالاجتهاد الفردي عند الضرورة. وإلى عصر الخلفاء الراشدين وعهد عمر بالتحديد تعود وثيقة مهمة في الميدان القضائي، وهي رسالة عمر بن الخطاب في القضاء، تحدث فيها عن أهمية القضاء وعن أدب القاضي، وأبرز فيها القواعد التي يعتمدها القاضي في الفصل بين الخصوم ودعاه إلى الاجتهاد للوصول إلى الحق. ونظرا لما لهذه الرسالة من أهمية نورد نصها فيما يلي:
«أما بعد، فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدلي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له.
آس بين الناس في مجلسك وفي وجهك وفي قضائك حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف في عدلك.
البينة على من ادعى واليمين على من أنكر، والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا أحل حراما أو حرم حلالا، ومن ادعى حقا غائبا أو بينة، فاضرب له أمدا ينتهي إليه، فإن بينه أعطيته بحقه، وإن أعجزه ذلك استحللت عليه القضية، فإن ذلك هو أبلغ في العذر وأجلى للعلماء.
ولا يمنع قضاء قضيت فيه اليوم فراجعت فيه رأيك فهديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل، والمسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجربا عليه شهادة زور، أو مجلود في حد أو ظنينا في ولاء أو قرابة، فإن الله تعالى تولى من العباد السرائر وستر عليهم الحدود، إلا البينات والأيمان.
ثم الفهم فيما أدلي إليك، مما ورد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق. وإياك والغضب والقلق والتأذي بالناس، والنكر عند الخصومة، فإن القضاء في مواطن الحق مما يوجب الله به الأجر، ويحسن به الذكر، فمن خلصت نيته في الحق – ولو على نفسه – كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس في نفسه شانه الله، فإن الله تعالى لا يقبل من العباد إلا ما كان خالصا.
فلو ظنك بثواب عند الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام ».
ونشير إلى أن هذه الرسالة تعرضت لكثير من طرف بعض الفقهاء والمستشرقين، فقد كذب ابن حزم نسبتها إلى عمر، وذهب إلى أنها مكذوبة وموضوعه على عمر، وطعن في سندها بقوله:
«وهذه رسالة لم يروها إلا عبد الملك بن الوليد بن معدان عن أبيه هو 
مثله في السقوط».  
وينبغي أن لا ننسى أمام هذا الطعن أن ابن حزم ظاهري، منكر للقياس والاجتهاد بالرأي الذي تنص عليه الرسالة.
ومن الذين طعنوا في هذه الرسالة من المستشرقين جولد تسيهر ومتز وملفوزن.
وقد اعتمد هؤلاء في طعنهم على أدلة وحجج نلخصها فيما يلي:
1- إن عصر عمر لم يستقل فيه القضاء، وهذه الرسالة خاصة بالقضاء، وجهها عمر إلى أبي موسى للقاء في عهد عمر شك، فقد ولاه إمرة البصرة.
2- إن عمر لم يعمل بما ورد في هذه الرسالة في قوله: «المؤمنين عدول بعضهم على بعض« بالإضافة إلى أن هذا القول معارض لما نص عليه الكتاب في قوله تعالى:{وأشهدوا ذوي عدل منكم» (11) وقوله: {ممن ترضون من الشهداء}.(12) إلا أن هذه الطعون كلها غير كافية للقول بأن الرسالة موضوعة, وأن نسبتها غير صحيحة. فقد أوردة الرسالة كثير من الفقهاء ممن يعترف بكفاءتهم, ونصوا على أنها رسالة من عمر إلى أبي موسى, ومن هؤلاء ابن القيم وابن فرحون.
والقول بأن القضاء لم يكن مستقلا في عصر عمر صحيح, فالوالي كان يقوم بشؤون الولاية ويباشر القضاء قي وقت واحد، ولكن هذا لا يؤثر في صحة الرسالة ونسبتها، فأبو موسى الأشعري كان وليا لعمر. ومن الطبيعي أن يراسل عمر واليه ويرشده في شؤون القضاء التي يباشرها ضمن اختصاصات الولاية.
أما الدليل الثاني الذي يسوقه الطاعنون ويرون فيه أن عمر لم يعمل بها بما ورد في هذه الرسالة حول اعتبار المسلمين بعضهم عدولا على بعض فهو يقول يحتاج إلى توضيح:
فعمر في رسالته نص على قبول شهادة المسلمين بعضهم على بعض إلا المحدود منهم أو المشكوك في عدالته، وهذا يتعارض – في رأي الطاعنين – مع ما ورد في الموطأ من أن رجلا من أهل العراق ورد على عمر فقال: لقد جئتك بأمرنا له رأس ولا ذنب، فقال عمر: ما هو؟ قال: شهادات الزور ظهرت بأرضنا، فقال عمر: أو قد كان ذلك؟ قال: نعم، فقال عمر: «والله لا يؤسر رجل في الإسلام غير العدول».
وفي رأينا أن هذا الحديث ليس دليلا للطاعنين بل دليل عليهم، فهو يشير إلى أن العمل كان جاريا بنا كان في رسالة من قبول شهادة المسلمين بعضهم على بعض، وهو شيء نلمسه في قول الرجل « شهادات الزور ظهرت بأرضنا» وقال عمر: «والله لا يؤسر رجل في الإسلام بغير العدول» تصريح من عمر على رجوعه كما كان عليه الأمر من قبل، نظرا لما طرأ على الناس من تغيير، وهذا هو شأن المجتهد المدرك لمرونة الشريعة الإسلامية وصلاحية أحكامها لكل زمان ومكان. فرجوع عمر عن اجتهاده لضرورة اقتضتها مصالح الناس لا يمكن أن يعتبر دليلا على أن هذه الرسالة موضوعة بأي حال من الأحوال.
وقد سجل الفقهاء هذا الرجوع على عمر. فابن فرحون يورد رسالة عمر ويعلق عليها بقوله: «قال ابن سهل: وقول عمر رضي الله عنه في هذه الرسالة: المؤمنون عدول بعضهم على بعض، رجع عمر عن ذلك بما رواه مالك في الموطأ» ثم يورد ما سبق من قدوم الرجل العراقي ويقول: «وهذا يدل على رجوعه عن ما في هذه الرسالة. وحول ذلك نقله ابن عبد الحكم عن عمر». (13) 
ولكن ابن فرحون لم ير في رجوع عمر في اجتهاده ما يمس بصحة الرسالة أو يطعن في قيمتها.
ولا نرى تعارضا بين قول عمر في رسالته: »المسلمون عدول بعضهم على بعض« وبين قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم}، فالنص القرآني اشترط العدالة، وعمر قد رأى في قوله السابق أن الناس في عصره وفي مجتمعه عدول، وعندما لمس ما يطعن في عدالتهم من شهادتهم للزور رجع عن اجتهاده. (14)

