islamaumaroc

حياة محمد الخامس في مجال التحرر والبنيات الأساسية لبناء الدولة المغربية الحديثة

  عبد السلام محمد البقاش

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993

يقول الله تعالى في كتابه العزيز: (من المومنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر، وما بدلوا تبديلا، ليجزي الله الصادقين بصدقهم). صدق الله تعالى.
هذه الآية نزلت في الصحابي الجليل أنس بن النضر رضي الله عنه، وسعد بن معاذ رضي الله عنه في غزوة أحد، حيث قاتل كل منهما،  فمات سيدنا أنس بن النضر حتى استشهد، وقاتل سيدنا سعد ونجا من الموت.
إن الآية تصدق على كل مومن نذر نفسه لخدمة الإسلام والدفاع عن الإسلام حتى الشهادة، وكل مؤمن يتحمل مسؤولية الإسلام لينتظر الشهادة، وهو ما يصدق على فقيد العروبة والإسلام مولانا محمد الخامس، فمنذ أن ولاه الله أمر هذه الأمة، اختار رحمة الله عليه أحد أمرين: إما الشهادة، أو انتظار الشهادة رضي الله عنه، حتى الأجل المحتوم، والتحق بربه قرير العين، راضيا مرضيا.
إن موضوع حياة المغفور له الملك المقدس مولانا محمد لخامس رحمه الله في مجال التحرير والبنيات الأساسية للدولة المغربية الحديثة لا يسعه عرض محاضرة أو درس، ولا حتى كتاب أو كتب مؤلفه في الموضوع، يسهر صاحبها الأيام 
والليالي على إنجازها، نظرا لما تحفل به حياة هذا الرجل الفذ من أعمال جليلة يعز نظيرها، إلا أنني سأحاول ولو بنظرة موجزة لبعض جوانبه رحمة الله عليه، كتذكير فقط للشباب الناشئ الذي يقتضي الواجب الوطني منا أن نعرفه تاريخ بلاده، ورجال وطنه المخلصين، (فما لا يدرك كله لا يترك جله كما قال)، وسأحاول أن يتركز موضوع هذا المقال على المحاور التالية:  
1) التعريف بالأسرة التي ينتسب إليها جلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه.
2) حالة المغرب منذ جده المولى الحسن الأول حتى بيعة المغفور له محمد الخامس سنة 1927م.
3) من بيعة محمد الخامس حتى زيارته لطنجة سنة 1947م.
4) كفاحه من سنة 1947م. حتى بزوغ فجر الحرية والاستقلال سنة 1956م.
5) من سنة 1956م حتى وفاته رحمة الله عليه، وانتقاله إلى ربه سنة 1961م.
 فقبل البدء في الموضوع، يجدر بنا أن نعطي ولو نظرة موجزة عن أصل الدولة العلوية الشريفة، التي تنتسب إلى المولى بن الشريف نح محمد بن علي بن يوسف السلجلماسي بن الحسن بن محمد بن الحسن الداخل بن قاسم بن محمد بن علي أبي القاسم. ويرتفع هذا النسب الشريف إلى سيدي محمد النفس الزكية بن عبد الله الكامل بن الحسن المثنى بن الحسن البسط بن علي وفاطمة بنت رسول الله (ص)، ويعرف هذا النسب عند النسابين بالسلسلة الذهبية، دخل الجد الأعلى لهذه الأسرة المولى الحسن الداخل بن قاسم المغرب في بداية القرن السابع بطلب من المغاربة لوالده القاسم الذي كان يسكن في ينبوع النخل بأرض الحجاز عند زيارة وفد للحج المغربي إليه تبركا به.

 وأول ملوك هذه الدولة الشريفة المولى محمد بن الشريف بن علي بن الشريف المعروف بالمراكشي، وكان علي هذا التي تعرف الأسرة به (العلوية) نسبة إلى المولى علي رجلا صالحا، مجاب الدعوة، مجاهدا، شارك في جهاد الأندلس عدة مرات، وطلبه أهلها للبيعة في بلادهم، ففضل الرجوع إلى بلاده المغرب بسجلماسة، كما شارك في الجهاد من أجل تحرير طنجة من البرتغال سنة 841هـ، وأبلى فيها البلاء الحسن، يتجلى ذلك من خلال إحدى القصائد الشعرية التي بعثها إليه أهل الأندلس يستحثونه فيها على القدوم إليهم لنجدتهم ونصرتهم، والتي مطلعها:
أيا ركبا يطوي المفاوز والقفرا
رشدت ولقيت السلامة والخيرا
 
ترحل وجد السير يوما وليلة
وسافر تجدها في مطالعها غرا
ثم يذكرونه بمعركة طنجة التي وقعت ضد البرتغال، والتي كان بطلها المولى علي الشريف بقولهم:
بطنجة قد طاب الممات لزمرة
بنصرتها ترجو من الملك الأجرا
دعاها بأقصى السوس قوم فأسرجوا
من الصافنات الجرد لم يأخذوا الحذر وكان ذلك أواخر الدولة المرينية.
ثم جاءت الدولة الوطاسية والسعدية، وهذه العائلة، تجاهد من أجل الإسلام، ومن أجل حماية هذا البلد من المد الاستعماري الصليبي حتى ضعفت دولة الأشراف السعديين، فأجمع المغاربة على بيعة المولى محمد بن الشريف حفيد المولى علي صاحب المعارك الخالدة وذلك سنة 1050 هجرية، وبه جمع الله شمل المغرب من الشتات، وصان وحدة البلاد، فرضية الجميع، ووافق على بيعته أهل الحل والعقد من العلماء. ولما توفي بايع الناس أخاه المولى الرشيد الذي سار بسيرة أخيه إلى أن توفي، فخلفه السلطان المولى إسماعيل 1082هـ وسنة لا يتجاوز 26 سنة.
