islamaumaroc

وردتان في عرش واحد -1-

  دعوة الحق

33 العدد

وثرت واتهمتها بالخيانة، وتخيلتها مرتمية بين أحضان غيري من ذوي الحطام أو الجاه، قد يكون قائدا ممتازا أو ضابطا للشرطة أو الجيش ففتياتنا أصبحن يهمن بذوي السيارات المجنحة الفخمة والبدلات الرسمية. ومر أسبوع آخر وفي نهايته جاء الجواب، لكنه كان هذه المرة بخط غريب عني أن الغلاف يحمل طابع بريد مكناس، وفضضته رفقا بأعصابي، وبنفس الخط الغريب قرأت ما أذهلني وأشاع الحزن والخيبة في نفسي... إنها الرسالة التي أحفظها عن ظهر قلب.

عزيزي حسين:
لن أكون لك بعد اليوم، فابحث عن فتاة غيري تستطيع إسعادك إما أنا أعد لك ولم يعد بوسعي أن أسعدك لأنني أصبحت لغيرك، نعم لغيرك، نعم لغيرك يا حسين، وليس لي اختيار في ذلك، واقسم لك بأغلظ الإيمان على أنني مرغمة يا حسين، لقد أصبحت لغيرك، وغيرك هذا أصبح جزءا من كياني لا ينفصل عني طرفة عين، إنه الجسم والروح والقلب إنه يستمتع به كما يشاء وأنا المسكينة لا أملك أن أعترض، وكل رجائي أن تملك أعصابك وتتحمل الصدمة في شجاعة فأنتم الرجال تمتازون علينا برباطة الجأش كما تزعمون، ورجائي أن تذكر شيئا واحدا هو أنني لا أزال أحبك بالرغم من كل ما حدث، ومع ذلك لا أملك أن أتزوجك، لا تذهب بك الظنون بعيدا فعائلتي لا بد لها في الأمر وعندما ترجع إلى مكناس في العطلة التي لن يتأتى لك أن تخطبني فيها ستعرف كل شيء وأرجو كل ازدهار وسعادة.
تلك رسالتها لم أذهل عن حرف واحد منها، فلقد قرأتها عشرات المرات. ولن أستطيع أن أصور لك وقع الصدمة في نفسي، لقد كانت عنيفة أفقدتني الرشد، وجعلت مني ذلك المحزون الذي فقد ثقته بكل شيء، وتحرك في نفسي ذلك المارد الذي لا يعرف طريقه إلى الخير.. انتقم لشرفك .. لرجولتك.. لكبريائك التي مرغتها في التراب .. وكتبت إليها يدفعني المارد الخفي: «انتظري الجزاء أيتها الخائنة اللعوب.. سوف أخنقك وأنت بين أحضانه.. سوف اخنقكما معا وأشرب نخب الانتقام لشرفي الجريح».
آه ساعدني على الجلوس مرة أخرى.. الله .. الله.. لقد قدر علي أن أنتشل من بين الأنقاض لأعاني كل هذا العذاب، لماذا لم أكن بين الذين استراحوا إلى الأبد؟ استراحوا من عبث الحياة، ألا تؤمن معي بأن الحياة عبث، وأننا في هذا العبث تافهون نفايات .. آه ليتني ما حييت.
- دعني أساعدك على الجلوس.. سوف تكون هكذا أفضل.. إنها الجراح تلتئم وسوف تغادر المستشفى في أتم صحة، وسوف يحتفي بك الربيع وتستقبلك الخطاطيف .. فاستعد يا صاحبي لتملأ رئتيك من هواء الربيع ولتستنشق أريج الأزاهير.. إن الحياة جميلة، ويجب ألا نقلق إذا ما عاكستنا ذات يوم علينا أن نقبلها على علاتها وحينئذ سندرك أننا سعداء.
