islamaumaroc

كيف أمر الإسلام بالمحافظة على الثروة المائية بشكرها وترشيد استغلالها من خلال القرآن والحديث والفقه

  محمد بن أحمد الأمراني

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993

لقد أنعم الله على عباده بنعم كثيرة لا تعد ولا تحصى، كما قال الله تعالى في سورة «النحل»: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله غفور رحيم)الآية 18.
 ومن أجل النعم وأعظمها نعمة الماء، هذه الثروة التي جعلها الله مصدر حياة الكائنات، من إنسان وحيوان ونباتات، قال تعالى في سورة «الأنبياء»: (وجعلنا من الماء كل شيء حي) الآية 30.
وقد تتبعن الآيات القرآنية التي وردت فيها كلمة «الماء» إما حقيقة وهي أكثر، وإما مجازا وهي أقل، فوجدتها مذكورة في أكثر من خمسين آية، ابتداء من سورة «البقرة» حيث يقول الحق سبحانه في بيان مظاهر وحدانيته، وأنه هو المنعم على عباده بكثير من النعم الظاهرة والباطنة: (والذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون) الآية 22، وانتهاء بقوله تعالى في سورة «عبس» وفيه لفت الأنظار إلى نعمة الله بإعداد الأرض للزراعة بواسطة نزول المطر: (فلينظر الإنسان إلى طعامه إنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا لكم ولأنعامكم) الآية 25.
 فالحقيقة كما مثلت بالآيات السابقة والمجاز مثل قوله تعالى في سورة «غافر»:(هو الذي يريكم آيتهم وينزل لكم من السماء رزقا) الآية 12. ومثل قوله في سورة «الجاثية»: (إن السماوات والأرض لآيات للمومنين وفي خلقهم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون) الآيات 3 و4 و5. وقال في سورة «الذاريات»: (وفي السماء رزقكم) الآية 22.
 وقد أطلق القرآن المطر على الرزق في الآيات القرآنية، لأنه به يحصل الرزق، فهو سبب له، فأطلق المسبب وهو الرزق، وأريد السبب الذي هم المطر، فكان مجازا مرسلا علاقته المسببة، بل قد تطلق «الرحمة» ويراد بها المطر، وذلك في مثل قوله تعالى في سورة «الروم: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) الآية 46.
 ففي هذه الآيات يذكر الله خلقه بنعمه في إرسال الرياح مبشرات بيت يدي رحمته بمجيء الغيث عقبها، ولهذا قال تعالى: (وليذيقكم رحمته) أي المطر الذي ينزله فيحيي به البلاد والعباد، لعلكم تشكرون الله على ما أنعم به عليكم من النعم الظاهرة والباطنة.
 ومثل قوله في نفس السورة حينما بين الله كيف يخلق السحاب الذي ينزل منه الماء الذي يستبشر بنزوله العباد بعدما كانوا قانطين من نزوله عليهم، وبهذا المطر أحيا الأرض بعد ما كانت هامدة، فاهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج، ولهذا قال تعالى: (فانظر إلى أثر رحمة الله)
يعني المطر (كيف يحيي الأرض بعد موتها وهو على كل شيء قدير) الآيات 48 و49 و50.
حقا إن المطر يعتبر نعمة كبرى، وكل نعمة هي أثر من آثار رحمته التي وسعت كل شيء.
هذا وقد وردت كلمة «صيب» بمعنى المطر الكثير في سورة «البقرة». قال تعالى: )أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق) الآية 19. كما وردت كلمة «وابل» وهو المطر الشديد ثلاث مرات في سورة «البقرة» قال تعالى: (فمثله كمثل صفوان عليه تراب فأصابه وابل فتركه صلدا) الآية 263، وقال: (كمثل جنة بربوة أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين فإن لم يصبها وابل فطل) الآية 265، كما وردت كلمة «الودق» بمعنى المطر مرتين في سورة «النور» الآية 43، وفي سورة «الروم» الآية 48 حيث يقول الحق سبحانه في السورتين: (فترى الودق يخرج من خلاله) أي فترى المطر يخرج من بين ذلك السحاب. ومن الآيات التي تعرضت لنزول المطر وهي مذكورة في سورة النحل قوله تعالى: هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب فيه تسيمون ينبت لكم من الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون الآية 10. قال ابن كثير: «لما ذكر الله تعالى ما أنعم به عليهم من الأنعام والدواب، شرع في ذكر نعمته عليهم بإنزال المطر من السماء – وهو العلو – بما لهم فيه بلغة ومتاع لهم ولأنعامهم فقال: (لكم منه شراب) أي جعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله عذبا زلالا يسوغ لكم شرابه، ولم يجعله ملحا أجاجا. (ومنه شجر فيه تسيمون) أي وأخرج لكم منه شجرا ترعون فيه أنعامكم، (وينبت لكم به الزرع والزيتون والنخيل والأعناب ومن كل الثمرات) أن يخرجها لكم من الأرض بهذا الماء الواحد على اختلاف (غير مفهومة) وطعومها وألوانها وروائحها وأشكالها، ولهذا قال: (إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون) أي دلالة وحجة على أنه لا إله إلا هو، كما في آية أخرى: (أمن خلق السموات والأرض به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله مع الله بل هم قوم يعدلون) الآية 60. من سورة «النمل» أي أن الله تعالى هو الذي خلق السموات في ارتفاعها وصفائها، وما جعل فيها من الكواكب النيرة والنجوم الزاهرة والأفلاك الدائرة، وخلق الأرض وما فيها من الجبال والسهول والأوعار، والفيافي والقفار، والزروع والأشجار والثمار، والحيوانات والبحار، وأنزل لكم من السماء ماء رزقا للعباد، فأنبت فيها حدائق ذات منظر جميل وشكل بهي، ما كان لكم أيها العباد أن تقدروا على إنبات أشجارها، وإنما يقدر على ذلك الخالق الرازق وحده لا شريك له.
