islamaumaroc

المرأة بين دينها وواقعها.

  يوسف الكتاني

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993

لقد ظلت المرأة مالئة الدنيا، وشاغلة الناس منذ آدم وحواء وبدء الخليفة، وظلت تلهم الرجل وتدفعه إلى الخير وإلى العلياء تارة، وتشقيه وتتسبب في تعاسته تارة أخرى، وظلت بين هذه وذاك سعيدة مكافحة، شقية معذبة، خلال مختلف الأزمان والدهور، تهوي إلى الحضيض عندما تبلغ حضارة المادة ذروتها، وتفقد شخصيتها وحقيقتها إذا بلغ التأخر مداه، وترتفع قيمتها وتعلو مكانتها إذا سادت المثل العليا، وانتشرت لقيم السامية، مما جعل المرأة دوما قطب الرحى في كل المجتمعات وفي كل العهود، تكافح وتنافح من أجل إثبات ذاتها، ونيل حقوقها، والحصول على مركزها في الحياة، حتى إذا بزغ نوزر الإسلام وجدت في ظله ملاذها، ورد إليها اعتبارها، ووضعها في طريقها الصحيح الذي مكنها من حقوقها وواجباتها، إذ علمها التمسك بالقيم، والتشبث بالعقيدة، وقيام الحياة على الفضيلة والمروءة، وجعل سيرتها عملا وجهادا، وهدفها حقا خيرا.
لقد كانت حياة الرسول وبعثته الشريفة بداية لتاريخ جديد للبشرية، وحياة كريمة لم تعرفها من قبل، كانت بحق بداية مرحلة الإنسان الذي بلغ ارفع مستويات الفكر العقائدي، واستطاع التجاوب مع دعوة الوحدانية لله تعالى، حتى تغيرت مفاهيم ومعالم أمة عريقة خلال أقل من ربع قرن من الزمان، وانتقلت الإنسانية كلها بمولده " ورسالته من ضياع العصور والماديات، ومن متاهات الأزمان والآلهة إلى حقيقة الوجود والاستقامة الحياة، مما أنشأ خير أمة، أخرجت للناس، وهي أمة الإسلام التي انطلقت تصنع للدنيا كلها حضارة الرقي الفكري والسمو الروحي، وتنشئ أجيال الإيمان ليحققوا للبشرية أعظم تقدم عرفته في تاريخها، مصداقا لقوله تعالى: (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون).(1)
إن أعظم تغيير أحدثته الرسالة المحمدية أنها فرقت بين عهدين، وفصلت بين عصرين: عصر الجاهلية وعصر الإسلام، وكان العصر الأول قائما على تأكيد وجود الذات الحاضرة، إذ أن المستقبل كان غائبا بالنسبة للإنسان، هذا الغياب الذي كان مرتبطا بعدم وجود نظام متكامل لانعدام الدين الحق، الذي يقدم له مفهوما واضحا لعلاقته بالزمان والمكان، ولغاية الحياة.
ثم جاء الإسلام، فيغير المفهوم السائد في العصر الجاهلي من رؤية غامضة إلى رؤية واضحة، إذ الزمان ذو البعد الواحد أصبح ذا بعدين: زمن حسي وزمن كوني، أي تلك اللحظة التي يدعي فيها الإنسان ليحاسب على ما قدم في الدنيا، إذ أن حياته ليست حقا خالصا له يتصرف فيه كيف يشاء، لأنه لم يخلق عيثا ولا سدى، (2) مصداقا لقوله تعالى: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى) وهذا أول تغيير أدخله الإسلام على مفهوم الإنسان (رجلا وامرأة) لوجوده في الحياة، مما أزال عنه الإحساس بالقلق، حيث إنه لم يوجد فيها ليموت، ولذلك أكد الإسلام مسؤولية الإنسان في الحياة، وأنه خلق من أجل السعي وراء حياة أفضل، وهذا هو ما جعل مستقبل الإنسانية كله يشهد تغييرا جذريا في معايير الحياة بأسرها من جراء ظهور الإسلام، وقيمه وتعاليمه وأحكامه، ونظامه الذي يقوم على التوحيد والحق والعدل والصالح العام، (4) وعلى جعل الإنسان سيد هذا الكون وأعظم مخلوقاته فيه، ومناط تطور الحياة باعتبارها خليفة الله في الأرض، وحامل أمانة الحياة ومسؤوليتها.
وإذا كانت مظاهر التغيير والتحول لم تقتصر على المجال الاجتماعي وحده، بفضل الإسلام وتشريعاته وأحكامه، بل شملت مظاهر الحياة الإنسانية كلها، وفي سائر المجالات جميعا، فإنني سأكتفي هنا   بمثل واحد على التغيير: وهو موقف الإسلام من المرأة، وتحريرها من قيودها، وصيانة كرامتها، والاعتراف بإنسانيتها، ورفعها إلى المكانة اللائقة بها في الحياة، باعتبارها شقيقة الرجل وقرينته وشريكته في بناء الحياة وقيام المجتمع.