- ذكرتني بخطاطيف «أرسطبيس» لقد كنت أؤمن بذلك في زمن مضى .. لا علينا ناولني سيجارة وسأتم لك قصتي.. وحلت العطلة فعدت من أكادير إلى مسقط رأسي بمكناس لأنتقم، وهناك عرفت كل شيء، وأدركت حقيقة مرة، أدركت أنني لن يكون بوسعي أن أخنقها وصاحبها.. أدركت أنني عاجز عن ذلك وأنني مشفق عليها وإن كنت خانقا على صاحبها ..وتحدتني عندما زرتها بالمستشفى، فقالت: أراك لم تقدم بعد على تنفيذ تهديدك، فأنت لم تخنقني بعد ألا تراه يضاجعني؟ ماذا تنتظر لتخنقه وقد صممت العزم على ذلك من قبل؟ أرأيت أنك لا تستطيع، لقد عجز جميع نطاسيي الدنيا عن خنقه وانتشالي من بين أحضانه.. ها أنت ترى أنامل متقلصة .. متشنجة .. إنك أمام عزيزة الكسيحة إحدى ضحايا الداء الذي اخترعناه بأنفسنا وعجزنا وعجز معنا أطباء الأرض عن علاجه.. هكذا أنا كما ترى ضجيعة الحزن وقد أمتلك مني كل شيء، وانتزع منك كل شيء، ومع ذلك أريد منك أن تسعدن وسوف أسعد بسعادتك.
- إذا فأنت تجردينني من كل عاطفة إنسانية فضلا عن حبي إياك.. تصمينني بالأنانية والنرجسية.
- إننا نغالط أنفسنا عندما ننكر أن فينا شيئا –قل أو أكثر- من الأنانية والنرجسية، أن أحدنا عندما يحب إنما يرضي أنانيته ونرجسيته، لماذا ثرت إذن عندما كتبت إليك بأنني بين أحضان غيرك وقررت أن تخنقني وضجيعي؟ أليس ذلك أنني طعنت أنانيتك ونرجسيتك؟.. لقد ذوى عودي وأنا في العنفوان، فلم أعد عزيزة الجميلة التي فتنك جمالها ذات يوم، ولا تلك الرشيقة التي كانت تستطيع أن تجاريك في خطواتك السريعة عندما تؤذن صفارة حارس الحديقة بإغلاق الأبواب وتخف لتلقي بعض الدروس المسائية، ولا عزيزة التي قطفت بأناملها ذات مساء وردتين في عرش واحد، ولا تلك التي كان يحلو لها أن تمر بأناملها على شعرك الأملس الفاحم إنها لن تقوى على فعل كل ذلك الآن.. لأن تلك الأنامل.. تقلصت .. تشنجت.. عقدتها أنامل الغش والتزييف .. وقيل عنا مزيفون غشاشون.. نهمون.. وأصبحنا ميدانا لتجربة العبقرية الأوربية وقد اكتشفنا لها ميدانا للتجربة..
- ثقي ياعزيزة أنني سأكون ذلك المخلص الذي لا تغيره الأيام .. سأبقى وفيا لحبك رغم كل ما حدث.
قلت لها ذلك وأنا أودعها عندما أعلنت إحدى الممرضات انتهاء وقت الزيادة، هكذا انهارت آمالي العذبة.. وأصبحت إنسانا بلا أمل .. وحينئذ فقط آمنت بعبث الحياة وقسوتها.. أنها مدمرة..صاعقة تسحق كل من تجد في طريقها، إنها لا ترحم، وليتنا جميعا أدركنا هذه الحقيقة لكي نوفر على بعضنا المآسي التي يسببها فريق منا للبعض الآخر، ولكننا تعينها علينا، فهي تدمر من جهة ونحن ندمر من جهات وفي كلتا الحالتين نحن الضحايا أليس كذلك يا عباس؟.   
