islamaumaroc

التعليم الحر بين الأمس واليوم.

  مصطفى بن أحمد العلوي

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993

نشأ التعليم الحر في بلدنا قبل سنة 1930، وذلك بإدخال تنظيمات على الكتاتيب القرآنية على ما أعلم، مثل الزاوية الناصرية بفاس، حيث كان بعض العلماء من شيوخنا يلقون بها دروسا ابتدائية، وكان بها نشاط كبير، ثم بدأ تأسيس مدارس في مختلف الأحياء وفي مدن أخرى كالرباط وسلا والبيضاء ومراكش والقنيطرة ووجدة وطنجة وغيرها. وكلما زاد إحداث المدارس الحرة ازداد النشاط السياسي عند الشباب في تلك المدن بصفة خاصة، الأمر الذي لفت أنظار رجال الحماية إليها بعد القرويين بفاس، وابن يوسف بمراكش، وجعلهم يبحثون عن مصدر هذا النشاط وهاته الحركة الغير منتظرة. فجامعة القرويين التي حركت الذعر في قلوبها وصفها المقيم العام في إحدى زياراته لفاس، وهو واقف بساحة النجارين القريبة من ضريح المولى إدريس، وصفها بأنها: (الخطر المهدد لنظام الحماية). ولقد أطقه الله بذلك، شعر أولم يشعر. فمن جامعة القرويين بدأ الزحف على الاستعمار، ومن أهم نتائج هاته الجامعة تكوين الرجال الذين أنشأوا التعليم الحر.فجامعة القرويين هي التي أنجبت من بدأوا بجمع الكلمة على تحرير البلاد من الاستعمار كما سيظهر من بعد، لأنها منذ نشأتها وهي تكون فطاحل العلماء في مختلف الظروف على عهد الدولة المغربية مهما كان على عرشها رجال من المرابطين ثم المرينيين ثم السعديين إلى العلويين وإلى يومنا هذا. وذاك أمر لا يحتاج إلى دليل. 
 وحديثنا اليوم إنما هو عن التعليم الحر. فتلك الكتاتيب القرآنية التي تحولت إلى مدارس ابتدائية حرة شعر بخطورتها الاستعمار المسيطر على البلاد يومئذ، وكان ينظر إليها كمدارس عسكرية بل ثكنات مليئة بالرجال الذين خشي منهم على وجوده، إضافة إلى جامعة القرويين التي تكون منها ضباط هذه المعسكرات. وكلما تقدم الزمان كثرت هاته المدارس التي لها فضل كبير في تخريج وتكوين ضباط هذا الجيش الذي خشيه المستعمر منذ نشأته وهو لا يحمل سلاحا ولا يقود دبابات لقتال جيوش المستعمر الذي كان يملك كل أنواع أدوات الحرب.
 وإذا كان الأمر يحتاج إلى دليل، فمن المدارس ومقاومة المستعمر لها ما حدث في أوائل الثلاثينات، وفي سنة 1936 – 1937 عندما قامت حوادث 1937، واعتقل المستعمرون كثيرا من رجال الحركة الوطنية، وفي وصفهم كثير من منشئي هاته المدارس الحرة، فقد نفاهم وسجنهم وعذبهم بما لا يعذب به إلا المجرمون الذين يرتكبون أبشع الجرائم كالقتل وما في مستواه من الجرائم البشعة. ولا أستطيع إحصاء عدد هؤلاء الذين عوقبوا بالسجن والنفي الأعوام والشهور. غير أني أسوق هذا مثلا يكفي للدلالة على أهمية تلك المدارس التي كان بها أطفال في سن5 حتى 15، والدليل على خطورة تلك المدارس أنه عندما وقعت حركة الاحتجاج على ماء (بويفكرن) بمكناس وأشياء أخرى اعتقل كثير ممن شارك في تلك المظاهرات الاحتجاجية بفاس وغيرها من المدن، ونقل العشرات منهم إلى إقليم قصر السوق (الراشيدية) ووكل بهم ضابط فرنسي اسمه (عيار) كان على رأس دائرة كلميمة للتعذيب والاضطهاد بكل ما يحمله من معنى العذاب، وكان من بينهم الأساتذة عبد العزيز بن إدريس رحمه الله، وإبراهيم الكتاني رحمه الله، والهاشمي الفيلالي حفظه الله، إلى جانب كثير ممن لا أتذكرهم اليوم، أي منذ نصف قرن، غير أني أذكر شخصا ليس له ذنب يستحق عليه ما نفذ عليه يومئذ هو ورفاق له وهو الشريف العلامة سيدي محمد بن عبد الله العلوي الهاشمي رحمه الله، وكان لا يزال طالبا في جامعة القرويين قبل الحصول على شهادة الباكالوريا، فاضطر إلى الانقطاع عن المدارسة، فأسس مدرسة ابتدائية حرة بمدينة عيون سيدي ملوك قرب وجدة، ولم يمض على تأسيسها إلا سنة واحدة، وبمناسة حوادث 1937،اعتقل ونقل إلى الراشيدية، فكبل بالحديد، وحكم عليه بعام سجنا في منطقة التعذيب الكبرى في كلميمة بوادي غريس، حيث قضى هو ورفاقه السبعة من مدغرة مدة، وفي صفهم كتابه  الذي لا ذنب له إلا أنه كان أسس مدرسة حرة بعين بني مطهر أيضا.