4- حكم القضاء ومشروعيته:
  القضاء في الإسلام فرض كفاية يتحول إلى فرض عين عندما يتعين له شخص قد توفرت فيه شروط ولا يوجد من يعوضه، فإذا رفضه أجبر عليه خوف الفتنة وضياع الحقوق، يقول صاحب البهجة: «وهو من فروض الكفاية حيث تعدد من فيه أهليته وإلا تعين حينئذ ولزم المتعين أو الخائف فتنة إن لم يتول أو ضياع الحق القبول والطلب وأجبر عليه وأن يضرب». (15)
والقضاء ضروري لقيام المجتمع «لأنه فيه أمرا بالمعروف ونصرة للمظلوم وأداء الحق إلى مستحقه، وردا للظلم من ظلمه، وإصلاحا بين الناس وتخليصا لبعضهم من بعض».(16) فطبيعة التبادل والتعامل    بين الناس تدفعهم إلى التنازع فيحتاجون إلى من يفض هذا التنازع بينهم. يقول ابن فرحون: «وأما حكمته فرفع التهارج ورد النوائب، وقمع الظالم، ونصر المظلوم، وقطع الخصومات، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. (17)
ويقول البهجة: «وإنما كان فرضا لأن الإنسان لا يستقل بأمر دنياه فيكون طحانا خبازا جزارا حراثا مثلا، وبالضرورة يحصل التشاجر والخصام فاحتيج إلى من يقطع ذلك».(18)
وقد ورد آيات وأحاديث في الكتاب والسنة تنص على مشروعية القضاء ولزومه.
فمن أدلة الكتاب قوله تعالى: (يا داوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله) (19) وقوله تعالى:(فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما). (20)
ومن أدلة السنة قوله (ص): «إذا جلس القاضي للحكم بعث الله إليه ملكين يسددانه، فإذا عدل أقاما وإن جار عرجا وتركاه». وقد كان الرسول (ص) أول قاضي في الإسلام يقضي بين المتنازعين وولى غيره على القضاء، كما قضى الخلفاء الراشدون من بعده، وولوا القضاة. واستمر القضاء مع استمرار الدول الإسلامية وتوالي العصور، فلم يشهد التاريخ مجتمعا إسلاميا استغني فيه عن القضاء، وحظيت ولاية القضاء باحترام وتقدير كما حظيت باهتمام الفقهاء الذين عكفوا على البحث والتأليف، مستهدفين التكوير والتجديد لتكون أحكام القضاء مواكبة لما يحدث في حياة المجتمعات من تغيرات اجتماعية وسياسية واقتصادية.