وما أن اعتلى أريكة الملك، حتى جعل يحرر الشواطئ المغربية التي كانت محتلة من طرف البرتغال والإنجليز والإسبان، فحرر مهدية، وحرر مدينة طنجة سنة 1095، وحرر العرائش، وطرد الإسبان من أصيلا، وحاصر مدينة سبتة سنة 1103 عله يسترجعها إلى الوطن الأم، وطرد الإسبان منها نحو ثلاثين سنة، إلا أن ذلك لم يتم، كما حاول المولى محمد بن عبد الله، وآخر محاولة كانت من طرف المولى عبد الرحمان.
وفي الوقت الحالي، تقدم جلالة الملك الحسن الثاني باقتراح على الإسبان بتكوين خلية للنظر في قضية مدينتي سبتة ومليلية اللتين لازالتا تحت السيطرة الإسبانية.
وهكذا نرى أن هذه الأسرة الشريفة لم تخلد إلى الراحة والاستجمام منذ أن ولاها الله أمر هذا الوطن، فهي إما أن تقوم بالجهاد ضد الأعداء المتربصين بالمغرب، أو ببناء الأمة داخليا من حيث نشر العلم والثقافة والمعرفة، والعمل على استتباب الأمن الداخلي.
وهكذا بقي ملوك الدولة العلوية الشريفة يذبون عن المغرب بك ما أوتوا من قوة وعزم حتى عهد المولى الحسن الأول رحمه الله عام 1290هـ موافق 1873م، في وقت اشتدت فيه الأطماع الاستعمارية على العالم الإسلامي، فلقد احتلت الجزائر سنة 1830م، واحتلت ليبيا وتونس ومصر والسودان وكل البلاد العربية والإسلامية، ولم ينج إلا المغرب بفضل حنكة وسياسة ملوك العظام.
أقول: في هذا الظرف، أخذ لعاب الأوربيين يسيل على المغرب، ففطن المولى الحسن لذلك، فجعل عرشه رحمة الله عليه فوق صهوة جواده، يطوف البلاد شرقا وغربا، متفقدا أحوال رعيته، ومشجعا السكان على الدفاع عن وطنهم، وباثا الوعي الوطني بين فئات الشعب، ومستشيرا رعيته في كل مكان ما يتعلق بشؤونها رغم كيد الكائدين، والثورات التي أخذ يخلقها له أعداء المغرب. ومما زاد الأمر استفحالا، نظام الاحتمال الذي جعل بعض من لا وطنية لهم ولا غيرة يعقدونه مع الدول الأجنبية، إلا أنه –رحمة الله عليه – استطاع أن يحافظ على استقلال المغرب، ولم يخضع المغرب لأي تهديد أو خوف من أي أجنبي، رغم ما وقع من أحداث، إلا أن التحق رحمه الله بالرفيق الأعلى عام 1894م، فعين أحمد بن موسى بوصفه الصدر الأعظم، الأمير المولى عبد العزيز سلطانا على البلاد، وعمره لم يتجاوز العاشرة من عمره، فقام ضده شقيقه الأكبر المولى عبد الحفيظ فاضطربت الأحوال، وقامت الحروب بين الشقيقين يذكي أوراها الأجانب الذين يتربصون بالمغرب، فجعلوا يشجعون هذا ويمدون هذا، وانقسم الشعب ما بين مؤيد للمولى عبد العزيز، ومؤيد للمولى عبد الحفيظ، فانتصر المولى عبد الحفيظ إلا أنه وجد الخرق قد اتسع على الراتق: خزانة الدولة فارغة، والديون الخارجية قد استغرق ذمة المغرب، بينما احتمى كثير من العائلات بالأجانب حتى ممن كان يظن فيهم الخير والمروءة، وكل من احتمى بالأجانب يعتبر نفسه خارجا عن السلطان، وأصبح كل محتم يتصرف كيف يشاء، ولا من يردعه أمام هذه الحالة.
كان موقف المولى عبد الحفيظ لا يخلو من أمرين: إما أن يترك الناس يأكل بعضهم بعضا، و إما أن يفسح المجال للأجانب ليحتلوا الوطن، ويبعثوا بأهله كما يشاءون، مثل ما وقع بالجزائر عند احتلالها، فكان مضطرا لعقد الحماية مع فرنسا تحت الضغط عام 1912م من أجل تنظيم الجيش والشرطة والعدلية وإصلاح الطرق واستتاب الأمن، وتنحى عن كرسي الملك كاحتجاج عن نفسه من هذا الموقف، تاركا الأمر لشقيقه المولى يوسف رحمه الله، إلا أن المغاربة لم يرضوا هذه الحماية المقيتة، وحملت كل القبائل السلاح للدفاع عن الوطن ضد العدو الدخيل، واستمر الأمر على ذلك حتى سنة 1926م، وبقيت بعض القبائل حاملة السلاح حتى سنة 1934م.
وفي سنة 1927م، أشرق على المغرب عهد جديد بالبشرى، وذلك بعد وفاة المرحوم الملك المقدس المولى يوسف، فعين على العرش المغربي شاب لم يتجاوز السابعة عشرة من عمره، واعتقد الاستعماريون أن صغر سن الملك قد ينفعهم، إلا أن النبل والغيرة الوطنية وحماس الشباب المسلم كان يختفي تحت جلبابه المغربية العريقة، ذلك الشاب هو جلالة الملك المقدس مولانا محمد الخامس رحمه الله ورضي عنه.