 فما هو موقف الإسلام منها؟ ماذا صنع منها؟ هل وضع أمامها السدود والقيود كما يقال؟ أم فتح أمامها الآفاق وجعلها ركيزة المجتمع وأساسه؟ وما هو دوره في تحريرها وتكريمها؟
 لقد كان ظهور الإسلام حدا فاصلا في حياة المرأة، نقلها من العبودية والملكية والهوان إلى الحرية والكرامة وعدل الإسلام، فقد كانت قبله لا قيمة لها، إذ سلمت من الوأد وهي طفلة، وكانوا يضنون عليها بالنفقة، أو تملك لأول طالب يكون له عليها مطلق التصرف حتى ليبيعها لغيره وتورث بعده.
 فلما جاء الرسول عليه السلام أصبح للمرأة كامل الاعتبار، وأعطتها الشريعة عدل ما عليها من الواجبات حقوقا، وارتفع صوت الرسول الكريم ليعلن للإنسانية كلها – ولأول مرة في التاريخ – هذه المكانة السامية للمرأة في الدنيا والآخرة بالقرآن الكريم:
(يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا).(5)
وقوله تعالى:
(ومن آياته أنخلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون).(6)
وانطلق الرسول الكريم ليؤكد ذلك وليبينه وليطبقه بقوله وفعله: «إنما النساء شقائق الرجال»(7) أي أمثالكم، وبقوله: «ما استفاد المؤمن بعد تقوى الله عز وجل خيرا من زوجة صالحة، إن أمرها أطاعته، وإن نظر إليها سرته، وإن أقسم عليها أبرته، وإن غاب عنها نصحته في نفسها وماله».(8)
ويجلس إلى النساء كما يجلس إلى الرجال يعلمهن ويربيهن، ويغرس الإيمان في قلوبهن، ويوجههن إلى الخير والحق والفضل، ويجعل أول «مستشارة» له في الدنيا زوجته خديجة أم المؤمنين، فيعود إليها من غار حراء وقد نبئ وأرسل إلى العالمين كافة،قائلا لها وفؤاده يرجف: «لقد خشيت من نفسي». فآمنت به وصدقته مجيبة: «كلا والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل: (العناء)، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف: (تكرمه)، وتعين على نوائب الحق».(9) وينوه بشجاعتهن وجرأتهن في التعلم والتفقه في الدين والحياة، حتى قالت عائشة: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
ويرعى تعليم النساء وتربيتهن، فيتخذ لهن المعلمات في القراءة والكتابة، والحياكة والتطريز، حتى تصبح السيدة عائشة من أعلم المسلمين بالرواية والحديث والشعر والفقه، كما أعلن ذلك عمر بن الخطاب، وتعد في مقدمة المكثرين من رواة المسلمين لحديث رسول الله ". وتصبح الشفاء محتسبة على السوق بجانب عمر، وتفدي سمية الإسلام، ويسلم عمر بن الخطاب على يد أخته فاطمة، وبسبب شجاعتها وقوة إيمانها وصلابة موقفها.
ولقد رئيت عائشة وأم سليم رضي الله عنهما في غزوة أحد، وهما مشمرتان عن سوقهما تنفزان والقراب على متونهما، فتفرغان الماء في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملآنها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم.
وأول ما ركب المسلمون البحر للغزو كانت معهم أم حرام بنت ملحان التي سبق أن أخبرها النبي " بذلك، وأجاز النبي " أمان أم هانئ لأحد الكفار يوم فتح مكة، وكان أخوها علي كرم الله وجهه يريد قتله، فجاءت النبي " فقالت يا رسول الله، زعم ابن أبي طالب أنه قاتل رجلا أجرته فقال: «أجرنا من أجرت ياأم هانئ».
وعمل " بإشارة زوجة أم سلمة يم الحديبية، وكان قد أنكر حال المسلمين فدخل عليها وقال:«هلك المسلمون، أمرتهم مرارا فلم يجبني أحد». فقالت: «لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما دخلت على نفسك من المشقة في أمر الصلح، ولكن أخرج ولا تكلم أحدا منهم، وانحر بدنك، واحلق رأسك، فإنهم يفعلون كما فعلت». فكان الأمر كما قلت، وسميت بذلك مستشارة الرسول.
إذن، فليس هناك عمل يحق للمرأة أن تزاوله إلا خولها الشرع الإسلامي إياه، وزاد أمورا في السياسة العامة كما عبرت عن ذلك الآية أحين تعبير.
(ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف).
ومن هذا المنطلق، ومراعاة للتوازن في الطبيعة والعمل، فإن الإسلام قد أعطى المرأة الحقوق نفسها التي أعطاها للرجل من حيث القيمة الإنسانية، والشخصية الاعتبارية، وفي سائر التصرفات، وفي الوقت نفسه كلها بما كلف الرجل من عبادات وواجبات، واعتبرها مسؤولة مثله عما تؤديه من أعمال وطاعات.
وقد سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في التكاليف والواجبات وفي الحقوق، وضمن لها كامل شخصيتها المدنية مستقلة عن زوجها، وفي سائر التصرفات وبكل مقوماتها، ولم يفرق بين الجنسين في الحقوق والواجبات إلا من حيث تدعو إلى ذلك مراعاة طبيعية كل من الجنسين في الحياة، وما يصلح له، وكفالة الصالح العام، وصالح الأسرة، وصالح المرأة نفسها.