5- حكم طلب وظيفة القضاء:
لا ريب أن القيام على أمور الناس يكسب الإنسان سلطة وقدرة عليهم، فإذا كان القائم تقيا عادلا سخر سلطته لمصلحة الناس عامة، وإلا كانت هذه السلطة في يده وسلة يحقق بها مصلحته الخاصة وأهواءه الفاسدة مما يضر الناس ويوردهم مورد التهلكة.
لذلك كان للشريعة الإسلامية موقف واضح من الذين يسعون إلى مثل هذه الوظائف التي من شأنها القيام على أمور
الناس والولاية عليهم، وهو موقف اتسم بالحيطة والحذر. وقد وردت أحاديث صريحة في هذا الشأن، فقد قال الرسول (ص): «إنا لا نستعمل على عملنا هذا من أراده».
وقال: «ستحرصون على الإمارة وتكون حسرة وندامة يوم القيامة».
وقال:«يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة فإنك إن تؤتها من غير مسألة تعن عليها، وإن تؤتها عن مسألة توكل إليها».
وقال في حق طالب القضاء: «من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه ولا استعان عليه أنزل الله ملكا يسدده».
وينبغي أن لا يفهم من هذا أن على المسلم أن يتهرب من تحمل المسؤولية، إذ لا يخفى ما في ذلك من تفريط وإخلال بالحقوق والواجبات مما يستحيل معه قيام مجتمع إسلامي تسوده العدالة والمساواة، فهذه الأحاديث وردت لتعظيم أمر المسؤولية الملقاة على عاتق من يتولاها، وهي مسؤولية كبرى لا ينبغي أن يكون السعي إليها مبينا على استهداف مصالح خاصة كالشهرة والغنى والاستعلاء.
وقد نقلت لنا كتب التاريخ والتراجم أخبار بعض الفقهاء الذين تهربوا من هذا المنصب، وامتنعوا عنه، ولم يكن موقفهم ذلك إلا تعبيرا عن تقواهم وورعهم وتقديرهم لمسؤولية هذا المنصب، تلك المسؤولية الكبرى التي حدد معالمها الرسول(ص) في أحاديث كثيرة، فقد روي عنه (ص) قوله: من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين». ويعلق ابن فرحون على هذا الحديث بقوله:
«هذا الحديث دليل على شرف القضاء وعظيم منزلته، ومن المتولي له مجاهد لنفسه وهواه، وهو دليل على طاعة من قضى بالحق، إذ جعله ذبيح الحق امتحانا، لتعظم له المثوبة امتنانا، فالقاضي لما استسلم لحكم الله وصبر على مخالفة الأقارب والأباعد في خصوماتها، فلم تأخذه في الله تعالى لومة لائم حتى قادهم إلى أمر الحق، وكلمة العدل، وكفهم عن دواعي الهوى والعناد، جعل ذبيح الحق الله، وبلغ به حال الشهداء الذين لهم الجنة. (21)
كما وروي عنه قوله: «القضاء ثلاثة: اثنان في النار وواحد الجنة: رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، ورجل عرف الحق فلم يقض به، وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار».   
 إلا أن هذا لا ينبغي أن يكون حاملا على الامتناع عن القضاء، إذ أن الامتناع عنه يؤدي إلى الإثم والمعصية، لما يتبع ذلك من تفريط في الحقوق وإهمال للعدل الذي أمر الله إقامته على الأرض، فقد قال عز وجل: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون). (22)
وقال (ص):«السابقون إلى ظل الله يم القيامة، الذين إذا أعطوا الحق قبلوه، وإذا سئلوا بذلوه وإذا حكموا بين الناس حكموا كحكمهم لأنفسهم.
فالأحاديث المتقدمة في الترهيب من القضاء، إنما جاءت في حق القاضي الظالم أو الجاهل، وهي تهدف عموما إلى تعظيم القضاء وإبراز عظم المسؤولية التي يتحملها كل من يتولى عظم المسؤولية التي يتحملها كل من يتولى هذا المنصب.
وقد عالج الفقهاء حكم السعي إلى وظيفة القضاء وطلبها، فرأوا أن الحكم في ذلك باختلاف الظروف والأحوال، فقد يكون واجبا أو مباحا أو مستحبا، وقد يكون مكروها أو حراما، وسنعرض هذه الأحوال عرضا موجزا:
 
1- حالة كونه مباحا:
 يباح لمن كان أهلا لهذا المنصب أن يطلبه، خصوصا إذا كان فقيرا وأراد الارتزاق من هذا الباب لسد خلته وتحصيل رزقه.

 2- حالة كونه مستحبا:
حالة كون الطالب متوفرا على شروطه، يرى نفسه أكثر كفاءة وأصلح له من آخر تولاه، يقول المازري: «وقد يستحب لمن لم يتعين عليه، ولكنه يرى أنه أنهض به أنفع للمسلمين من آخر تولاه وهو ممن يستحق التولية ولكنه مقتصر عن هذا».

 3- حالة كونه واجبا:
يكون طلب القضاء واجبا إذا كان الطالب أهلا لهذه الوظيفة بأن يكون عالما مجتهدا عدلا ولا يكون هناك قاض يصلح للقضاء غيره، بحيث إذا لم يتقدم هو لولي، المنصب من لا يليق به، ففي هذه الحالة يتعين عليه التقدم وطلب القضاء، خوفا من ضياع الحقوق، ورغبة في جريان الأحكام وفق الشريعة.
 