وهنا سأورد كلمة لأستاذنا الراحل العلامة سيدس عبد الله كنون الذي يتحفنا بما يلي:
لما توفي السلطان مولاي يوسف، واعتلى ولده سيدي محمد عرش المغرب سنة 1927م، انزعجنا كثيرا نحن الشباب الذين تجمع بيننا رابطة الوطنية العفوية المتحررة من كل القيود والانتماءات، فقد كان فينا الطلبة المنتمون إلى التعليم الإسلامي الأصيل، والطلبة المنخرطون في المدارس العصرية التي أنشأتها حكومة الحماية، وغير الطلبة من تجار صغار، وحرفيين، وبعض الموظفين والمعلمين، ومن إليهم، ولم يكن انزعاجنا للحديثين الطبيعيين اللذين لابد منها طال الزمن أم قصر، فإن من نواميس الحياة أن يموت الناس ملوكا وسوقه، ويخلفهم من يخلفهم في ولايتهم وأعمالهم، ولكن الباعث الانزعاج كان هو استمرار الحماية وتوالي الملوك على العرش وهي قائمة من غير تقليص لظلها، ولا جعل حد لسيطرتها، فإذا كان تنازل السلطان مولاي الحفيظ عن العرش بمثابة احتجاج على هذه الحماية، واستنكارا لتصرفاتها، فإن بقاءها طوال عهد مولاي يوسف، وتطلعها للبقاء في العهد الجديد، عهد سيدي محمد، يكسبها صفة الرعية، ويعطيها قوة الاستعمار... ثم يقول الأستاذ كنون: إلا أنه بعد أن أصدرت الإقامة العامة الظهير البربري، واحتج المغاربة في القبائل والمدن على السواء، كان سيدي محمد ممن احتج على هذا التصرف الأخرق في السر العلن، ونزل بثقله في الميدان إلى جانب الوطنيين الذين تجمعوا في المساجد لقراءة اللطيف، فكانت هذه أول صدمة يصدم بها الفرنسيون من طرف السلطان الشاب.
وكان الهدف من ذلك الظهير، محاولة سلخ المغاربة الذين يتكلمون الأمازيغية عن دينهم، وفي ذلك الوقت، لم يكن السلطان سيدي محمد قد تسلم الطابع السلطاني من يد الصدر الأعظم الحاج محمد المقري، فهو الذي وقع به الظهير عام 1930م، ولم يسلم الصدر الأعظم الطابع لجلالة السلطان حتى سنة 1932م، بعد احتجاج صارم من جلالته قائلا له: إذا كان عمي السلطان مولاي عبد العزيز الذي تولى
الملك وعمره عشر سنوات تسلم طابعه، وكل ما يتعلق بشؤون الملك، فإلى متى سأبقى تحت الحجر؟
هذا ما جاء في مقالة للأستاذ عبد الوهاب بن منصور في مجلة دعوة الحق. (مارس – عدد 282 – 1991).
وفي هذا الظرف، كانت بعض القبائل لا زالت تحمل سلاحها ولم تضعه إلا بإشارة من جلالة السلطان محمد الخامس سنة 1934م، حقنا لدماء أبناء شعبه، وتغييرا لخطة الكفاح التي ستأخذ طريقة أخرى بوسائل أخرى مع رجال مخلصين من نوع آخر.
اعتلى السلطان الشاب عرش أجداده، ونظرا إلى بلاده، ورآها مقطعة أطرافا، كل جهة خاضعة لنوع من الاستعمار، وتذكر بلاده وما كانت عليه من تقدم وعلوم وازدهار، وتدبر عقد الحماية وبنوده، ورأى أن ما كان مؤملا منه، ومن أجله انعقدت الحماية، لم ينفذ منه إلا الشيء القليل جدا: لا مدارس ولا تعليم، ولا إصلاح ولا تطوير فلاحي بعدما مرت عشرون سنة على الحماية، بل أخذ الحماة ينزعون الأراضي الفلاحية من أصحابها الأصليين، ويقدمونها للأجانب يستغلون خيراتها، إلى جانب جيش من الموظفين الذين يمتصون خزينة الدولة، وخيرات البلاد، في حين يحرم من ذلك أهل البلاد.
ثم التفت مرة أخرى إلى بعض الدول المستعمرة، أو المحمية من قبل فرنسا، وقبل أن توقعها على المغرب، ماذا حققت لها..؟ فهذه الجزائر التي استعمرتها فرنسا سنة 1830م كانت تتوفر على معاهد علمية ومدارس، وأصبح أهلها غرباء في بلادهم، وهذه تونس وقعت تحت الحماية قبل المغرب، لم يتحقق لها شيء. إذن، يقول جلالته، «لا خير يرجى من هذه الحماية».
وهنا سأترك الكلمة للأستاذ محمد الرشيد ملين –شفه الله – في كتابه (نضال الملك) حيث يقول:
رأى جلالة السلطان عند بيعته، ومرور نحو ثلاث سنوات على جلوسه على عرش أسلافه، أنه لنجاح المطمع الذي يرمي إليه لابد من تحقيق شرطين أساسيين وهما:
1) الرجال المخلصون.
2) الرجال المثقفون الأكفاء:
لذلك جعل – رحمه الله- ما من حديث فاه به، أو نصيحة أسداها، إلا وكان محورها الحث على التعليم وتشجيعه وتعميمه وتقدير رجال العلم، وإحلالهم المحل اللائق بهم.
وحتى تزداد روابط علاقته مع شعبه الذي كان يحجبه عنه القيم، أحدث باتفاق مع الوطنيين عيد العرش، عيد الذكرى، عيد ذكرى تربعه على عرش أسلافه المنعمين، ليخاطب شعبه، وليسمع صوته شعبه، وحتى لا تبقى علاقته متصلة فقط بالباشوات والقواد، وعن طريقهم يعرف الشعب سلطانهم، بل أراد رحمه الله أن يعرفه شعبه ولو بواسطة صوته فقط.
ويبدأ رحمة الله عليه في تعبئة أبناء شعبه، ويسعى كلما سنحت فرصة لعرض قضية المغرب.
وتشتغل الحرب العالمية الثانية سنة 1939م بين فرنسا وإنجلترا وروسيا والولايات الأمريكية من جهة، وألمانيا وإيطاليا وتركيا واليابان من جهة أخرى. وفي ظرف 24 ساعة، تحتل ألمانيا فرسنا، وتنال من استيلاء واستعمار.
ولكي يعطي المثال على أنه محب لحرية الشعوب، وأنه ضد ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، وأنه ضد استيلاء دولة على أخرى بالقوة، ورغم ما يعانيه هو شعبه من استعمار، فإنه أبى – رحمه الله – إلا أن يكون الجندي المغربي البطل المغوار بجاني الجندي الفرنسي والانجليزي في خندق واحد للدفاع عن فرنسا، واستقلال فرنسا.