وبذلك، اعتبر الإسلام المرأة نصف المجتمع، وربة الأسرة، وأم الأولاد، وعضوا أساسيا في المجتمع، ولم يعتبرها دمية جميلة أو لعبة للرجل، أو أداة من أدوات الزينة والتجميل والتسلية، ولم يحرمها في الوقت نفسه من التزيين والتجمل لزوجها، مصداقا لقوله عليه السلام:  «جهاد المرأة حسن تبعلها» أي تزيينها وتجملها وطاعتها بالمعروف.
لقد كرم الإسلام المرأة منذ أعلن أنها مكلفة كالرجل، تثاب إن أحسنت، وتعاقب إن أساءت، ولم يعتبرها جزء من المجتمع أو بعضه، بل اعتبرها أحد شقيه بجانب الرجل، فقال تعالى:
(فاستجاب لهم ربهم أبي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى...) الآية.(10)
وأكد ذلك الرسول الكريم بقوله: «إنما النساء شقائق الرجال».(11)
ورعاها بنتا، فأنكر أشد الإنكار وأدها وقتلها خوف الإملاق، وأوجب تعليمها وتأديبها ورعايتها والإنفاق عليها حتى تتزوج، وفرض على أبيها ألا يزوجها إلا برضاها وإذنها.
إن المرأة في الإسلام الحق في اختيار زوجها الذي تعيش معه العمر كله، وتعطيه قلبها، فعن أبي هريرة، رضي الله عنه، أن رسول الله " قال: «لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن. قالوا يا رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت».(12) وإذا زوج رجل ابنته وهي كارهة فالزواج مردود.
وروى الجماعة إلا مسلما عن خنساء بنت خذام الأنصارية: «أن أباها زوجها -
وهي ثيب – فكرهت ذلك، فأتت رسول الله، فرد نكاحها» (13) أي أبطله.
وروى أبو داود وابن ماجة، وعن ابن عباس –رضي الله عنه - «أن جارية بكرا أتت النبي " فذكرت أن أباها زوجها، وهي كارهة، فخيرها النبي "».(14)
 إن الإسلام أعطى المرأة البالغة العاقلة، بكرا كانت أم ثيبا، كامل الحرية في رفض من لا ترضاه لها زوجا، ولا حق لأبيها أو وليها أن يجبرها على من لا تريد، وحتى لا تقع المرأة في خطأ فادح في اختيارها لنفسها بسبب عاطفتها، فقد جمع الإسلام بين جعل الزواج لولي المرأة وحقها في الموافقة على من ترغب فيه، ورفض من لا توافق عليه، فمنع بذلك من استبداد الأولياء ببناتهم، وفي الوقت نفسه لهن الحق في رد من لا يرونه كفؤا لهن.
ومادام للمرأة الحق في الموافقة أو الرفض فيمن يتقدم للزواج منها، فلها الحق في رؤيته، والنظر إليه، كما له الحق في ذلك، فقد روى البخاري (15) وابن ماجة في «باب النكاح» أن رجلا جاء إلى النبي " يخبره أنه خطب فلانة، فقال له: هل نظرت إليها؟ فأجاب: لا. فأمره أن يذهب، وينظر إليها.
 وكرمها زوجة، فجعل لها مثلما للرجل من حقوق، وأوجب لها نفقتها ورعايتها، والمعاملة بالحسنى، (وعاشروهن بالمعروف)الآية.،(16) وخيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».(17) كما جعل الزواج لا يفقد المتزوجة شخصيتها، وممارسة كامل حقوقها، والمحافظة على اسمها.
وكرمها أما، فجعل الجنة تحت أقدامها، وأمر بحسن مصاحبتها، ومعاشرتها إكراما لأمومتها، وجزاء ما تعانيه وتتحمله في سبيل أولادها، فقد أجاب الرسول سائله عن أحق الناس بحسن مصاحبته ومعاشرته فقال: «أمك، ثم أمك، ثم أمك، وفي الرابعة أبوك»(18)
وكرمها باعتبارها عضوا في المجتمع وفي الأسرة، فأنكر اعتبارها عند موت زوجها شيئا يورث كما يورث المتاع، وكما كان الأمر قائما وقرر أهليتها للتملك والبيع والشراء وسائر العقود والتصرفات:    
(للرجال نصيب مما اكتسبو وللنساء نصيب مما اكتسب).(19)
وجعل لها كالرجل حق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع فقال: (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة) الآية. (20) كما فتح أمامها المجالات كلها من أجل العلم، والجهاد، والتعليم، والعبادة، وشهود الجماعات، وكل عمل مفيد وصالح.
وقد حرص الرسول عليه الصلاة والسلام وخلفاؤه الراشدون والمسلمون من بعدهم، على تكريم المرأة وإعزازها وتقدير واعتبارها، حتى جعل الإسلام منها خلال عقدين من الزمان مجاهدة، وعالمة، ورواية، وحافظة، ومحتسبة، وشاعرة، وشهيدة، وداعية.
أما الصورة التي توجد عليها المرأة اليوم في بعض البلاد الإسلامية، فذلك ناتج عن بعدها عن قيم الإسلام وتعاليمه وسماحته، فقد كان الرسول إذا رأى النساء مقبلات وقف لهن وقال: «اللهم أنتم من أحب الناس لي».(21)
كما كان يقوم لابنته فاطمة ويقبلها ويساعدها في بيتها، ويسابق زوجته عائشة فتسبقه مرة، ويسبقها أخرى، ويقول لها مداعبا: «هذه بتلك».(22)
وبلغ من عنايته بتعليمها وتربيتها حتى قال عنها عروة: «ما رأيت أحدا أعلم بالحلال والحرام، وأعلم بالشعر والطب من عائشة»،(23) وحتى كان الصحابة يسألونها عن الفرائض، وكذلك كانت سائر أمهات المؤمنين والصحابيات.