ويقول الله تعالى في سورة المؤمنون: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكنه في الأرض وإنا على ذهاب منه لقادرون) الآية 18.
في هذه الآيات – كما قال ابن كثير – «يذكر الله تعالى بنعمة على العباد في إنزاله المطر من السماء «بقدر» أي بحسب الحاجة إليه من السقي والشرب والانتفاع به وقوله تعالى: (فأسكناه في الأرض) أي أن الله تعالى جعل الماء إذا نزل من السماء يخلد في الأرض، وجعل فيها قابلية إليه، تشربه ويتغذى به ما فيها من الحب والنوى، وقوله: (إنا على ذهاب به لقادرون) أي لو شاء الله إلا تمطر لفعل، ولو شاء لصرفه عنا إلى القفار لفعل، ولو شاء لجعله أجاجا لا ينتفع به لشرب ولا لسقى لفعل، ولو شاء لجعله إذا نزل فيها يغور إلى مدى لا تصلون إليه ولا تنتفعون به لفعل، كما جاء في سورة «الملك» حيث قال الله تعالى: (قل أرأيتم إن أصبح مائكم غورا فم يأتيكم بماء معين) الآية 30. أي نابع جار على وجه الأرض، أي لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل، ولكن بلطفه ورحمته ينزل عليكم المطر من السحاب عذبا فراتا زلالا، فيسكنه في الأرض فيسلكه ينابيع فيها، فيفتح العيون والأنهار، ويسقي به الزروع والثمار، وتشرب منه دوابكم وأنعامكم، وتغسلون منه وتتطهرون وتتنظفون، فلله الحمد والمنة» هـ.
وجاء في سورة «الزمر» قوله تعالى: (ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الالباب) الآية 21.
قال ابن كثير: «يخبر الله تعالى أن أصل الماء في الأرض من السماء كما قال عز وجل: (وأنزلنا من السماء ماء طهورا) فإذا نزل الماء من السماء كمن في الأرض، ثم يصرفه تعالى في أجزائها كما يشاء، وينبعه عيونا ما بين صغار وكبار بحسب الحاجة إليها، ثم يخرج بالماء النازل من السماء والنابع من الأرض (زرعا مختلفا ألوانه) أي أشكاله وطعومه وروائحه ومنافعه، ثم بعد نضارته وشبابه يكتهل، (فتراه مصفرا) قد خالطه يبس ثم يعود يابسا يتحطم، (إن ذلك لذكرى لأولى الألباب) أي الذين يتذكرون بهذا، فيعتبرون أن الدنيا هكذا تكون خضرة ناضرة حسناء، تم تعود عجوزا شوهاء، والشاب يعود شيخا هرما كبيرا ضعيفا، وبعد ذلك كله الموت» هـ
ومن الآيات الواردة في موضوع ماء الشرب قوله تعالى في سورة «الواقعة»: (أفرايتم الماء الذي تشربون أنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون) الآية 68. أي أخبروني عن الماء الذي تشربون، أأنتم الذين أرسلتم إليه الحرارة التي صعدته بخارا في الهواء؟ أأنتم الذين جعلتم طبقات الهواء باردة في السماء؟ أأنتم الذين جمعتموها سحابا ثقالا في الجو؟ أأنتم الذين أنزلتم من السحاب ماء عذبا وهو خارج من بحر ملح أجاج؟ فتشربوه زلالا سائغا وتحيوا به أرضكم وتملأوا به السدود والبحيرات، وتتفجر به من الأرض الينابيع والآبار، (وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله) الآية 74 من  
سورة «البقرة». فهلا تشكرون الله المنعم على ما أولاكم من فضله وأسبغ عليكم من نعمه، في إنزال المطر عليكم مدرارا، وأجرى به الأرض عيونا ونهارا، وملأ به السدود والبحيرات التي خزنتم فيها هذا المطر للانتفاع به في مختلف المنافع الحيوية.