4- حالة كونه مكروها:
إذا كان الطالب يهدف من وراء طلبه لوظيفة القضاء الجاه والغنى والاستعلاء، فيعتبر طلبه في هذه الحالة مكروها، فقد قال تعالى: (تلك الدار الآخرة نجعلها
 للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا، والعاقبة للمتقين ) 
 
5- حالة كونه حراما: 
يحرم طلب القضاء على من سعى إليه وهو جاهل بالأحكام الشرعية أو فاسق أو قصد من ورائه الانتقام من أعدائه أو حماية أهل الفساد والفجور بالحكم لهم وقبول الرشوة منهم وغير ذلك من المقاصد الفاسدة.

6- شروط القضاء:
اشترط الفقهاء مجموعة من الشروط التي تؤهل الشخص لتولي منصب القضاء، ويجمع القاضي عياض هذه الشروط في قوله: وشروط القضاء التي لا يتم القضاء إلا بها، ولا تنعقد الولاية ولا يستدام عقدها إلا معها عشرة: الإسلام، العقل، والذكورية، والحرية والبلوغ، والعدالة، والعلم، وكونه واحدا، وسلامة حاسة السمع والبصر والعمى والصمم، وسلامة اللسان من البكم.(24) وسنتناول هذه الشروط بإيجاز فيما يلي:

1- الإسلام:
يشترط أن يكون القاضي مسلما، فالقاضي مزيج من الشهادة والولاية، وشهادة الكافر على المسلم غير جائزة لقوله تعالى: (ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا) (25) وقوله: (لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) (26) وقوله: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء، تلقون إليهم بالمودة). (27)
ولقوله: (ص):«لا تستضيئوا بنار المشركين». وقد أجاز بعض الفقهاء ولاية الكافر من أهل الذمة، قياسا على قبول شهادته عليهم.

2- الذكورة:
وقد اختلف الفقهاء في اشتراط الذكورة، فذهب مالك وأحمد بن حنبل إلى عدم جواز قضاء المرأة، قياسا على عدم جواز توليها الإامة الكبرى لقوله تعالى:?الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض ?. (28)  
ولقوله (ص): «ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة». فقد جاء في المغني لابن قدامة: «ولنا قول النبي (ص) «ما أفلح قوم أسندوا أمرهم إلى امرأة»، ولأن القاضي يحضر محافل الخصوم والرجال يحتاجون فيه إلى كمال الرأي وتمام العقل والفطنة، والمرأة ناقصة العقل قليلة الرأي ليست أهلا للحضور في محافل الرجال، ولا تقبل شهادتها ولو كان معها ألف امرأة مثلها ما لم يكن معهن رجل، وقد نبه الله تعالى على ضلالهن ونسيانهن بقوله تعالى:(أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى)، (29) ولا تصلح للإمامة العظمى ولا لتولية البلدان، لهذا لم يول النبي (ص) ولا أحد من خلفائه ولا من بعدهم امرأة قضاء ولا ولاية بلد فيما بلغنا، ولو جاز ذلك لم يخل منه جميع الزمان. (30)
وذهب أبو حنيفة إلى جواز قضائها في كل أمر تقبل فيه شهادتها وشهادتها عنده تصح في كل شيء عدا الجراح والحدود.
أما الطبري فقد رأى جواز حكمها في كل شيء على الإطلاق، قياسا على جوازا إفتائها في كل أمر، ولأن الأصل هو أن كل من يتأتى منه الفصل بين الناس فحكمة جائز إلا ما خصصه الإجماع من الإمامة الكبرى.(31)
ورغم وجود مثل هذه الآراء التي تقبل تولي النساء منصب القضاء، فإن العصور الإسلامية السابقة لم تشهد امرأة تولت هذا المنصب عمليا مما يدل على أن القضية لم تتجاوز مجرد إبداء الرأي.

 3- العقل:  
من شروط القاضي العقل، فلا يصح قضاء المجنون، لأن المجنون لا ولاية له على نفسه، فلا ولاية له على غيره.
ويرى الماوردي أن اشتراط العقل في القضاء لا يقتصر على العقل الذي يتعلق به التكليف، وإنما المقصود به التمييز الصحيح والفطنة، والبعد عن السهو والغفلة، والذكاء الذي يتمكن بع من حل المشاكل والمعضلات.(32)  

4- البلوغ:
يشترط البلوغ لتولي القضاء، إذ لا يصح أن يتولى هذا المنصب صبي دون البلوغ، ومن المعروف أن الصبي لا ولاية له على نفسه فأحرى أن لا تكون له على غيره «فإن غير البالغ لا يجري عليه قلم 
ولا يتعلق بقوله على نفسه حكم، وكان أولى أن لا يتعلق به على غيره حكم».(33)

5- الحرية:
يشترط في القاضي أن يكون حرا، فلا ولاية للعبد على نفسه ولا على غيره «ولأن الرق لما منع من قبول الشهادة كان أولى أن يمنع من نفوذ الحكم وانعقاد الولاية».(34)

6- العدالة:
يشترط في القاضي أن يكون عذلا، إذ لا تصح ولاية الفاسق لقوله تعالى:(إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة).(35)
فأمر سبحانه بالتبين عند قول الفاسق، «ولأن الفاسق لا يجوز أن يكون شاهدا فلا يكون قاضيا أولى».(36)
ويوضح الماوردي عدالة القاضي بقوله: «أن يكون صادق اللهجة، ظاهر الأمانة، عفيفا عن المحارم، متوقيا المآثم، بعيدا عن الريب، مأمونا في الرضى والغضب، مستعملا لمروءة مثله في دينه ودنياه».(37)