كذلك سوى الإسلام بين الرجل والمرأة في العبادة والإيمان، وأمر الرسول النساء أن يشهدهن صلاة العيدين بجانب الرجل «ولو لم يكن لهن جلبات فليستعرنه من جارتهن».(24)
وأمرهن أن يشهدن الصلوات، ويحضرن الجماعات: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله».(25) وكانت امرأة لعمر تشهد صلاة الصبح والعشاء مع الجماعة في المسجد فقيل لها: لم تخرجين وأنت تعلمين أن عمر يكره ذلك ويغار؟ قالت: وما يمنعه
أن ينهاني؟ قال: يمنعه قول رسول الله ": «لا تمنعوا إماء الله – أي النساء – مساجد الله».
وسأكتفي هنا ببعض الأمثلة والوقائع الشهيرة في تاريخ، تدليلا على مكانة المرأة وقيمتها في دين الإسلام.
فقد حدثت السيدة عائشة أم المؤمنين أن فتاة جاءتها شاكية بأن أباها زوجها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته (دنائته) وهي كارهة، فأمرتها أن تجلس حتى يأتي النبي "، فلما جاء " أخبرته، فدعا أباها، وجعل الأمر إليها – أي لها أن تنفذ الزواج وتجيزه أو ترفضه – فقالت يا رسول الله، قد أجزت ما صنع أبي، ولكن أردت أن أعلم للنساء من الأمر شيء.(26)
والواقعة الثانية التي تؤكد حرمة المرأة واستقلالها في أمرها، أن السيدة عائشة اشترت جارية تسمى بريرة وأعتقها – أي حررتها -، فأصبح لها الخيار بعد تحررها بالبقاء مع زوجها«مغيث» أو تركه، فلما خيرها الرسول اختارت أن تتركه، فهام على وجهه وراءها في طرقات المدينة باكيا يترضاها وهي كارهة، وبلغ ذلك الرسول، فرق لحاله، وقال للبربرة مستشفعا: «لو راجعته» فسألته: أتأمرني أو ذاك شيء واجب علي؟ فأجابها الرسول ": «إنما أنا شافع». فما كان منها إلا أن ردت: لا حاجة لي فيه.(27)
كما أننا نجد في تاريخ السيرة النبوية واقعة لها دلالتها في تكريم المرأة في شخص زوجه الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري التي منحها الرسول عليه السلام قلادة وضعها بيده الشريفة حول عنقها تكريما لموقفها وبلائها في غزوة خيبر، فكان هذا أول وسام لامرأة مجاهدة في الإسلام.
كما أن الإسلام أباح للمرأة أن تشترك في الأمور السياسية العامة، بنص القرآن والسنة، وفعل الصحابة، وإجماع المسلمين.
فقد نص القرآن على مبايعة النساء للنبي " على السمع والطاعة، والقيام بالأحكام والحدود، وهو مصداق قوله تعالى: (يا أيها النبي إذا جاءك المومنات يبايعنك على أن يشركن بالله شيئا...) والآية.(28)
والمبايعة أمر سياسي يبايع فيه الرجل والمرأة أولي الأمر على السمع والطاعة في المنشط والمكره، والاحتكام إلى الله وإلى رسوله، وإلى العمل لما فيه مصلحة الأمة وسعادتها وعزها.(28) وقد ناقشت المرأة الرسول عليه السلام في الشؤون العامة، وفي مختلف القضايا، وكن السبب في نزول الوحي، وفي تقرير التشريع العام للمسلمين، فقد سجل القرآن في سورة المجادلة الحوار الذي جرى بين الرسول وبين خولة بنت ثعلبة زوج أوس بن الصامت، بعد أن اشتكت إليه زوجها لقوله لها: «أنت علي كظهر أمي» مما يحرمها عليه الجاهلية، ثم دعاها لنفسه فأجابته: والذي نفسه بيده لا تصل إلى وقد قلت حتى يحكم الله ورسوله، فأجابها عليه السلام: «ما أمرت في شأنك بشيء حتى الآن، وما أراك إلا قد حرمت عليه» قال: ما ذكر طلاقا، وجادلت الرسول الكريم مرارا حتى أنزل الله فيها وفي قصتها مع زوجها ومجادلتها للرسول في أمرها قرآنا وتشريعا في الظهار، كما قال تعالى: (قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها وتشتكي إلى الله والله يسمع تحاوركما إن الله سميع بصير).(30)
وفي حادث الإفك، وموقف عائشة وتكذيب الله للمنافقين والمرجفين في سورة النور، وفي اعتراض امرأة من المسلمين على عمر عندما ردت رأيه حين أراد تحديد المهور، فقالت له، أيعطينا الله ويمنعنا عمر، فقال: «أخطأ عمر وأصابت امرأة».(31)