 روى ابن أبي حاتم عن جابر عن جعفر عن النبي (ص) أنه كان إذا شرب الماء قال: «الحمد لله سقانا فراتا برحمته ولم يجعله أجاجا بذنوبنا».
ويظهر حسب رأيي المتواضع وبضاعتي المزجاة أن شكر نعمة الماء يكون:
1- بالتنقيب المتواصل عن مصادره ومنابعه بالوسائل العلمية وآلات الحفر العصرية، واستغلال التكنولوجيا الحديثة، فإن الله تعالى قال في سورة «المؤمنون»: (وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض). فما علينا إذن إلا أن ننقب عن رزقنا الذي جعله الله خبايا الأرض، وقد قال الله تعالى في سورة «الحديد»: وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس الآية 25.
وقد ظهرت منافع الحديد التي ذكرها الله في الآلات الحديدية التي تستعمل في الحراثة وتعميق حفر المغروسات واستخراج المياه الجوفية وغير ذلك من المنافع الأخرى.
روى الترمذي عن سيدتنا عائشة رضي الله عنها أن النبي (ص) قال: «التمسوا الرزق في خبايا الأرض». وهذا الحديث الشريف كما يشمل الفلاحة والغراسة، يشمل كذلك وجوب البحث والتنقيب عن المعادن داخل الأرض على اختلاف أشكالها وأنواعها، ويشمل كذلك البحث عن المياه والذهب الأسود...
2- ببناء السدود والبحيرات التلية التي تحفظ مياه الأمطار وخزنها حتى تستغل في مجالي السقي وتوليد الطاقة الكهربائية.
والمغرب – ولله الحمد – غني بالمياه، وحيث أن هذه المياه كثيرة أحيانا وقليلة أحيانا أخرى، فإنه من الطبيعي أن ينظم تدفقها من أجل استخدامها بذكاء وعلم، وقد قال جلالة الملك الحسن الثاني حفظه الله أمام المجلس الأعلى للمياه في 18 يبراير 1987 على الخصوص:
«إنكم تعلمون أن القانون ليس وحيا من السماء، فعلينا أن ننظم استعمال المياه ونتجنب التبذير، وبعملنا هذا نكون مطمئنين على ثرواتنا ومواردنا».
وهذه التفاتة هامة من جلالته أعزه الله حيث أشار إلى وجوب تجنب تبذير المياه والاقتصاد في استهلاكها، وقد تعود   الناس هذا التبذير يدون تفكير في العواقب.
وقد أكد عاهلنا المفدى – حفظه الله – هذه الفكرة الإسلامية الملكية السامية الموجهة إلى المجلس الأعلى للمياه والمناخ المنعقد في دورته السابعة أخيرا.
والاقتصاد في استعمال الماء واستهلاكه هو ما أمر به الشرع الإسلامي، وقد جاء به أكثر من أربعة عشر قرنا، حتى جعله سنة وقربة.
فقد روى الإمام أحمد بن عبد الله بن عمرو أن رسول الله (ص) مر بسعد وهو يتوضأ فقال له: «لا تسرف» فقال يا رسول الله: أو في الماء إسراف؟ قال: «نعم وإن كنت على نهر جار».
وفي الرسالة لابن أبي زيد القيرواني: «وقلة الماء من أحكام الغسل سنة، والسرف منه غلو وبدعة».
ويقول الشيخ خليل عاطفا على مندوبات الوضوء: «وقلة ماء لا حد».
ويقول بن عاشر في ذكر مستحبات الوضوء: «تقليل ماء».
3- وهنا نكون قد وصلنا إلى الوسيلة الثالثة للمحافظة على الثروة المائية وشكرها شكرا عمليا، وذلك بالمحافظة عليها، والمحافظة عليها تكون بالاقتصاد العملي والمدروس في استهلاكها.
وسياسة بناء السدود والبحيرات التلية سياسة اقتصادية موفقة، خطها جلالة الملك الحسن الثاني أعزه الله. خطها جلالة الملك الحسن أعزه الله. وقد قوبلت هذه النعمة الكبرى بالشكر العملي لله المنعم، فجازى الله الشاكرين – من فضله – بالمزيد من الخيرات المتنوعة وبركات السماء المختلفة.
والهدف من هذا التخطيط الفلاحي واضح، وهو تأمين الاكتفاء الغذائي الذاتي للبلاد، وتوزيع الإنتاج الزراعي بكل فروعه، من أجل ضمان استقلالها الاقتصادي المنشود.