وهو درس إسلامي أعطاه لأعدائه، حتى يعلموا جميعا أن الإسلام يمقت استعباد واستدلال الإنسان لأخيه الإنسان، وليبرهن لهم أن ملك المغرب لا يسمح لنفسه بأن يستغل ظروف فرنسا ويعلن استقلال بلاده، أو يلجأ إلى خصمها الألد.
وتلك هي شهامة الملوك المغاربة الأماجد.
وفي هذه الأثناء، كان صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن قد بلغ سن التمدرس، وبما أن أهم ما يسعى إليه جلالة السلطان لبناء صرح الأمة، وأن العلم ضروري لحياة الأفراد والشعوب، فلقد أنشأ لأصحاب السمو الملكي – وعلى رأسهم أمير الأطلس مولاي الحسن الذي هو آمال والده وآمال الشعب المغربي بجانب قصره، المعهد المولوي، ليتتبعوا دراستهم الابتدائية والثانوية عن كثب وليقتدي بهم بقية المواطنين في ميدان التثقيف والعلم، وكان في الإمكان أن يبعثهم إلى فرنسا لأخذ العلوم العصرية من منبعها، ولكنه أبي إلا أن يعلمهم اللغة العربية الإسلامية فوق أرض الوطن إلى جانب العلوم الحديثة، فاختار لهم أساتذة أكفاء مبرزين في اللغة العربية والفقه الإسلامي، وحتى تعليم أبنائه يدخل في الكفاح ليقتدي بهم أبناء شعبه، وفي الوقت نفسه، تهيئ ولي العهد لتحمل المسؤولية العظمى بعد وفاته، وكان الأمر كذلك جزاه الله عن الأمة خيرا.
ولقد ازداد تأجج الحرب العلمية الثانية واشتد لهيبها، ووصلت إلى أوجها سنة 1943م، فاتفق الحلفاء وهم، روزفلت رئيس الولايات المتحدة الأمريكية، وتشيرشيل رئيس الحكومة البريطانية، ودوكول وجيرو رئيس الحكومة الفرنسية، أن يختاروا مدينة الدار البيضاء بالمغرب لعقد اجتماع يدرسون فيه خطط متابعة الحرب ومصير العالم بعد انتهاء هذه الحرب.
يقول الأستاذ ملين في كتابه (نضال ملك):
أسرع السلطان سيدي محمد ومعه ولي عهده الأمير مولاي الحسن يستقبل بحرارة وحماس ضيوف المغرب، يهش في وجههم ويبش، وجلس في حفلة العشاء التي أقامها جلالة السلطان بجانب روزفلت، فأقبل عليه يبثه آماله ومطامحه، ويفصح له عما يؤمله لوطنه من رقي سريع، وتطور شامل، وتشوف لتحيق استقلال بلاده. وقال روزفلت جلالة السلطان: لا ريب أنني أعدك بذلك.
وانتهت الحرب العالمية الثانية، وتبخرت الوعود،ولم يجن المغرب من الوعود، ولم يجن المغرب من ثمارها ما كا يرجوه له سيد البلاد من حرية واستقلال، وكل ما في الأمر، دعوة موجهة إلى جلالته لزيارة باريز دون شيء يذكر، ولقد كان الأستاذ الشاعر عبد الكريم التواتي نقد هذا الموقف من فرنسا في قصيدة شعرية وجهها إلى جلالة السلطان يقول فيها:
دعوك إلى باريز يرجون غاية هي الموت لكن كنت للشعب وافيا وفي هذه الأثناء، كانت الحركة الوطنية تعمل ليل نهار مع جلالة الملك، وعرف جلالته أنه لا أمل في الوفاء التي أصبح عبارة عن باطل كما قال الشاعر العربي، وبإرشاداته النيرة، على تهييء وثيقة المطالبة باستقلال.
يقول الأستاذ ملين:
وقدمت عرضة الاستقلال لصاحب الجلالة سلطان المغرب، وممثل فرنسا، ولقناصل الدول بالرباط، موقعة من طرف عدد كبير من العلماء والمثقفين والتجار والصناع، ومن جميع الهيئات السياسية، ومن غير المنتمين، يوم 11-1-1944م، وجاء مبعوث من فرنسا هو السيد ماسكيلي إلى جلالة السلطان، طالبا الهدوء والاطمئنان، وأن فرنسا ستعمل على إرضاء المطالب المغربية.
إلا أنه بعد هذا الوعد والاطمئنان جعل الفرنسيون يزجون شعبه الوفي في السجون، فازداد الأمر سوءا بين جلالة السلطان المدافع عن رعاياه وبين الإقامة العامة، وجاءت ببعض الإصلاحات، إلا  أنها لم تف بالغرض المطلوب والذي كان مؤملا، الأمر الذي حذا بجلالة السلطان إلا أن يهب بأغنياء شعبه على الإنفاق من أجل تهيئ جيل لتحمل المسؤولية. وتنافس الناس في العطاء، وفي بناء المدارس الحرة في جنوب المملكة وشمالها، شرقها وغربها، وبذلك يكون جلالة السلطان قد هز الشعب المغربي هزة أيقظته من غفلته، وفتح عينيه، وبث فيه روح العزم والجد والعمل المجدي، ونبهه إلى أن النضال السياسي لا يمكن أن ينتج إلا إذا كان مرفوقا ومصاحبا بثورة ثقافية واجتماعية واسعة النطاق.