وفي ترجمة أسماء بنت يزيد بن السكن الأنصارية، أنها أتت الرسول " فقالت: «إني رسول من ورائي كم جماعة نساء المسلمين، يقلن بقولي، وعلى مثل رأيي، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء فأمنا بك، واتبعناك، نحن معشر النساء مقصورات مخدرات، قواعد بيوت، وموضع شهوات الرجال، وحامل أولادكم، وأن الرجال فضلوا بالجماعات، وإذا خرجوا للجهاد حفظنا لهم أموالهم وربينا أولادهم، أفنشاركهم في الأجر يا رسول الله؟ فالتفت بوجهه إلى أصحابه وقال لهم: «هل سمعتم مقالة امرأة أحسن سؤال عن دينها من هذه» فقالوا: لا يا رسول الله، فقال لها: «انصرفي يا أسماء، وأعلمي من ورائك من النساء أن حسن تبعل إحداهن لزوجها، وطلبها لمرضاته، وإتباعها لموافقته، تعدل كل ما ذكرت»، فانصرفت وهي تهلل وتكبر استبشارا بما قال لها "        (32)
فهذا مثل حي على أن المرأة كانت تمثل النساء في المجلس النبوي، ويكفي أن نقرأ مثلا ما جاء في سور البقرة، والبقرة، والنساء، والنور، والأحزاب، والفتح، والمجادلة، والممتحنة، والطلاق، وما حفلت به كتب السنة والسيرة لكي نعرف مبلغ عناية الإسلام بالمرأة، وتحديد مكانتها، وتأمين حقوقها، مما لم يبلغ مبلغ الإسلام فيه دين سابق، ولا مذهب لاحق، ومما يدعو المرأة المسلمة إلى الدفاع عن حقوقها ومكانتها في إطار الشريعة الإسلامية، والبعد عن التشبه والتقليد والجري وراء كل ما هو أجنبي وغريب، مما لم يمكنها كمن أي شيء حقيقي، ناهيك، وقد كانت آخر وصية الرسول عليه السلام للأمة جمعاء بالمرأة خيرا، الأمر الذي وصلت إليه المرأة في دين الإسلام، وعلى عناية رسول الله وبره بها، فقال في حجة الوداع: «اتقوا الله في النساء واستوصوا بهن خيرا».
ونحب هنا أن نشير إلى بدعة طغت على مجتمعات المسلمين بسبب تخلفهم وضعفهم وتقليدهم، وهي تسمية إلى زوجها، فهذا تقليد فاسد يفقد المرأة شخصيتها، والانتساب إلى أبيها وأسرتها، فقد كانت أمهات المومنين أنفسهن تنسبن إلى آبائهن بالرغم من كون زوجهن هو رسول الله أشرف زوج في الدنيا على الإطلاق.
 المرأة في ديننا شقيقة الرجل:
 فماذا حدث لأمتنا؟ حتى جاءت أزمان أمسى فيها ذهاب فتاة إلى المدرسة جريمة، وخلت المساجد من العبادات، وأضحت صلاة المرأة في المسجد منكرا، وصار ذكر اسم المرأة أو زوجة شيئا إدٌا، وخيم صمت مطبق على العالم النسائي، وانحسر نشاطهن وعلمهن في المجتمعات الإسلامية، ولم يعد لهن رأي في الشؤون العامة حتى أصبحن قواعد بيوت، فخسر العالم الإسلامي من ذلك كثير، وانحطت أحواله بسبب تقاليد جاهلية ألبست زي الدين، وبسبب مرويات وآثار واهية لا تقف في وجه التمحيص، ولا يقبلها عالم رشيد، مثل القول بأن الرؤية المجردة للمرأة محرمة، وأن الإسلام يقيم أسوارا عالية بين الجنسين حتى لا يرى أحدهما الآخر، ومثل صوت المرأة عورة... إلخ، وهذا يخالف ما كان عليه المجتمع الإسلامي الأول، على عهد الرسول الكريم والصحابة الأبرار، فقد كان النساء يألفن المسجد غاديات رائحات دون نكير، وكان من شاء منهن ينطلق إلى ميادين القتال دون نكير، وكن يعدن المرضى دون حرج، ومن رأت في نفسها القدرة على البيعة في العقبة أو تحت شجرة الرضوان بايعت، ومن كرهت المقام في دار الكفر هاجرت المقام في دار الكفر هاجرت، فمن ذا الذي حرمها حق العبادة والعلم والدعوة وهي في ديننا شقيقة الرجل، ونظيره في العقائد والأخلاق والكسب والاكتساب؟
 إن هذه النظرة الطبقية ألحقت ضيرا بالمرأة المسلمة ومجتمعات المسلمين، وحتى شاع اليوم أن الإسلام دين الرجال، وأن المسيحية دين النساء، كما أكد ذلك داعية الإسلام أحمد ديدات،(33) وحتى شاع في أوساط الشباب المسلم، وفي الشرق والغرب، أن الإسلام لا يحترم حقوق الإنسان بالنسبة للنساء، ونتج عن ذلك رد فعل جامع جعل المرأة تتبع الهوى، وتؤثر الشارع على البيت، وتؤثر الجاهلية على الدين، كما صور لها بأنه امتهان وازدراء لها، وحتى رأينا اليوم في بلادنا من يدعو إلى مخالفة الدين والتشريع، كما تمثل ذلك في عرائض توقع وتطالب بتعديل التشريع في أمور النساء، بما يناقض صريح القرآن والسنة، وأنا لا ألوم الموقعين ولا الداعين، لأن الذنب ليس ذنبهم، وقد حجبت عنهم حقيقة الإسلام، وسماحة مقاصده، ولو أتيح لهم المعرفة ذلك عن طريق العلماء، والدعاة، ووسائل الإعلام، وفي مناهج  الدرس والتحصيل، لما حدث مثل ذلك، وفي رأيي أن أسباب هذه الظواهر تعود إلى ما يلي:
• عدم الإلمام بمبادئ الإسلام ومقاصده.