7-سلامة الحواس:
يشترط في القاضي أن تكون حواسه سليمة، فيكون متبصرا، حسن النطق والسمع، فلا يصح قضاء الأعمى لعدم تفريقه بين المدعي والمدعى عليه: «فإن كان ضريرا كانت ولايته باطلة».(38) واختلفوا في قضاء الأعشى، ولا يصح قضاء الأخرس عند جمهور الفقهاء لعدم تمكنه من التعبير عما يريد كما لا يصح قضاء الأصم لأنه لا يسمع الإقرار قلا يميز الحق من الباطل.(39)
8- علمه بالأحكام الشرعية:
يشترط في القاضي أن يكون ملما بالأحكام الشرعية «وعلمه بما يشتمل على أصولها والارتباط بفروعها»(40) ولذلك يجب أن يكون عالما بما يلي:
أ- علمه بالكتاب:  
فالقرآن هو المصدر الأول للتشريع، والمنبع الرئيسي للأحكام، ولذلك يجب على القاضي الذي يتولى الفصل بين خصومات الناس ومنازعاتهم أن يكون عالما بالقرآن. 
ويرى صاحب المغني (41) أنه لا تلزمه معرفة سائر القرآن، وإنما تلزمه معرفة سائر القرآن، وإنما تلزمه معرفة عشرة أشياء منه هي:
• معرفة الخاص والعام.
• معرفة المطلق والمقيد.
• معرفة الحكم والمشابه.
• معرفة المجمل والمفسر.
• معرفة الناسخ والمنسوخ.
ب- علمه بالسنة:
لما كانت السنة هي المصدر الثاني من مصادر التشريع الإسلامي كان لزاما على القاضي أن يكون عالما بها.
  ويرى صاحب المغني (42) أن على القاضي أن يعرف من السنة الأشياء التي تلزمه معرفتها من الكتاب ويزيد عليها:
- معرفة التواتر والآحاد.
- معرفة المرسل والموصول.
- معرفة المسند والمنقطع.
- معرفة الصحيح والضعيف.
- معرفة ما أجمع عليه وما اختلف فيه.
ج- علمه بالقياس:
فقد تعرض للقاضي قضايا يحتاج فيها إلى القياس، ولذا ينبغي أن يكون عالما بشروطه وأنواعه، وأن تكون له دراية كافية بكيفية استنباط الأحكام.
د- علمه باللغة العربية:
  يشترط في القاضي أن يكون عارفا باللغة العربية لأنها لغة الكتاب والسنة، ولا يمكنه فهمها والوصول لاستنباط الأحكام منها إلا إذا كان عارفا باللغة ومحيطا بأسرارها.
وينبغي أن نشير هنا إلى أن القاضي ليس ملزما بأن يحيط بكل هذه العلوم إحاطة شاملة «وإنما يحتاج إلى أن يعرف من ذلك ما يتعلق بالأحكام من الكتاب والسنة ولسان العرب، ولا أن يحيط بجميع الأخبار الواردة في هذا».
فقد سئل أبو بكر عن ميراث الجدة فقال: «مالك في كتاب الله شيء ولا أعلم لك في سنة رسول الله (ص) شيئا، ولكن ارجعي حتى أسأل الناس ثم قام فقال: «أنشد الله من يعلم قضاء رسول الله (ص) في الجدة، فقام المغيرة بن شعبة فقال: «أشهد أن رسول الله (ص) أعطاها السدس».
فأبو بكر رغم اتصاله بالرسول لم يستطع الإحاطة بالسنة، واحتاج إلى أن يسأل غيره من الصحابة، فلم يحط هذا من قدره ولم يعتبر عيبا في حقه. 
ومما يحكى عن مالك أنه سئل عن أربعين مسألة، فقال في ست وثلاثين منها: لا أدري، ولم يخرجه ذلك عن رتبة الاجتهاد، ولذلك قيل، إن من يجيب في كل مسألة فهو مجنون، وإذا ترك العالم لا أدري أصيبت مقاتله.