 أقول: إن قيمة هاته المدارس الحرة تظهر من مقاومة المستعمرين لوجودها ومحاولة القضاء على مؤسسيها في أول أمرها، لأنهم كانوا يعلمون أن ما تخرجه تلك المدارس من شباب هو الذي يقاوم الوجود الاستعماري، وتحرر البلاد بفضل راعيها الذي عرف قدرها، وعمل على تأسيس مدارس أخرى جلالة الملك محمد الخامس محرر البلاد، وشجع على ذلك.
 وعلى سبيل المثال أمر، قدس الله روحه، وزارة الأوقاف بإنشاء مدارس حرة في كل من فاس والرباط والدار البيضاء ومراكش سنة 1943، وكان لكل منها أثر محمود في الميدان، حيث كانت في حماية مؤسسها قدس الله سره. وكلما تقدم الزمان كلما شجع رحمه الله على تأسيس مدارس حرة.
 وفي سنة 1945، أسس مدرسة حرة  من ماله الخاص، وسماها مدرسة النهضة الإسلامية بمكناس، كان لها أثر محمود في الحركة، خصوصا في الأطلس المتوسط، فأسست عدة مدارس به، مثل مدارس أزرو وعين اللوح وإتزر وميدلت وغيرها. أما في الأقاليم الأخرى، شرقي المغرب وعربه وجنوبه وشماله، فلا يستطيع القلم أن يحصيها.
 وليس القصد اليوم إحصاء المدارس الحرة، وإنما إثارة الانتباه إلى أهميتها وتدعيم جلالة الملك رحمه الله لها ماديا ومعنويا، فدعم وجودها بخمسين مليون فرنك سنة 1951 وما بعدها فقد حماها من العدو الذي كان يقاومها ويهدد رجالها بسبب وبغير سبب، ويتربص بهم الدوائر، مما يدل على حقد المعمرين على هذا التعليم الحر منذ نشأته.
 وعندما اشتد النزاع قرر المستعمرون التوجه إلى صاحب العرش، فبدأوا باعتقال كثير من رجال تلك المدارس وغيرهم من رجال الحركة الوطنية، وملأوا بهم السجون والمنافي إلى أن بلغ السيل الزبى كما جاء في المثل العربي، ورأوا أن الأمر لا ينتهي إلا بإزالة حامي الأمر عن عرشه ونفيه إلى مدغشقر هو وولي عهده جلالة الحسن الثاني الذي كان عمدة مع والده لمقاومة شاملة قام بها رجال الوطنية الأحرار ابتغاء وجه الله. وضمنهم عشرات بل المئون من رجال المدارس الحرة.
والذي لفت النظر إلى هذا الموضوع هو ما قامت به جمعية رجال المدارس الحرة في هاته الأيام من  احتفال ينوه بها، والمستغرب في الأمر هو تغيير الاسم الذي كان لها، والذي حارب المستعمرين أزيد     من نصف القرن، واستبداله (بالتعليم الخصوصي).
 فالتعليم العربي الأصيل هو أهم مقومات الأمة المغربية منذ شرفها الله بدين الإسلام عقيدة وعبادة وسلوكا، وباللغة العربية التي هي لغة القرآن، ولا يفهم معناه الحقيقي إلا بها، ولغة التعامل والتعليم والتكوين.
 والواقع أن للتعليم الحر من يحميه كما حماه ورعاه والده المقدس. «هو جلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله»، وهو الذي كان ناصرا ومؤيدا لجلالة الوالد المقدس رحمه الله.
 وأذكر هنا ما كان يقوم به وهو ولي العهد من إلقاء خطب حماسية باللغة العربية، وهو طالب، تشجيعا لهذا التعليم الحر، وتأييدا لمواقف والده أمد الله في حياته، ورزقه التوفيق والسداد في كل أعماله، وأقر عينه بطاعة شعبه، وجمع كلمة المسلمين من حوله، وبولي عهده وصنوه، إنه على ما يشاء قدير.
والله ولي التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here