• طغيان المادية على العصر، واكتساحها لما عداها.
• تقليد المسلمين لغيرهم دون مراعاة لحيثيات دينهم ومبادئه
• عدم احترام قاعدة التكافئ بين الزوجين.
ومن هنا نجد أن أغلب المشاكل التي تطرح ضدا على الإسلام ناتجة عن تلك الأسباب الآنفة المذكورة، والتي تحجب عن أصحابها الصورة الصحيحة الواضحة التي رسمها الإسلام للمرأة، لتكون مع شقيقها الرجل، متكامل متعاونين في الحياة، لقيام مجتمع متوازن فاضل، مستقر، وقد رأيت أن المسائل التي تثار في موضوع المرأة تنحصر في أربعة لابد من توضيح رؤية الإسلام فيها.

أولا: تعدد الزوجات
من دون الدخول في التفصيلات فإن مبدأ الإسلام في بناء الأسرة وقيام المجتمع ينطلق من قيامه على الفضيلة والمروءة ، والطهر والعفاف، وتنظيم علاقة الرجل بالمرأة، وترشيدها، على عكس ما كانت تتردى فيه في الجاهلية، من حيوانية، وشهوانية، وانطلاق.
ومن هنا أحاط الإسلام الأسرة بكافة الضمانات والتوجيهات، لتكون طاهرة عفيفة كريمة، ترعى فيها ظروف الحياة، وواقع الناس، وطبيعتهم من الإحصان والإعفاف، وحب النسل والولد، معالجة ما يقع الناس فيه من حروب وحوادث.
ولذلك، كان تعدد الزوجات في الإسلام رخصة، وأنه جائز،وليس واجبا محتما، وهو في صالح المرأة أكثر مما  هو في صالح الرجل لكونه يحل مشاكل العقم، وتحقيق ازدياد الرغبة عند بعض الناس، وتعويض جنس الرجال بسبب ما يفقد منهم في الحروب، وتحقيق التوازن بين الجنسين عندما يطغى عنصر النساء على الرجال، وتوفير دفء الزوجية، ولاسيما للبائرات الأيامى الشابات. فهذه هي الظروف الحياتية التي تدعو إلى التعدد، ولا مناص منه في أحوالها، إضافة إلى ضرورة هذا التعدد للقضاء على حالات الزنا، التي سادت قبل الإسلام، والتي عادت في عصر المادة، هذا اليوم، في صورة المخادعة وانتشار الرقيق الأبيض والتجارة فيه، الأمر الذي لا يرضاه الإسلام، ويتنافى مع أسسه وأهدافه التي بنى عليها مجتمع المسلمين، من طهارة، وعفة،وحفظ أنساب، بعد عن كل ما يشين، ويسيء إلى خلق المسلم واستقراره واستقامته، كما أنه أحاط التعدد بضمانات وأحكام لازمة شدد على ضرورة تحققها قبل الإقدام عليه، وإلا فلا تعدد: (ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين الناس ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما).(34)

ثانيا: القَوَامَة
ومن القضايا التي حجب حقيقتها عدم الإلمام بالإسلام، وشوهها الغرض والهوى والانقياد، قضية القوامة: قوامة الرجل على المرأة والأسرة، والتي حسب الناس أنها بخس لقيمة المرأة، وانتقاص لحقوقها، أو جبر لها وحجر عليها،واستبداد الرجل والتحكم بأمر الأسرة، وأنها سيف مصلت في وجه المرأة والأبناء، وسياسة لها بالرهبة في السطوة والاعتداء، وأنها عصا غليظة ترفع في وجهها كلما همت بأمر، أو أرادت ممارسة حياتها وحقوقها.
وأعلن هنا صراحة: أن الإسلام بريء من هذه المعاني التي لا تفق مع أهدافه السامية في شيء، إن القوامة تعني قيام  الرجال على النساء بالحماية والرعاية والولاية والكفاية، أي رئاسة الأسرة، وهو أمر طبيعي في كل المجتمعات.
وهي توجيه كريم، وتدبير حكيم للأسرة، وتربية قويمة للأبناء، وعطف وحنان وبر بهم مصداقا للآية الكريمة: (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض، وبما أنفقوا من أموالهم ) أي أن الرجال أهل قيام على نسائهم في تأديبهن، والأخذ على أيديهن، فيما يجب عليهن ولأنفسهم بما فضل الله الرجال على النساء من سوق المهر، والنفقة وكفاية المؤونة، وفي هذا تكريم للمرأة، لأن درجة القوامة هنا هي درجة تكليف قبل أن تكون درجة تشريف.(35)
أما ما يقال بأن المرأة أصبحت تعمل بجانب الرجل، وتشارك في الإنفاق، فهذا نادر، ولا يساوي أكثر من خمسة في المائة من الأسر، والأحكام والقوانين توضع للحالات العامة.