 9- آداب القاضي: 
لم تقتصر المؤلفات الفقهية التي تناولت موضوع القضاء على الشروط التي ذكرناها سابقا والتي اشترطوها في القاضي لصحة ولايته، بل عقدوا فصولا للحديث عن الصفات والأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها القاضي ليكون صالحا لمنصبه.
وقدمت لنا هذه مؤلفات صورة واضحة للقاضي المثالي. وأهم معالم هذه الصورة جمال الهيئة والأبهة، والتزام الوقار، والاحتراز في مشيه وجلوسه وكلامه، والابتعاد عن كل ما يسيء إلى وقاره، فلا يكثر من الكلام والحركة والضحك، كل ذلك في غير تكبر أو إعجاب.
ويقدم لنا ابن فرحون معالم هذه الصورة في قوله:
«وليجتهد أن يكون جميل الهيئة، ظاهر الأبهة، وقور المشية والجلسة، حسن النطق والصمت، محترزا في كلامه من الفضول وما لا حاجة به كأنما يعد حروفه على نفسه عدا، فإن كلامه محفوظ، وزلله في ذلك ملحوظ، وليقلل عند كلامه من الإشارة بيده والالتفات بوجهه فإن ذلك من عمل المتكلفين وصنع غير المتأدبين، وليكن ضحكه تبسما، ونظره فراسة وتوسما، وإطراقه تفهما، ويكون أبدا مرتديا بردائه، حسن الزي، وليلبس ما يليق به، فإن ذلك أهيب في حقه وأجمل في شكل، وأدل على فضله وعقله، ومخالفة ذلك نزول وتبذل، وليلزم من الصمت الحسن، والسكينة والوقار ما يحفظ به مروءته فتميل إليه الهمم وتكبر في نفوس الخصوم الجرأة عليه من غير تكبر يظهره، ولا إعجاب يستشعره، فكلاهما شين في الدين، وعيب في أخلاق المؤمنين.(43) وإذا كان ابن فرحون قد اهتم في هذا النص بمظهر القاضي في لباسه وسلوكه وحركاته، فإن صاحب المغني قد اهتم بالصفات العقلية والأخلاقية، وفي ذلك يقول: «وينبغي أن يكون الحاكم قويا في غير ضعف، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله، ويكون حاميا متأنيا ذا فطنة ويقظة، ولا يؤتى من غفلة، ولا يخدع الغرة، صحيح السمع والبصر، عالما بلغات أهل ولايته، عفيفا ورعا نزها بعيدا عن الطمع، صدوق اللهجة، ذا رأي ومشورة، لكلامه لين إذا قرب، وهيبة إذا   أوعد، ووفاء إذا وعد، ولا يكون القاضي قاضيا حتى تكون فيك خمس خصال:
عفيف، حليم، عالم بما كان قبله، يستشير دوي الألباب، لا يخاف في الله لومة لائم».(44)
كما تحدث الفقهاء عما يلزم القاضي في علاقاته مع الناس، ومما أوردوه في هذا المجال:
- عدم قبول الهدية:
فإن القاضي لما كان يتولى الفصل بين المتنازعين لزمه أن لا يقبل هدية من أحد إلا من خواص قرابته، كالوالد والوالد والأخ والأخت، قال ابن حبيب: «لم يختلف العلماء في كراهية الهدية إلى السلطان الأكبر، وإلى القضاة والعمال وجباة المال، وهذا قول مالك ومن قبله من أهل العلم والسنة».(45)
وقد رد عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه الهدية فقيل له: «كان النبي (ص) يقبلها، فقال: فكانت له هدية ولنا رشوة، لأنه كان يتقرب إليه لنبوته لا لولايته، ونحن يتقرب بها إلينا لولايتنا».
ومن الأحاديث المروية عن الرسول (ص) قوله: «يأتي على الناس زمان يستحيل فيه السحت بالهدية، والقتل بالموعظة، يقتل البرئ ليتعظ به العامة».
- عدم حضور الولاية:
  فمن المعروف أن الولائم كالرشوة تتخذ للتقرب، خصوصا بالنسبة لأصحاب المناصب، ولا يكون ذلك للتقرب إلا لأهداف تضيع وتهضم فيها الحقوق، لذلك «كره مالك رحمه الله لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم».(46)
وقد رأى ابن فرحون في المسارعة إلى إجابة الدعوة مذلة وخروجا عن الهيبة والوقار الذي ينبغي أن يتحلى به القاضي.
- تجنب العارية والسلف والقراض:
خصوصا من الخصوم أو ممن هو من جهتهم، وذلك بقصد التنزه، لأنه عندما يستلف من أحد الخصوم أو يستعير منه شيئا، فربما يستحيي منه، وربما يؤثر هذا على قضائه فيضي له بغير حق، ففي التبصرة: «ينبغي له التنزه عن طلب الحوائج من ماعون أو دابة، ومنها أنه يجتنب العارية والسلف والقراض إلا أن لا يجد بدا من ذلك فهو خفيف إلا من عند الخصوم أو ممن هو من جهاتهم فلا يفعل».(47) 