هذا وإن الله الرحيم بعباده، المتفضل عليهم بجزيل إحسانه، إذا بدأ تمم، وسيصبح المغرب في أقرب الآجال – بفضل الله وكرمه أولا، وبالجهود المبذولة في استغلال الثروة المائية بالوسائل العصرية ثانيا، ووثوقا من وعد الله لعباده الشاكرين بالمزيد من فضله ثالثا – كما قال الله تعالى في سورة «الرعد»:
(وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان تسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعضها في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) الآية 4.
قال القرطبي: «في الكلام حذف، والمعنى في الأرض قطع متجاورات وغير متجاورات، كما قال تعالى: (سرابيل تقيكم الحر) والمعنى وتقيكم البرد، ثم حذف لعلم السامع.
وقال ابن كثير: «متجاورات» أي أراض يجاور بعضها بعضا، مع أن هذه طيبة تنبت ما ينفع الناس، وهذه سبخة مالحة لا تنبت شيئا.
ويدخل في هذه الآية اختلاف ألوان بقاع الأرض: فهذه تربة حمراء وهذه بيضاء، وهذه صفراء وهذه سوداء وهذه محجرة وهذه سهلة، وهذه مرملة وهذه سميكة وهذه رقيقة، والكل متجاورات، فهذه بصفتها وهذه بصفتها الأخرى.
والصنوان هو الأصول المجتمعة في منبت واحد كالرمان والتين وبعض النخيل، وغير الصنوان ما كان على أصل واحد كسائر الأشجار، وقيل الصنوان هي النخلات في أصل واحد، وغير الصنوان المتفرقات، وقوله تعالى: (تسقى بماء واحد) إلى قوله (في الأكل) أي هذا الاختلاف في أجناس الثمرات والزروع في أشكالها وألوانها، وطعومها وروائحها، وأوراقها وأزهارها، فهذا في غاية الحلاوة، وهذا في غاية الحموضة، وهذا في غاية المرارة، وهذا أصفر، وهذا أحمر، وهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أزرق، وكذلك الأزهار، مع أنها كلها تستمد من طبيعة واحدة وهو الماء، مع هذا الاختلاف الكثير الذي لا ينحصر ولا ينضبط، ففي ذلك آيات لمن كان واعيا، وهذا من أعظم الدلالات عل الفاعل المختار، الذي بقدرته فاوت بين الأشياء وخلقها على ما يريد، ولهذا قال، (إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون) هـ
وقال القرطبي: «وفي هذا أدل دليل على وحدانية وعظم صمديته، والإرشاد لمن ضل عن معرفته، فإنه نبه سبحانه بقوله: (تسقى بماء واحد) على أن ذلك كله ليس إلا بمشيئته وإرادته، وأنه دليل على بطلان القول بالطبع، إذ لو كان ذلك بالماء والتراب والفاعل له الطبيعة، لما وقع الاختلاف، وقيل: وجه الاحتجاج أنه أثبت التفاوت بين البقاع، فمن تربة عذبة ومن ربة سبخة مع تجاورهما، وهذا أيضا من دلالات كمال قدرته عز وجل» هـ.
على أنه بعد إنشاء اتحاد المغرب العربي، لم يعد معقولا أن يفكر ويخطط للاكتفاء الغذائي الذاتي منفردا، بل لابد من تنسيق الجهود في هذا المجال بين جميع أقطار هذا الاتحاد، حتى يتحقق الأمن الغذائي لكافة شعوبه، ولعل الاتفاقيات المبرمة في هذا الشأن كفيلة بتحقيق هذا التكامل الغذائي المنشود، والذي كانت تتوق إليه شعوب هذه المنطقة منذ أمد بعيد.          
 4- ويكون شكر نعمة الماء بالمحافظة عليه من التلوث، سواء في ذلك مياه البحر حتى نحافظ على الثروة السمكية وبالأحرى الماء الصالح للشرب، ولعل هذا يدخل ضمن مظاهر المحافظة على البيئة التي أصبحت الآن الشغل الشاغل للعالم.
هذا ما يتعلق بماء الشرب، أما فيما يتعلق بماء البحر، فقد قال الله تعالى في سورة «النحل»: (وهو الذي سخر البحر لتاكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا فيه حلية تلبسونها، وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) الآية 14.
وقد فسر ابن كثير هذه الآية بقوله: «يخبر الله تعالى عن تسخيره البحر المتلاطم الأمواج، ويمتن على عباده بتذليله لهم وتيسيرهم للركوب فيه، وما يخلقه من اللآلئ والجواهر النفيسة، وتسهيله استخراجهم من قراره حلية يلبسونها، وتسخيره البحر لحمل السفن التي تمخره أي تشقه، والذي أرشد العباد إلى صنعتها وهداهم إلى ذلك إرثا عن نوح عليه السلام، فإنه أول من ركب السفن، وله كان تعليم صنعتها، ثم أخذها الناس عنه قرنا بعد قرن، وجيلا بعد جيل، يسيرون من قطر إلى قطر، ومن بلد إلى لبد، لجلب ما هناك من رزق، ولهذا قال تعالى: (ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) أي نعمه التي لا تعد ولا تحصى»هـ.