ثالثا: الطلاق
وقد شرع الإسلام الطلاق علاجا لمرض لا شفاء بدونه، وحلا لحياة عائلية أشرفت على انهيار، ووصلت إلى الطريق المسدود، وجعله مخرجا من شقاء مستمر، ونجاة للأبناء، وإنقاذا لهم من تعاسة الخلاف والشقاق المستمر بين الأبوين، حتى لا يكونوا ضحاياهم، ولعل الحديث الشريف يصور حقيقة الطلاق ويبينها بقوله عليه السلام: «أبغض الحلال عند الله الطلاق»،( 36) باعتباره ضرورة لابد منها، غير أن هذه الضرورة تقدر بقدرها، أي هو كالدواء المر الذي يتحمل المريض مرارته من أجل شفائه، ولكنه لا يتناوله غلا عند الحاجة، وفي حالة المرض، كما أن جعل الطلاق بيد الرجل في أغلب الأحوال راجع إلى طبيعة الرجل، وتحكمه في عواطفه وأحاسيسه أكثر من المرأة، كما هي طبيعة كل منهما خلقهما الله، وقد أكدت الحياة ووقائعها وأحداثها صواب هذا التشريع الإلهي، الذي هو مناط صلاح الأسرة، واستقرار المجتمع، والذي لا يمنع المرأة من أن يكون أمرها بيدها إن هي أرادت ذلك، إذ لها الحق في فسخ النكاح بطريقة مباشرة النكاح بطريقة مباشرة كالخلع، أو جعل الأمر بيدها، أو تخييرها في الفراق وعدمه.(37)

رابعا: ميراث الرجل والمرأة
يزعم أعداء الإسلام أنه لم ينصف المرأة حيث لم يسو بينها وبين الرجل في «» الإرث، إذ جعل نصيبها نصف نصيب الرجل.
ونرد عليهم، بأن الإسلام هو أول نظام جعل للمرأة نصيبا من الإرث، بعد أن كانت محرومة منه:(للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا).(38)
ومرد هذا التفاوت في نصيب كل من الرجل والمرأة، يرجع إلى أنه هو المسؤول عن نفقات الأسرة، زوجة ، وأولادا، وكذلك الأقارب الذين لا مال لهم، كما فرض الإسلام على الرجال المهر، والكسب، والعمل، ولم يكلفها بشيء، بل إنها نفقتها على غيرها قبل الزواج وبعده، فأعباؤها قليلة، وأعباء الرجل كثيرة، ومن هنا جاء تشريع الإرث تطبيقا للقاعدة الشرعية «الغرم بالغنم»، ناهيك وأن هناك حالات قد ترث فيها المرأة أكثر من الرجل، أو تتساوى معه حسب صلة القربى للموروث، ولا علاقة لاختلاف الجنس في ذلك.
وما أحسن أن نستشهد هنا بقول الدكتور «كوستاف لوبون» العالم الفرنسي في كتابه «حضارة العرب»:
إن مبادئ المواريث التي نص عليها القرآن على جانب عظيم من العدل والإنصاف، والشريعة الإسلامية منحت الزوجات حقوقا في المواريث لا نجد مثلها في قوانيننا.(39)
إن مشكلة المسلمين في عدم إتباع تعليمات ديننا الحنيف، وإن إصلاح القوانين وتعديلها وحده لا يكفي، بل لابد من الارتقاء بالمستوى الإيماني والثقافي والتربوي لكل من المرأة والرجل، وتعريفهما بحقائق الدين، وقيمه ومبادئه وتشريعاته، وخاصة في حق المرأة عن طريق مناهج التعليم ووسائل الإعلام، لافتقارها للقدر الضروري في هذا المجال، فلابد من التوعية المنظمة والموجهة ليكون إصلاح القانون ذا جدوى وأثر، ذلك أن التوعية بين الرجال والنساء حول حقوقهما وواجباتهما للتفقه في أحكام الإسلام وتشريعاته السمحة ضرورية من أجل الإيمان بها وتطبيقها، والعمل بم جاء فيها،لتصحيح النظر إلى العلاقة القائمة بين الرجل والمرأة، المبنية على أن الإسلام الذي حرر الإنسان من العبودية والقهر، هو الذي حرر المرأة من قيودها التي وضعتها فيها الأمم والأجيال، وليس من الإسلام في شيء، أن نكون ضد تحريرها، ولا ضد حقوقها وواجباتها، ولا ضد أن تكون ابنة زمانها، ولكننا ضد أن يكون مدلول هذه المفاهيم نزع الإسلام من صدورنا، ومن مظاهر حياتنا.
ويكفيني هنا مثل واحد أختم حديثي به عن مدى تعامل الرسول مع المرأة، ومراعاة عواطفها، وتقدير إنسانيتها، وهو يخاطب زوجته عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:«إني لأعلم إذا كنت عني راضية، وإذا كنت علي غضبي، قالت: فقلت: من أين تعرف ذلك؟ فقال: أما إذا كنت عني راضية فإنك تقولي: لا ورب نحمد».
وصدق رسول الله عليه الصلاة والسلام في قوله:«خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي».