وإذا كان هذا يجر يفي وسط المغرب انطلاقا من عاصمة المملكة، فإن هناك مناطق أخرى في الشمال تحن إلى رؤية عاهل البلاد، وتتطلع إلى ذلك اليوم المشهود لتتملى بطلعته البهية، وكيف لا وهي حملت السلاح من أجل إنقاذ البلاد أيم الاحتلال، وفي نفس الوقت ، نجده يحن إلى شعبه في الشمال،يكفي في ذلك، ما كان يوصي به مندوب جلالته بالعطف والإحسان إلى رعاياه في طنجة كلما كانت حفلة ولاء، فيقرر زيارة أبنائه في الشمال، مخترقا الحدود الوهمية التي وضعتها السلطات الأجنبية للتفريق بين الأخ وأخيه، ولكنه سيغرف كيف يوحد القلوب قبل توحيد التراب، وكيف سيجعل من تلك الحدود خطوطا وهمية أضعف من خيط العنكبوت، فيقرر زيارة طنجة، وبالتالي سائر أقاليم مملكته بالشمال من طنجة حتى الناظور، أي أن جميع أهل الشمال سيحضرون لقاء طنجة، وسيتنعمون برؤية عاهل البلاد منذ زيارة مولاي الحسن الأول عليهم الرحمة والرضوان.
رحلة طنجة
وتحويل مجرى التاريخ
من المعلوم أن المغرب بعد عقد الحماية خضع لعدة تقسيمات نفوذ، ففي الداخل تخضع الإيالة الشريفة للحماية الفرنسية، وفي الشمال للنفوذ الإسباني، وخضعت طنجة لنفوذ دولي يتكون من اثني عشرة دولة، زيادة على أن الجنوب المغربي (الصحراء) خاضع للنفوذ الإسباني، كان ملك البلاد يدرك أهمية وحدة التراب الوطني، ويتألم لهذه التقسيمات الجائرة في حق وطنه منذ عقد مؤتمر الجزيرة الخضراء عام 1906م، وحتى يشعر العالم أن التراب المغربي وحدة لا تتجزأ، وقرر زيارة طنجة التي يقول عنها رحمة الله عليه، إن طنجة بمنزلة التاج من المفرق، وذلك يوم 9-4-1947م. على أن تتم رحلته بواسطة القطار. وبهذا سيحيي سنة جده المولى الحسن الأول رحمه الله عليه في تفقد أحوال رعيته في الشمال الخاضع للنفوذ الإسباني.
وما أن علم الفرنسيون بقراره هذا حتى اتخذوا كل الوسائل لعرقلة هذه الرحلة، ولما فشلوا، دبروا مكيدة اللفيف الأجنبي السنغالي في الدار البيضاء، حيث خرجت فرقة سنغالية من ثكناتها، مدججة بالسلاح، وأخذت تنشر الرعب بين السكان، تقتل وتهاجم المنازل، دون أن تحرك القيادة الفرنسية ساكنا لحماية سكان الدار البيضاء، فكانت مؤامرة قصد منها الفرنسيون عرقلة الزيارة الملكية إلى مناطق الشمال، إلا أن جلالته فطن لمكيدتهم فقرر رحلته، وما أن علم سكان القبائل برحلة الملك حتى اصطفوا بجانب السكة الحديدية من الرباط إلى طنجة، للتملي بطلعة جلالته في جو حماسي تلقائي، حتى وصل القطار إلى مدينة أصيلا، حيث تطأ قدمه لأول مرة تراب مملكته في الشمال، ويستقبله خليفته في الشمال بتطوان، وبعد قسط من الراحة يتابع الموكب الملكي سيره في اتجاه طنجة بين جماهير القبائل الشمالية، حتى وصل إلى طنجة، وفي طنجة كانت الفرحة عارمة، والبشرى تعم كل بيت، فخرجت المدينة عن بكرة أبيها، فينزل جلالته من القطار محفوفا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن وأسرته.
وهنا، أترك الكلمة للأستاذ ملين في كتابه (نضال ملك) حيث يقول:
وفي القطار بالمحطة، هاجت الجماهير وماجت، وفقد الناس شعورهم، ولم يقو أحد على صدهم، ولا قوة البوليس ولا الجنود ولا الحرس السلطاني، فدخلوا عنوة المحطة، وحضروا ذلك المشهد التاريخي الذي لا يمحوه من قلوب الطنجيين ولا المغاربة أجمعين مر الزمان ولا تقلبات العصر.
وهنا شعر جلالته وكأن أرضه أصبحت حرة، إذ تقدم مندوب جلالته للسلام عليه، وهو الذي قام بتقديم سفراء الدول الأجنبية، - ولا علاقة للمقيم ولا للمراقب الأجنبي بالبروتوكول، نظرا لأن طنجة تكتسي وضعية خاصة، - وعد السلام على جلالته ركب متن سيارته الخاصة بين أمواج سكان طنجة وهتافاتهمـ قاصدا مقر إقامته بدار المندوب بمرشان بطنجة.
وربما يعتقد معتقد أنه جاء للراحة والتنزه، لا أبدا، فمن طنجة سيضع البنيات الأساسية لبناء الدولة المغربية الحديثة في خطاب طنجة التاريخي يوم 10 أبريل 1947م، والذي أعلنه أمام العالم في حدائق المندوبية،حيث أعلن من هناك – رحمة الله عليه – في خطابه التاريخي عن أربعة نقط  تعتبر الركيزة الأولى لبناء دولة المغرب الحديث وهي:
1) وحدة المغرب ووحدة الشعب.              
2) عروبة المغرب وإسلامه.
3) انتماؤه الإفريقي.
4) الدعوة لتعميم التعليم، وجعله مشاعا بين سائر المغاربة.
وفي الوقت نفسه، يعلن للعالم أنه لن يضيع حق وراءه طالب، وأن حق الأمة المغربية لا يضيع ولن يضيع. وفي الوقت نفسه، يدعو إلى الهدوء والسكينة، والمطالبة بالحقوق بالتي هي أحسن، وفي نفس اليوم، يبدأ تنفيذ برامج تعميم التعليم الذي دعا إليه، حيث قام ولي العهد آنذاك جلالة الملك الحسن الثاني بزيارة مدرسة سيدي عبد الله كنون، ومعهد مولاي المهدي، كبداية للعمل الرائد، في وسط الجماهير المحتشدة في كل مكان، ولما وقف ولي العهد خطيبا بفصاحة وحماس عربيين أصيلين في مدرسة كنون، اهتزت الأحياء المجاورة لها بالتصفيق والهتاف بحياة رائد الأمة وولي عهده، فقال بالحرف:
إن منزلتنا تقاس بما كسبناه من العلوم، وساهمنا به من الأبحاث، وما أنجزناه من المخترعات، وشيدناه من المعاهد والمدارس والكليات، حتى يدلي علماؤنا بدلوهم في معركة تحرير الفكر من الأوهام، ورفع العلم الحقيق خفاقة منتصرة.