وبالإضافة إلى هذه الآيات، هناك آيات أخرى أشارت إلى بعض منافع البحر كقوله تعالى في سورة «الشورى» (ألم تر أن الفلك يجري في البحر بنعمة الله ليريكم من آياته إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور) الآية 23. وقوله في سورة «الروم»: (ومن آياته أن يرسل الرياح مبشرات وليذيقكم من رحمته ولتجري الفلك بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون) الآية 46.
وشكر النعمة ليس كلمات تنطق بها الألسنة فقط، إذ ظاهر القرآن يفيد أن الشكر يكون بعمل الأبدان دون الاقتصار على عمل اللسان، فالشكر بالأفعال عمل الأركان، والشكر بالأقوال عمل اللسان.
وسئل بعض العلماء عن معنى الشكر فقال: هو الاعتراف بالنعمة للمنعم واستعمالها في طاعته، وكفران النعمة استعمالها في معصية، وقليل من يفعل ذلك، كما سئل بعض الحكماء عن معنى الشكر لله فقال: ألا تتقوى بنعمة على معاصيه.
وعلى هذا، فهل شكر عباد الله خالقهم ورازقهم على نعم الثروات البحرية بالمحافظة عليها وحمايتها وعدم استنزاف مذخراتها؟ أم أنهم جحدوا هذه النعم بتعريضها للتلوث الضار بها؟
ويظهر أن البشرية معرضة الآن لسلب الله إياها نعم البحر، بسبب ما تتعرض مياهه من تلوث ضار بثرواته ضار بثرواته المتعددة، هذا ضرر الذي هو من أيدي البشر وصنعه، ومن دون تفكير في العواقب الوخيمة العاجلة والآجلة، وأخشى – وليست متشائما ولا يائسا – أن ينطبق عليها قول الله الحكيم في محكم كتابه: (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون).
وهاهي الدول الجاحدة لنعم الله، والتي تقوت بها على معاصيه في البحر والبر والجو، قد كفرت بأنعم الله، باستغلالها التقدم الصناعي المتوفر لديها بتلويث البيئة، فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما صنعت أيديها.
وإذا كانت الدول غير الإسلامية لا تومن بأن الله المنعم – وهو القاهر فوق عباده – يعاقب كل طاغية جحد نعم الله بزوالها وسلبها، فإن الدول الإسلامية يجب ألا تقع فيما وقعت فيه الآن الدول غير المسلمة قال تعالى: (فاعتبروا يا أولي الأبصار).
وبالنسبة للمغرب، البلد الذي حباه الله كثيرا من ثروات الأرض والمياه، وعليه يزيد من وضع التخطيطات الاقتصادية والبرامج الإنمائية الشاملة، وأن يشكر الله شكرا عمليا، وذلك بالمحافظة على هذه الثروات بحسن استغلالها وعدم استنزاف خيراتها وطاقاتها، مع الاعتماد على وسائلنا، وعلى الخبراء المغاربة المختصين في دراسة وسائل المحافظة على البيئة المغربية، وما أكثرهم والحمد لله، ولعل الخالق المنعم يزيدنا من خيراته كما وعدنا بذلك: (وعد الله لا يخلف الله وعده)، (ولئن شكرتم لأزيدنكم).
وحذار أن نقلد تقليدا أعمى تلك الدول المصنعة التي سقطت في حمأة تلويث البيئة بجميع مظاهرها، ونستورد منها – دون تمحيص وغربلة – كل الحلول الجاهزة لديها، قلنا من ديننا الذي هو عصمتنا ونجاتنا، ومن موقع بلدنا الجغرافي المتميز، ومن ثرواتنا الأرضية والمائية المتعددة الأصناف والأنواع، ومن الإنسان المغربي الطموح الذي هو المحور في كل تخطيط، ومن مقوماتنا الدينية ووسائلنا الوطنية ما يحمينا – إن نحن خططنا تخطيطا علميا ومدروسا على المدى القريب والمتوسط والبعيد – من الأخطار التي تهدد البشرية في موارد عيشها وعوامل حياتها وأسباب هنائها: من أراض ونبات ومياه وأجواء. 
  وليس معنى هذا أننا نخطط لأنفسنا لحماية بيئتنا المغربية وثرواتنا المائية في معزل عما يجري في العالم، الذي تقاربت أبعاده، وتشابكت مصالحه، بل بالعكس، علينا أن نستفيد من تجارب الدول الأخرى في المجالات الموحدة والحلول الإنسانية المشتركة.
 ومعلوم أن شكر النعمة والاعتراف بها يستوجب رضوان الله ودوام النعمة، أما جحودها والاستعلاء بها على العباد فيزيلان النعمة ويوجبان النقمة، كما قال تعالى في سورة «إبراهيم» (لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)الآيتان 6 و7.