- هذا صحيح ومع ذلك فتغيير الحياة مستحيل قد يستطيع الإنسان أن يخفف عنه من أعبائها، ولكنه لن يقوى أبدا على تركها بدون مصاعب، أما نحن فيسعنا أن نغير أنفسنا، أن نوفر عليها كيد بعضنا للبعض الآخر.. علينا فقط أن يمارس أحدنا حريته في نطاقها المحدود وسوف تنتهي المشكلة عندما ندرك هذه الحقيقة، وتصير عادة راسخة فينا، وطالما لم ننضج إلى هذا الحد فسوف لا يجدي الجزاء، ستحكم المحكمة على بعض مخترعي الداء –بتعبير عزيزة- بالإعدام وآخرين بالأشغال الشاقة، فهل تعتقد أن هذه الأحكام –إن وقع تنفيذها – ستضع حدا للمشكلة.. مشكلة إلحاق الأذى بالآخرين؟ إنني أشك في ذلك كثيرا، لأننا هنا لم نستطع بعد أن نربي أنفسنا على ممارستنا حرياتنا في نطاقها المحدود.
ابنتي زينب، ولدي سعيد، أريد أن أراهما .. دعوني أبحث عنهما ولامت بعد ذلك.
- اطمئن بالا، سوف تراهما، وسيزورانك صحبة أمهم، لا تتحرك من مكانك، إن ذلك يؤذيك كثيرا، خذ هذه القرص وتم لتستريح.
- هو هكذا لا يكاد يفيق من غشيته حتى يبحث عن ابنته زينب وولده سعيد.
- وكذلك الآلاف غيره رجالا ونساء، لقد كانت نكبة حقا وما أسعد أمثالك من الذين قدر لهم البقاء.
- بل ما أشقاهم، لقد استراح أولئك من عبء الحياة إلى الأبد، أما نحن فيبدو أننا ندفع ثمن راحتهم ببقائنا، خذ لك مثلا أغنياء أصبحوا فقراء وأصحاء غدوا معطوبين، وأبناء مدللين صاروا بين عشية وضحاها يتامى.
- ومع ذلك فسوف يشقون طريقهم إلى الحياة، وسوف يسعدون بلحظات سعيدة ينسون معها أنهم نكبوا ذات يوم، كل واحد منا لا شك أن فقد أثيرا إلى قلبه. فكانت الصدمة عنيفة في نفسه، وخيل إليه أن الفرح سوف لا يعرف من يومها سبيلا إليه، ولم تمض أيام حتى ألفى نفسه يضحك بملء فيه مع الضاحكين كان شيئا لم يحدث وكان الأمر على ما يرام.
- تلك حقيقة مرة يبدو أن الدنيا في غنى عن أي واحد منا مهما يكن شأنه فيها، فالشمس والقمر لا يغيران شيئا من نظامها، وكل شيء يسير كالمعتاد.
- وماذا يضيرنا من ذلك؟ علينا أن نمارس حياتنا بما فيها من ألوان، فإذا انتهينا فليكن ما يكون...
- هذا صحيح.. لكن .. ماذا كنت أريد أن أقول .. نعم أرجوك أن تكتب ما أمليه عليك، فهي لم تعلم بعد فيما إذا كنت نجوت من الزلزال.
- أرجو ألا يكون فيما ستميله شيء من التشاؤم، فهي بحاجة إلى ما يخفف عنها وقع الصدمة.
- سأحاول ذلك اكتب ... «عزيزتي لقد وحد الحب قلبينا وها هو الألم يوحدهما مرة أخرى، لقد وقعت ومعك عشرة آلاف ضحية فقدان الأمانة وطغيان الزيف ووقعت مع عدد أضخم ضحية قدر خفي، وأيا كان مصدر ألمنا فقد أصبحنا ومعنا غيرنا كثير في عداد المعطوبين، فهل يخفف من ألمنا أننا لسنا وحدنا في النكبة؟ وهل يقوى الأمل في نفوسنا أن يصلح الإنسان ما أفسد الإنسان، وإن يبسم القدر بعد أن عبس؟ إنني لم أفقد الأمل بعد، وعباس الممرض الذي يسهر علينا بالليل وبخطه تقرئين هذه الرسالة يزيد من تقوية هذا الأمل في نفسي، سنلتقي يا عزيزتي ونحن على أتم صحة، وسنحقق أملنا العذب بعد  أن نكون قد انتصرنا على زيف الإنسان وثورة الطبيعة. أنا بمستشفى ابن سينا بالرباط فكاتبيني، وإلى اللقاء على مشرق الأمل الباسم».

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here