10- مجلس القضاء:
من القواعد الأساسية في القانون الحديث أن تكون جلسات الحكم علنية يحضرها ويتابعها كل من يرغب في ذلك من العام، ولا تعقد الجلسات السرية إلا إذا كان فيها ما يمس بالنظام العام أو الآداب العامة أو حرمة الأسرة.
وقد أقرت الشريعة الإسلامية هذه القاعدة قبل القانون الوضعي، فقد اشترط الإمام الشافعي أن يكون مجلس القضاء بارزا للناس، فسيحا مريحا، يحضره الشهود لشهود أحكامه، ويحضره الفقهاء للاستشارة والتنبيه على الخطأ والزلل.
وقد عرف القضاء الإسلامي ما يعرفه التنظيم القضائي الحديث من تخصيص مكان الحكم أي محكمة، ولا يعتبر حكم القاضي إلا إذا أصدره بالمكان المعين للحكم، ولا اعتبار لحكم يصدره خارج هذا المكان.
في الأحكام السلطانية: «ولو قلد الحكم فيمن ورد إليه في داره أو في مسجده صح ولم يجز أن يحكم في غير داره أو مسجده،وهو لا يتعينون إلا بالورود إليهما، فلذلك صار حكمه فيهما شرطا».(48) 
وذهب جمهور الفقهاء إلى جواز القضاء بالمسجد واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: (وأن أحكم بما أنزل الله)(49) حيث جاء الحكم عاما دون تخصيص، كما استدلوا بما روي عن الرسول من أنه كان يقضي بين الناس بالمسجد، وكذلك كان فعل الخلفاء الراشدين من بعده.
أما الشافعي فقد كره القضاء بالمسجد حفاظا على حرمته، وتمكينا للمسلمين من صلاتهم، حيث إن مجلس القضاء لا يخلو من منازعات وجدال بين الخصوم، كما أن هؤلاء الخصوم قد يكون منهم الجنب والحائض والنفساء مما لا يليق بالمسجد، وقد قال (ص): «جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم ورفع أصواتكم وخصوماتكم وحدودكم وسل سيوفكم وشراءكم وبيعكم».(50)
كما روي عنه (ص) أنه سمع رجلا يصيح باحثا عن ضالته في المسجد فقال له: «لا وجدتها إنما بنيت المساجد لذكر الله والصلاة».
كما عرف القضاء الإسلامي الاختصاص المكاني حيث يعين القاضي على
بلدة معينة تكون له الولاية عليها ولا ولاية على غيرها، قال أبو عبد الله الزبيري: «لم تزل الأمراء عندنا بالبصرة برهة من الدهر يستقضون قاضيا على المسجد الجامع يسمونه قاضي المسجد ويحكم في مائتي درهم وعشرين دينارا. فما دونها ويفرض النفقات ولا يتعدى موضعه ولا ما قدره له».(51)
وقد تحدث الفقهاء عن الآداب التي ينبغي للقاضي أن يلتزمها في نجلس قضائه وأهمها:
1- جلوسه في مجلسه مستقبلا القبلة، وذلك تعظيما لمجلس القضاء وإجلالا له.
2- أن يلزم الهيبة والوقار في حالة جلوسه للقضاء ليهابه الخصوم فيجلس في احترام غير ضنكي إذ ينبغي للقاضي أن يكون جلوسه في مجلس في مجلس الأحكام متربعا أو محتبيا وعليه السكينة والوقار».(52)
وعليه أن لا يتشاغل بحديث فكاهة أو ممازحة، وإنما يأخذ نفسه بالحزم والجد في غير عنف ولا قسوة.
3- أن يخصص لجلوسه وقتا معلوما لا يضر بالناس في معايشتهم، فلا يجلس للقضاء بين العشائين أو وقت السحر أو في العيدين وما شابه ذلك من حدوث ما يعم من سرور أو حزن إلا إذا اضطر لذلك.
4- أن لا يطيل جلوسه لقضاء حتى يأخذه الضجر والملل، فقد ذكر بن المواز عن أشهب عن مالك قال: «ينبغي للقاضي أن يكون جلوسه في ساعات في ساعات من النهار لأني أخاف أن يكثر فيخطئ».(53)
5- أن لا يجلس للقضاء وهو غضبان، ففي الحديث«لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان».
وكتب عمر إلى أبي موسى: «إياك والغضب والقلق والضجر».
وقد قاس الفقهاء على الغضب كل ما يؤثر في فكر القاضي ونفسه من جوع وعطش وهم، ففي المغني لابن قدامة: «وفي معنى الغضب كل ما يشغل فكره من الجوع المفرط والعطش الشديد والوجع المزعج ومدافعة أحد الأخبثين وشدة النعاس والهم والغم والحزن والفرح، فهذه كلها تمنع الحاكم، لأنها تمنع حضور القلب واستيفاء الفكر الذي يتوصل به إلى إصابة الحق في الغالب، فهي في معنى 
الغضب المنصوص عليه فتجري مجراه».(54)
وفي التبصرة لابن فرحون: «لأن الغضب يسوء مع الجوع، والفهم ينطفئ مع الشبع، والقلب يشتغل مع الهم».(55)