وقال ابن عطاء الله في حكمه: «من لم يشكر النعم فقد تعرض لزوالها، ومن شكرها فقد قيدها بعقالها».
 وبما أن تلوث المياه يضر بالصحة العامة للإنسان، فقد جاءت السنة النبوية تنهى نهيا قاطعا وبأسلوب شديد فيه قوة ووعيد، عن قضاء الحاجة من بول أو براز في الماء الذي يستعمله الناس في وضوئهم واغتسالهم وسائر شؤونهم،وفي طريقهم الذي فيه يمشون، وفي ظلهم الذي به يستظلون، وفي موارد مياههم التي عليها يجلسون، ومن ذلك السواقي والأنهار وقنوات المياه ومجاريها، فقد روى الإمام مسلم وأبو داوود أن النبي (ص) قال: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل».
 ولاشك أن الأمراض المعدية تنتقل بواسطة المياه الملوثة، ولهذا فلا غرابة أن أطلق الرسول عليه السلام عليها الملاعن، لأنها تسبب لعن الناس لمن يفعلها، وقد ثبت طبيا أن هذه المظاهر تولد أمراض وبائية ولاسيما في البادية.
 هذا ما يتعلق ببعض الآيات القرنية التي جاء ذكر كلمة الماء بين ثناياه.
 وأما بالنسبة للأحاديث النبوية، فبالإضافة إلى ما سبق ذكره، فقد جاء في كتاب: «منهج الاقتصاد الإسلامي في إنتاج الثروة واستهلاكها» لمؤلفه الأستاذ أحمد لسان الحق (1) أحاديث أخرى مع التعليق عليها.
 ولإثراء هذا الموضوع الإسلامي أنقل للقارئ جملة من هذه الأحاديث المذكورة في كتابة (ج:2)ابتداء من ص: 283: قال الأستاذ نفع الله بكتابه القيم:
 «ومما يرتبط ارتباطا وثيقا بفضل الأرض فضل الماء، وفضل الماء وما روي عن منعه وبيعه، من شأنه أن يتناول في الدرجة الأولى ما تسقي به الأرض والشجر، والمنطق لا يستسيغ أن تمنح   أرض مشجرة دون ماء يضمن ريها ويسمح باستغلالها، إلا أن تكون بورية، أو تفضل بدون فضل فتمنح، كما يفضل الماء بدونها فتمنح، كما أن يمنحا من جانب واحد أو من جانبين.
وقد رأى الأستاذ منتصر الكتاني في علاقة الأرض بالماء إنهما أصل الخلقة وبدايته». والحق أن أحدهما لا يستغني عن الآخر، وأن الأرض بدون ماء لا تنتج، ومن ثم تتضح الحكمة في منع احتكاره.
«ففي روايات رواها البخاري ومسلم والترمذي وأبو داوود والإمام أحمد عن جابر وأبي هريرة وعائشة وأنس ابن عمرو بن العاص وإياس بن عبد الله أن النبي (ص) نهى عن بيع فضل الماء أو عن منع فضل الماء، وعن إياس بن عبد الله فيما يرويه الترمذي وأبو عبيد والنسائي وأبو داوود أنه نهى عن بيع الماء»، وفيما يرويه مسلم وأبو داوود أنه «نهى عن بيع فضل الماء وفي (البداية والنهاية) أنه نهى عن بيع الماء وعن بيع فضل الماء». وفي المنع يروي البخاري ومسلم والبيهقي، في الثالث من الثلاثة الذين لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم: «... ورجل منع فضل مائة فيقول الله: اليوم أمنعك فضلي كما منعت فضل ما لم تعمل يداك». وفي رواية الإمام أحمد: من منع فضل مائة أو فضل كلئه منعه الله فضله يوم القيامة». وفي خراج ابن آدم عن بريدة قال: «منع فضل الماء بعد الري يعد من الكبائر. وفي المدونة الكبرى قال سحنون لابن قاسم: أرأيت لو أن نهرا لي انخرق إلى أرض فجاء رجل فبنى عليه رحى ماء بغير أمري فأصاب في ذلك مالا؟ قال: أما ما بنى في الأرض فالكراء له لازم فيما بنى، وأما الماء فلا كراء لصاحب الماء على صاحب الرحى، لأن الماء لا يوجد له الكراء». وقال مالك: «لا أرى لماء النهر كراء»، وبذلك يعد من الفضول فيمنح كما تمنح الأرض، فكان على كل شخص أو أسرة أو قبيلة، فضل شيء من الماء أو الكلأ عن حاجتها ألا تمنعه، فقد رفض الرسول كل الأساليب الاحتكارية ولو بطريقة غير مباشرة، فقال فيما يرويه أبو هريرة وعائشة: «لا يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ».