وفي معهد مولاي المهدي، وقف خطيبا يشرح الأهداف الأساسية لبرنامج والده: إسلام، عروبة، سلم، عمل، وحدة وتعاضد بين طبقات الأمة، وتعاضد بين أفراد نخبتنا العاملة حيث قال:
عسى نكفي رؤية تلك المشاهد المؤلمة، من شيوخ عراة جائعين، وأطفال مشردين تعسين، ونساء محرومات يائسات.
وفي يوم الجمعة 11-4-1947م، خرج أهالي طنجة حاملين باقات الزهور والرايات المغربية وصور العاهل المفدى لمشاهدة موكب صاحب الجلالة وهو متوجه إلى المسجد الأعظم لأداء فريضة الجمعة وسط أمواج من البشر، ودخل المسجد، وكم كانت المفاجأة عندما صعد الملك الإمام ليلقي خطبة الجمعة بنفسه، ولو علم الناس أنه سيلقي خطبة الجمعة بنفسه لم يتخلف أحد من سكان الشمال عن الحضور للصلاة خلفه، ولامتلاء المسجد منذ عشية الخميس. وكانت خطبة الجمعة سنية، أمر فيها – رحمه الله – بالتمسك بالفضيلة والأخلاق الإسلامية، فكانت نموذجا لما ينبغي أن تكون عليه خطبة الجمعة في المستقبل، فاتخذها عدد من الخطباء مثالا يحتذى.
وفي المساء، وأقيمت حفلة على شرف الأميرة الجليلة للا عائشة، ولشد ما كانت دهشة الناس عندما وقفت الأميرة خاطبة في الحاضرين بلسان عربي فصيح، وشكرا للضيوف باللغتين الفرنسية والإنجليزية، شيء لم يعهده الناس، ولكن ها هي الأميرة للا عائشة، نموذج المرأة المغربية، الأصيلة المسلمة، تنادي المرأة المغربية، وتمد إليها يدها، لتخرج من الجهل والتخلف، لترتاد ميادين المعرفة، وترتاع من جميع المعارف.
وفي يوم السبت 13 أبريل 1947م. خرج الشعب الطنجي عن بكرة أبيه، تتجاذبه عواطف الفرح والألم والأمل والخوف، وكل يتمنى من صميم قلبه لو رافق القطار إلى عاصمة ملكه، وأبى رجال القبائل مرة أخرى إلا أن يصطفوا بجانب السكة الحديدية من طنجة حتى الرباط، إدراكا منهم لمغزى هذه الزيارة المباركة. وما أن وصل جلالته إلى محطة عرباوة حتى دشن بها مسجدا، وبمشرع بلقصيري وضع الحجر الأساسي لمسجدين، وهكذا من نقطة وصل إليها إلا وضع بركة يديه الكريمتين، لتدشين مسجد أو مدرسة، حتى وصل إلى عاصمة ملكه.
ومنذ قيامه بزيارة أبناء شعبه الأوفياء بالشمال تغيرت مجريات الأمور بين الإقامة العامة وجلالة الملك. خصوصا وأن جلالته لم يشر في خطاب طنجة إلى عقد الحماية، ولا إلى ما كانت تطمح فرنسا أن يفوه به في حقها. ولما رأته من التفاف الشعب حول ملكه في كل مكان حل به أو نزل فيه أو مر منه، ولما شاهدته من حماس أبناء الأمة بعدما أجج ضميره وأذكاه بالحماس الوطني في خطبه وندواته، أرادت فرنسا أن تجمد هذا الحماس، وأرادت الإقامة العامة من جلالة السلطان أن يلزم قصره، ولكنه أبى بشمم وعزم، وكان رد فعل الإقامة العامة الممثل في الجنرال جوان عدم موافقته على خروج جلالته لتدشين مدارس محمد الخامس التي شيدها سكان مدينة الرباط على نفقاتهم الخاصة، معلنا أنه إذا خرج فسيجد أمامه القوة الفرنسية، معللا أن الشباب سيحيون الملك، وسيحيون ولي العهد، وسيحيون المغرب، فيرد جلالة السلطان: وهل من حق الحكومات أن تمنع الناس عن التعبير عن عواطفهم؟.
وجاء جماعة من أعيان مراكش يلتمسون من جلالته تدشين مدرسة تبرع بالإنفاق عليها أهل مراكش، فيعرقل الجنرال هذا المشروع ويطلب من  جلالته أن يطلع على خطبه قبل إلقائها (إنها وقاحة ما مثلها وقاحة).
واستمر التوتر، حتى كان شهر فبراير، والإقامة تطرد الوطنيين من مجلس شورى الحكومة، وتطلب من العاهل الكريم أن يتبرأ من الوطنيين فيجيب: لا يوجد ملك في الدنيا يتبرأ من مواطنيه.
وفي هذه الظروف، يبرز شاب قوي مثقف كامل النضج، يقرع الحجة بالحجة، وبجيب بنفس اللسان الذي يتكلم به عدوه، ألا وهو أمير الأطلس صاحب السمو الملكي الأمير مولاي الحسن صاحب الجلالة نصره الله، فيتجه إلى الإقامة العامة وعمره لم يتجاوز العشرين سنة إلى المقيم جوان بقوة إيمان، وحجج دامغة، يدافع عن موقف والده إزاء المغرب، وإزاء الوطنيين.  