لعل المرأة في بلاد المسلمين أكثر مطالبة بحقوقها التي هضم بعضها بسبب انتشار الأمية، والتخلف، وعدم الإلمام بحقائق الدين وقواعده الاجتماعية، وهديه في هذا الباب.
ومن هنا تضخمت مشاكلها، وكثرت مطالبها، وعلت صرخاتها إلى حد بعيد، علما بأن أوضاع المجتمع وعرفه وعاداته هي التي تحول دون حصول المرأة على كامل حقوقها، وليست نصوص الشريعة الإسلامية التي كانت أول من برأها من همة إخراج آدم من الجنة، ومؤكدة أن الشيطان هو الذي أخرجهما، وكان ذلك أول انتصار للمرأة في القرآن الكريم الذي جاء فه قوله تعالى:
(وقنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغدا حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين، فأزلهما الشيطان عنها فأخرجهما مما كانا فيه وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين).(40)
ومؤكدا أن كلا من الرجل والمرأة يكمل أحدهما الآخر، مصداقا لقوله تعالى عليه السلام: «النساء شقائق الرجال»
ولهذا أدعو النساء في بلادنا وفي العالم الإسلامي إلى التشبث بحقوقهن من خلال دينهن الحنيفـ فإنه الضامن الوحيد لحقوق الإنسان، وأن تطبيقه والالتزام به كفيل بتمكين المرأة من دورها الحقيقي في الحياة والمجتمع، وتبويئها المكانة اللائقة التي وضعها فيها الإسلام عزيزة كريمة بجانب الرجل.
ومن أجل ذلك، عليها التعرف على سماحة الدين وهديه، والتفقه في مقاصده وحقائقه في هذا المجال، حتى تدرك مالها وما عليها، وحتى يتحقق الاستقرار المنشود لمجتمعاتنا، لأن صلاح المجتمع واستقامته لن يأتي إلا عن طريق المرأة الصالحة المؤمنة، التي توفر السعادة في
البيوت، والتربية الحسنة للأبناء، وعليها التمسك بالإسلام، والاهتداء بهديه الصحيح، فإنه خير ملاذ.
وقد أكد ذلك الكاتب:«كوستاف لوبون» في كتابه «حضارة العرب» قائلا: «إن الإسلام قد أثر تأثيرا حسنا في رفع مقام المرأة أكثر من كثير من القوانين الأوربية، وخير طريقة لتقدير التأثير الذي أحدثه الإسلام في حال المرأة، أن نبحث عما كان عليه حالها قبل القرآن».
وما أبلغ تشبيه الرسول الكريم للنساء بالقوارير، ودعوة الخير للرفق بهن، في قولته المشهورة: «يا أنجشة رفقا بالقوارير».
وما أروع الهدي القرآني وأجمله في هذا الباب:
(ومن آياته أن خلق لكم من أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون). صدق الله العظيم

________________
1) سورة المائدة – الآية: 56.
2) معالم إسلامية ص: 10و11 للدكتور يوسف الكتاني.
3) سورة القيامة – الآية: 36.
4) السيرة النبوية بين التاريخ والخيال الشعبي: نبيلة إبراهيم (مجلة عالم الفكر- المجلد 12/ مارس 1982).
5) سورة النساء – الآية الأولى.
6) سورة الروم – الآية: 21.
7) رواه أحمد والترمذي وأبو داود.
8) رواه ابن ماجة عن أبي أمامة.
9) فتح الباري 1/23.
10) سورة آل عمران – الآية: 195.
11) رواه أحمد في المسند والترمذي وأبو داود في سننهما.
12) فتح الباري 9/191.
13) فتح الباري 9/194.
14) راجع سنن أبي داود وابن ماجه.
15) فتح الباري 9/180 و181.
16) سورة النساء – الآية: 19.
17) رواه الترمذي عن عائشة مرفوعا.
18) رواه البخاري في الصحيح.
19) سورة النساء – الآية: 32.
20) سورة التوبة – الآية: 71.
21) فتح الباري 9/248.
22) رواه ابن ماجة وأبو داود والنسائي.
23) رواه الحاكم.
24) فتح الباري 2/469.
25) أخرجه البخاري عن عبد الله بن عمر.
26) سنن النسائي – كتب النكاح 6/87
27) انظر صحيحي البخاري ومسلم والمسند لأحمد
28) سورة الممتحنة – الآية: 12.
29) انظر الحوار الرائع بين الرسول وهند زوجة أبي سفيان عندما بايعته مع النساء «المجتمع المتكافل في الإسلام» عبد العزيز الخياط ص: 135/136.
30) سورة المجادلة – الآية الأولى.
31) نيل الأوطار للشوكاني 6/180.   
32) الاستبصار في مناقب الأنصار.
33) راجع الحوار الممتع الذي أجرته مجلة «درة الإمارات» أحمد ديدات العدد 25 / نونبر 1992.     
34) سورة النساء – الآية: 129.
35) انظر تفسير الإمام الطبري للآية الكريمة.
36) سنن ابن ماجة 3/650 – سنن ابن داود 2/256.
37) صحيح مسلم 4/186 – سنن ابن داود 2/262 – سنن ابن ماجة 1/661.
38) سورة النساء – الآية: 7.
39) راجع الموضوع بتفصيل في كتابه: «حضارة العرب».
40) سورة البقرة – الآيتان: 35 و36.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here