والمراد بفضل الماء – كما تقدمت الإشارة إليه – هو ما يفضل عن حاجة الشخص وحاجة بهيمته في الشرب، أو عن حاجة أرضه وشجرة في السقي، وهو النوع الذي لا يجوز بيعه أو منعه، كما
يقع بين أهل البوادي حتى اليوم، ويعني بيع ما يسقى به لا بيع ملكيته وأصله، وإنما يطلب منحه والمساعدة به».
«وفيما قيل في كراء فضل الأرض وبيعه، يقال في بيع فضل الماء إذ لو جاز بيعه أو منعه لجاز كراؤه وبيعه. ويروي بعض الفقهاء: إن فضل الماء إذا غرس عليه لا يحق للفاضل له أن يمنعه, لأن منعه يلحق ضررا بشجر الغارس, ففي نوازل ابن هلال: «من له فضل ماء يجري علي قوم غرسوا عليه تحته ليس له أن يمنعه بعد». هـ
ويقول المرحوم سيد قطب في كتابه القيم «العدالة الاجتماعية» في الإسلام ص:112: «إن هناك نوع من الأموال الشائعة التي لا يجوز اجتيازها للأفراد, عدد الرسول منها ثلاثة: «الماء والكلأ والنار», «الناس شركاء في ثلاث: في الماء والكلأ والنار» بوصفها ضروريات لحياة الجماعة في البيئة العربية, فالانتفاع بها للجماعة كلها, والضروريات لحيات الجماعة تختلف في بيئة عن أخرى وفي عصر عن عصـر, والقيـاس - وهو أحد أصول التشريع في الإسلام -  ينفسح لسواها عند التطبيق مما هو في حكمها» هـ.
ومما له علاقة متينة بالثروة المائية وكيفية استغلال شرعها, أو تركها مباحة يستفيد منها عموم الناس, ما ذكره«محسن خليل» في كتابه: «في الفكر الاقتصادي العربي الإسلامي» المطبوع سنة 1982 ضمن «منشورات وزارة الثقافة والإعلام» للجمهورية العراقية, فقد جاء فيه تحت عنوان: «مصادر الثروة الطبيعية الظاهرة» ص:173 ما يأتي باختصار وتصرف: «يقصد بها تلك المصادر التي لا يتطلب الحصول على جوهرها أي مادتها الأساسية عملا أو مشقة, وإنما العمل السعي يتمثل بالحصول عليها, ومثالها المعادن الظاهرة التي مادتها جاهزة للاستعمال, دون أن يبذل عمل أو جهد لعزله عن الشوائب العالقة فيها كالكبريت...ومياه الأنهار والأودية والعيون في الجبال والراعي الطبيعية والاحتطاب والاحتشاش والصيد وما يقع في حكمها...».
«فهذه المصادر من الثروة الطبيعية منحة جاهزة من الطبيعة(كذا) (2)لاستخدامها في إشباع الحاجات الإنسانية, تكاد تجمع على أنه لا يجوز إقطاع هذه المصادر من الثروة الطبيعية لأحد, كما لا يحق لشخص أن يحمي بعضا منها أو 
يستأثر بشيء منها دون غيره أو يمنع الآخرين منها...».
 «فإن مياه الأنهار أو مياه الأودية المتكونة من مياه الأمطار والعيون الطبيعية في الجبال هي منحة طبيعية (كذا؟)، ولم يبذل أحد فيها جهدا أو عملا خاصا لاستنباط مياهها أو حفر أوديتها، ولما كان الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار فقد ترتب أن تكون حقوقهم متساوية، فمياه العين ليست نتيجة لعمل إنساني، بل هي منحة طبيعية، ومنفعتها الاجتماعية لا تتحقق إلا عبر بذل العمل في سبيل أخذها والانتفاع بها بأي شكل من الأشكال، كما لو حفر نهرا أو مجرى صغيرا عن نهر كبير، فهذا الأخير هو حصيلة العمل، ومنفعة متأتية عن الجهود التي بذلت في حفره إذا كان لا يؤثر على حقوق الآخرين في النهر الرئيسي...».
 «والمياه المباحة من الإروائية والعيون في الجبال يستوي الناس فيها، فإن أراد قوم سقي أراضيهم منها فضاق، سقى الأعلى ثم الأعلى، وحبس كل واحد الماء حتى يبلغ الكعبين».
وجاء في كتاب «منهج الاقتصاد الإسلامي» لمؤلفه الأستاذ أحمد لسان الحق ج: 2- ص: 285 ما يأتي:
«أما الماء المشترك فلا أحق به من الآخر، وإنما يجري من الأعلى إلى الأسفل بصفة طبيعية، وفيه يروي ابن ماجة والترمذي عن ابن ماجة بن الصامت أن النبي (ص) قضى في شرب النخل من السيل أن الأعلى فالأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، وكذلك حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء» هـ.
 ثم قال «محسن خليل» في صفحة 179.