وأخذت الأمور تسير بسرعة الريح فنقل جوان، وجاء كيوم، ولم يزد الأمر إلا استفحالا، ولما لم يفلحوا أمام تشبث عاهل البلاد بمواقفه الصلبة أخذ الفرنسيون بعض المأجورين الإقطاعيين للتدخل لدى جلالة الملك، كما وقع بالنسبة للباشا الكلاوي، حيث طلب من جلالته أن يطرد الوطنيين، فيجيب جلالة السلطان: تريد مني أن أطرد رعاياي من بابي، وأن لا أنصت إلى شكواهم، وأن لا أرفع عنهم مظلمتهم، كفى يا باشا، يجب أن تفهم أن روح الديمقراطية يجب أن تسود في هذه البلاد. ويطرد، حيث يأمره بالخروج، فخرج الباشا الكلاوي، وجعل يتصل بطبقات الأمة، ويدعي أنه حارس للسنة، ويذكر أن الوطنيين أعداء الدين.
وهكذا ازداد الأمر تأزما أدى في الأخير – بعد يأسهم من جلالة السلطان والانصياع لآرائهم وأفكارهم – إلا أن يمدوا يدهم على الإمام ملك البلاد الشرعي وأسرته، ونفيه إلى كورسيكا يوم 20 غشت 1953م، ثم مدغشقر.
وهنا ستظهر تلك الأواصر التي تربط العرش بالشعب والشعب بالعرش، فبدأت المقاومة والفداء في كل مكان، وأصبح المغاربة يرون جلالة الملك محمد الخامس في كل مكان، في القمر، في الجدران، في الرؤيا الليلية.
وتحرك الزعماء المغاربة في كل اتجاه، وتعاون شمال المغرب وجنوبه، وقدمت هذه المدينة خدمات عظمى في سبيل ملك البلاد التي لا تنسى زيارته لها سنة 1947م، فصعد الرجال إلى الجبال،  وتحركت المقاومة في كل المدن، حتى ضاق الفرنسيون، ورأوا أنه لا هناءة لهم إلا بإرجاع ملك البلاد إلى شعبه، ولم يضع المغاربة السلاح، أو تتوقف المظاهرات وعمليات الفداء، إلا بعد رجوع ملك البلاد من منفاه يوم 18 نونبر سنة 1956م، يزف إلى شعبه بشرى انعتاق هذا الشعب من  ربقة الاستعمار في كلمات ذهبية قائلا لشعبه:
لقد انتهى عهد الحجر والحماية وبزغ فجر الحرية والاستقلال.
ثم يقول لشعبه:
لقد أخلصت كما أخلصت، وأديت الواجب كما أديت.. رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، جهاد البناء والتشييد والتعليم.
كانت هذه هي الكلمات الذهبية التي قالها أبو المغاربة محمد الخامس، والتي كان يحفظها الرجال والنساء والأطفال عن ظهر قلب، ويرددها الجميع في كل محفل أو تجمع.
حصل المغرب على استقلاله بقيادة ملك البلاد محمد الخامس والجها يسود كل العائلات، والجوع والعري يعم كل الناس تقريبا في المدن القرى، والوظائف كلها في يد الأجانب، فكان عليه – رحمه الله – أن يشمر على ساق الجد، ليضع تلك المبادئ التي أرسى قواعدها في خطاب طنجة 1947م، حيز التنفيذ.
فأخذت المدارس تبنى وتشيد، والمعهد تنشأ، ووضع الأسس الأولى للحياة الديمقراطية في القانون الأساسي لنظام المملكة قبل وضع الدستور، إلى جانب اندماج المغرب في الجامعة العربية ومنظمة الوحدة الإفريقية، التي دعا – رحمه الله –
لإنشائها، والتحق المغرب بصف الدول المنتظمة في منظمة الأمم المتحدة، لتكتمل للمغرب سيادته التامةـ إلى جانب دخوله في منظمة عدم الانحياز. كل ذلك لتمتين وربط العلاقات بين الدول.
وفي الداخل، قام – رحمه الله – بتأسيس القوات المسلحة الملكية، والدرك الملكي، والشرطة، وفق الأنظمة العصرية، وأولى القضاء والعدل عناية خاصة، باعتبار أن العدل أساس الملك.
وفي خطاب العرش لسنة 1975م، يعلن انتماء المغرب إلى العروبة والإسلام حيث قال:
إن المغرب ينتمي إلى عالم العروبة والإسلام الرحب الفسيح، وهذا الانتماء يجعله شديد الاهتمام بما يجري فيه، متتبعا عن كتب تطور أحواله، ومادا يده ومساعدا الدول العربية والإفريقية التي تكافح من أجل استقلالها.
وعن قضية فلسطين قال في خطاب له يوم 27 يناير 1960م.
 نحييكم إخواننا الفلسطينيين اللاجئين، ونجدد تأييدنا وتضامننا معكم، ونعلن لكم أن قضية فلسطين التي نعدها من قضايانا الوطنية ستبقى في طليعة ما نهتم به من قضايا عروبة والإسلام.  
ووقف على مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، فتوجه إلى الله رافعا أكفه وعيناه تذرف بالدموع قائلا: الله ارفع مقتك وغضبك عن شعب فلسطين.
وبالنسبة للسياسة الخارجية، فلقد جاء في خطاب العرش لسنة 1959م:
إن سياستنا الخارجية القائمة على المبادئ المتوخاة من المشاعر التي ندافع عنها، والمتأثرة بموقعنا الجغرافي، وأوضاعنا الاقتصادية والاجتماعية الرامية إلى صيانة استقلالنا، واستكمال وحدتنا الترابية في دائرة التعاون مع جميع الدول.
ونظر – رحمة الله عليه – إلى جماعة من المعوزين والفقراء والمساكين والعجزة وذوي العاهات والأيتام الذين يعيشون على فتات الغير، وتذكر حديث جده رسول الله (ص) يقول: «ليسمنا من بات شبعان وجاره جائع وهو يعلم» فخاطب إحدى المناسبات جمعية المكفوفين قائلا:
إن كنتم قد فقدتم نعمة البصر، فأنا عينكم التي تبصرون بها.