 11- أعوان القاضي:
 يقصد بأعوان القاضي الذين يساعدونه على أداء عمله بالمساهمة الضرورية الفعالة في الفصل بين المتنازعين، ويشكل الأعوان الجهاز الإداري والكتاب بالمحكمة وكذلك الخبراء المحامين.
وقد شهد نظام القضاء في الإسلام تعيين أعوان يعينون القاضي على مهامه، شأنه في ذلك شأن النظام الوضعي.
وقد قام بهذه المهمة في عهد الرسول علي بن أبي طالب، وزيد بن ثابت، وجرى القضاة في العصور التالي على نفس النهج في اتخاذه الأعوان فاتخذوا مترجمين ليكونوا واسطة بينهم وبين من يتكلم لغة غير اللغة العربية.
واتخذوا كتابا لتسجيل ما يرغبون في تسجيله كما اتخذوا من يقوم بتقسيم التركات واستعانوا بأهل الخبرة في مختلف المجالات، وهو أمر أقره القرآن في سورة يوسف بقوله تعالى: (وشهد شاهد من أهلها إن كان قميصه قد من قبل فصدقت وهو من الكاذبين، وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت وهو من الصادقين).(56)
وقد كان القضاة المسلمون يستعينون بأهل الفراسة والقافة وغيرها، ولا يخفى ما لأهل الخبرة من أهمية في مجال القضاء، ففحص الخطوط والبصمات، وتحيدي الأضرار الجسمانية ومدى خطورتها، وتحديد الأثمان، وتقدير الخسائر، كل ذلك لا يتم إلا بواسطة الخبراء في هذه المجالات.
وقد اشترط الفقهاء في من يتولى هذه الوظيفة شروطا يوردها ابن فرحون في قوله: «ينبغي له أن يستبطن أهل الدين والأمانة والعدالة والنزاهة ليستعين بهم على ما هو سبيله، ويقوى بهم على التوصل إلى ما ينويه ويخففوا عنه فيما يحتاج إلى الاستنابة فيه من النظر في الوصايا والأحباس والقسمة وأموال الأيتام وغير ذلك مما ينظر فيه».(57)
ونورد هذه الشروط في ما يلي:
 1- الإسلام: 
فلا يصح اتخاذ الكافر عونا، لقوله تعالى: (لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة).(58)
2- العدالة:
لائتمانه على إثبات الإقرارات والبيانات.
3- العقل والفقه:
ليتمكن من معرفة صحة ما يكتب أو فساده
4- النزاهة والبعد عن الطمع:
لكي لا يستغل برشوة فيلجأ إلى المحاباة.
5- وضوح الخط وفصاحة اللسان:
وقد استحب مالك أن يكون المترجم اثنين لا واحدا، وقيل: ترجمة المرأة العدل فيما تقبل شهادتها ما لم يوجد مترجم من الرجال، بينما لم يقبل سحنون ترجمة الواحد وترجمة النساء.(59)
12- اختصاصات القاضي:
وهي عشرة كما أوردها ابن جزي:
1. الفصل بين المتخاصمين، إما بصلح عن تراض، وإما بإجبار على حكم نافذ. 
2. قمع الظالمين على الغصب والسبي وغير ذلك، نصرة للمظلومين، وإيصال كل ذي حق حقه.
3. إقامة الحدود والقيام بحقوق الله تعالى.
4. النظر في الدماء والجراح.
5. النظر في أموال اليتامى والمجانين وتقديم الأوصياء عليهم حفظا لأموالهم.
6. النظر في الأحباس.
7. تنفيذ الوصايا.
8. عقد نكاح النساء إذا لم يكن لهن ولي أو عضلهن الولي.
9. النظر في المصالح العامة من طرقات المسلمين وغير ذلك.
10. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالقول والعمل.
 
_______________
1. سورة الإسراء – الآية: 23.
2. سورة البقرة – الآية: 200.
3. سور الحاقة – الآية: 27.
4. نقله صاحب التبصرة ج 1، ص: 12.
5. نفس المرجع ص: 12.
6. البهجة ج 1، ص:15. 
7 - أخرجه داود ج2 ص: 116
11) سورة الطلاق – الآية: 2.
12) سورة البقرة – الآية: 282.
13) التبصرة ج 1، ص:: 21.
14) انظر في هذا الموضوع: منهج عمر بن الخطاب في التشريع: د، محمد بلتاجي ص: 43.
15) البهجة ج 1، ص: 14.
16) المعني لابن قدامة ج 11، ص: 374.  
22) سورة المائدة – الآية: 47.
23) سورة القصص – الآية 83.
24) التبصر ج 1، ص: 24.
25) سورة المائدة – الآية: 51
26) سورة المائدة – الآية: 51
27) سورة الممتحنة – الآية: 1.
28) سورة النساء – الآية: 34.
33) الأحكام السلطانية ص: 65.
34) نفس المرجع ونفس الصفحة.
35) سورة الحجرات - الآية: 6
36) المغني ج 11، ص: 383.
37) الأحكام السلطانية ص: 66.
38) نفس المرجع.
39) نفس المرجع والصفحة.
40) الأحكام السلطانية ص: 66.
41) المغني ج 11، ص: 384.
42) المغني ج 11، ص: 384.
44) المغني ج 11، ص: 386.
45) التبصرة ج1، ص: 320.
46) نفس المصدر ص: 31.
47) نفس المصدر والصفحة.
48) الأحكام السلطانية ص: 73.
49) سورة مائدة – الآية: 48.
50) الأحكام السلطانية ص: 73.
51) التبصرة ج 1، ص: 36.
52) التبصرة ج1، ص: 36.
53)
54) المغني ج11، ص: 395.
55) التبصرة ج1، ص: 35.
56) سورة يوسف – الآية: 26.
57) التبصرة ج1، ص: 33

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here