ورأى – رحمه الله – أنه يجب دمج هذه الفئات في المجتمع، وأن الدولة يجب أن تتولى شؤونهم حتى يشعروا بعزة النفس، وكرامة الإنسان التي بشعر بها كل مومن. فوضع – رحمه الله – في 26 رمضان 1376 هـ موافق 27-4-1957م، ظهيرا بتأسيس التعاون الوطني،  وأسند رئاسته إلى فلذة كبده صاحب السمو الملكي الأميرة للاعائشة ليكون هؤلاء الناس أقرب إليه من غيرهم، لرعاية شؤونهم. فكانت اللبنة الأولى لهذه المؤسسة الاجتماعية العظيمة، والتي أولاها فلذة كبده أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني من بعده عناية خاصة، عمل على تطويرها، حتى تساير ركب التطور الموجود في الدول الغربية، وليشعر نازلها أو التتابع لها أنه يعيش تحت كنف جلالة الملك كما يعيش سائر الأقسام الداخلية بسائر جهات المملكة، ولم يجعلها مقتصرة على إيواء المعوزين فقط، بل حولها إلى مؤسسة تساهم في التعليم، والتصنيع، والتكوين المهني، ورياض لتربية الأطفال، وتشغيل المرأة وتعليمها، فمنذ أن اعتلى عرش أسلافه المنعمين أخذ على عاتقه في تطوير التعاون الوطني ويكفي –حفظه الله – إلى شعبه الوفي يوم 27 أبريل 1982م، بمناسبة الذكرى الفضية لتأسيس التعاون الوطني، تلتها أول رئيسة للتعاون الوطني صاحبة السمو الملكي الأميرة للاعائشة، والتي جاء فيها،إن تطوير التعاون الوطني إلى مندوبية سامية للتعاون الوطني، ثم إلى كتابة للدولة لدى الوزير الأول المكلف بالتعاون الوطني، إلى الإنعاش الوطني والصناعة التقليدية، كل ذلك، حتى تواكب هذه المؤسسة الإحسانية التطور والتقدم الذي تسير عليه سائر مرافق الدولة وأجهزتها.
 وبذلك، تمكن التعاون الوطني من القيام منه أحسن قيام، وأنجز عدة مشاريع، ولم يبق مقتصرا على إيواء العجزة والمعطوبين والأيتام، وكل ذلك، بفضل العناية السامية التي يوليها جلالة الملك لهذا القطاع الذي يريد منه – حفظه الله – أن يشمل كل المدن والقرى، وتعم فائدته جميع المحتاجين. وبهذه الرسالة وضع –حفظه الله – الخطوط العريضة التي يجب أن تكون عليه هذه المؤسسة التي أسست على تقوى من الله ورضوان من طرف الملك المقدس جلالة الملك المغفور له مولانا محمد الخامس طيب الله ثراه ونور ضريحه.
 وإذا كان محمد الخامس عليه الرحمة والرضوان قد كافح وضحى وناضل في سبيل هذا الوطن العزيز، ووضع أسس بناء الدولة المغربية الحديثة، وبقي يناضل ويجاهد حتى التحق بربه يم الأحد 10 رمضان 1381هـ موافق 28-2-1961م، راضيا مرضيا، محفوفا بملائكة الرحمن، وأن أعظم خدمة وبناء قدمه لأمته هو تهييء ولده البار جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله، ليتحمل الرسالة من بعده، وهذا أعظم عمل قدمه لبلاده، لا أعتقد أنه سبقه أحد، بدءا باختيار اسم الحسن، تيمنا بذلك الرجل الشهم جده المقدس المولى الحسن الأول.
 وهنا يجب أن نتذكر تلك الكلمة الذهبية الخالدة التي خاطب بها ابنه الأمير الصغير مولاي الحسن في أول يوم من التحاقه بمدرسة القصر:
 «يا بني: لقد اخترت لك من الأسماء الحسن لأربط بين حاضر البلاد وماضيها، القريب والبعيد، وليكون لك في جدك المولى الحسن، خير أسوة، وأعظم قدوة».
 ويتعلم الأمير ويكبر، ويحصل على أعلى الشهادات، ويصبح من أكبر مثقفي العالم في جميع الميادين والعلوم الشرعية الإسلامية العميقة، وسائر العلوم العصرية الحديثة، ويشارك والده النضال والجهاد والكفاح، الأمر الذي رأى علماء الأمة المغربية أن يتقدموا إلى سيد البلاد، ملتمسين منه تعيين نجله البار الأمير مولاي الحسن وليا للعهد، فيلبي جلالة طلب العلماء وكافة الهيئات، ويسند ولاية العهد لابنه البار في حفل رسمي حيث خاطبه بقوله:
 «يا بني: تذكر جدك الحسن الأول، كان عرشه على ظهر فرسه لكثرة تنقله في
البلاد، ومشيه في مناكبها، متفقدا للرعية، سامعا للشكاة، مستأصلا الجرائم والبغي والفساد». 
نعم، هذا هو البناء الذي بناه الملك الراحل مولانا محمد الخامس – رحمه الله – هذا البناء الذي نراه بأعيننا كل يوم يزداد شموخنا وقوة، ومتانة وعلوا، عل يد نجله البار أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني نصره الله.
إذا مات منا سيد قام سيد
قوم بما قال الكرام فعول
هذه هي البنيات الأساسية التي وضعها محمد الخامس، وأخذها على عاتقه أمير المؤمنين جلالة الملك الحسن الثاني، ليزيد البناء علوا، والطريق لا زال طويلا، وسيستمر البناء تلو البناء إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، والمغرب سائر في طريق المجد والازدهار بفضل هذه العائلة العلوية الحسنية الشريفة.

المراجــع :

1) تاريخ الاستقصا في أخبار المغرب الأقصى
2) الحركات الاستقلالية في شمال إفريقيا: للأستاذ علال الفاسي
3) مجلة دعوة الحق: مقالة للأستاذ عبد الله كنون.
4) مجلة دعوة الحق: مقالة للأستاذ عبد الوهاب بنمصور.      
5) مجلة دعوة الحق: مقالة للأستاذ عبد الكريم التواتي.
6) كتاب (نضال ملك): للأستاذ رشيد ملين.
7) مجلة التعاون الوطني.            
 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here