 «ويتأكد مبدأ أن العمل هو مصدر المنفعة الاجتماعية للأشياء التي يندمج فيها بالأحكام الخاصة بالماء المحاز، فقد رأينا أن الأحكام لا تمنح للفرد أي شكل من أشكال الاختصاص بمصادر الثروة الطبيعية، مما لا يحتاج للوصول إلى مادتها إلى معالجة خاصة، وإن الجميع يتساوون في الحقوق فيها، ولكل منهم أن يختص بما يحوزه بعمله، وأن يتصرف به كيفما يشاء».
 «أما الأحكام الخاصة بالماء المحاز الذي أصبح من الاختصاص الفرد بعد أن حازه من النهر أو البئر أو العين، فإنها تبيح له حرية التصرف فيه كيفما يشاء، وتسند هذه الحرية إلى الجهد الذي بذل في استقائه وتعبئة في الأوعية أو القناني وما شابه ذلك، ومن هذه الأحكام:
 «وإن كان الماء في سقاء أو جرة أو وعاء، فهذا مخالف للماء الذي يستخلف كمياه الأنهار والآبار العيون، فلصاحبه منعه عن الآخرين كطعامه، إلا أن يضطر إليه مسلم، والضرورة أن يكون لا يجد غيره بشراء أو يجد بشراء ولا يجد ثمنا فلا يمنع، لأن في منعه تلفا للنفس».
«وما أخذ من هذا الماء المباح في إناء أو حوض مسدود المنافذ أو بركة أو حفرة في أرض و نحو ذلك ملك على الصحيح: كالاحتطاب والاحتشاش والاصطياد، فإذا استقر الماء في موضعه حتى يصير في الآنية والأوعية، فهو الذي رخص العلماء في بيعه لما فيه مستقيه وحامله.
ولا بأس من أن يحمي الإنسان الحمى في المرعى والكلأ إذا كان في أرضه وسقاه بمائه، فأما غير ذلك فلا يجوز بيعه، لأن الناس كلهم فيه شرع، أي أن الكلأ الذي ينبت في أرض إنسان يختص بها بشكل أو بآخر، وكان قد سقاه بمائة فيجوز بيعه، أي الاختصاص به دون غيره لأنه ليس مباحا، وليس هبة خالصة من الطبيعة، بل استنبته بمائة ورعايته وما بذل من جهد في ذلك، فاستحق الاختصاص به دون سواه».
«وإذا كان هناك سيح فيعمد الرجل إلى مائة فيسوقه إلى الأرض فيسقيه الحشيش، وهو الذي حفر النهر وله الماء يزرع به ما شاء.. إذا كان الماء له فليزرع به ما شاء، وليبعه بما أحب، فالإباحة لبيع الحشيش هنا وهو الكلأ ناتجة عن كون استنباته، ثم بحفر نهر يسحب مياه السيح إلى الأرض ليسقي بها الحشيش، فالحشيش هناك لزرع المستنبت بالعمل والعناية به، فهو من اختصاص العامل وله أن يبيع، بخلاف ما لو كان ماء السيح يصل طبيعيا إلى الأرض وينبت دون أن يبذل أحد جهدا خاصا فيه، فالمنع هنا غير جائز، لأن الحشيش ليس نتيجة لعمل أحد».
وقال المؤلف «محسن خليل» في كتابه السابق الذكر ص: 172:
«وشبيه بحكم المعادن الباطنة، حفر الآبار والأنهار الصغيرة التي تستقبل مياه الأنهر الكبيرة ومياه السيح، فحكمها أيضا حكم المعادن الباطنة، لأن الماء لم يتم الوصول إليه إلا بمعالجة: كحفر الآبار وكحفر السواقي، لذلك يختص العامل هنا بالأولوية في الاستفادة من المنفعة التي خلقها بجهده، ولأن هذه المياه تستخلف، وأخذها من قبل الغير بعد أخذ حاجته لا يؤثر على استفادته من المنفعة التي خلقها، فقد أجيز ذلك، فمن حفر نهرا ليدخل فيه الماء من الوادي، فالماء باق على إباحته، لكن مالك النهر أحق به، ولغيره الشرب وسقي الدواب والاستعمال منه» هـ. وجاء في تفسير القرطبي ج 7 ص: 215 عند تفسير قوله تعالى في سورة «الأعراف»:  
?ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله?(3) ما يأتي:
«في هذه الآية دليل على أن سقي الماء من أفضل الأعمال، وقد سئل ابن عباس: أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء، ألم تروا إلى أهل النار حين استغاثوا بأهل الجنة قالوا: (أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله). وروى أبو داوود أن سعدا أتى النبي (ص) فقال، أي الصدقة أعجب إليك؟ قال: الماء، وفي رواية، فحفر بئرا فقال: هذه لأم سعد، وعن أنس قال: قال سعد يا رسول الله: إن أم سعد كانت تحب الصدقة، أفينفعها أن أتصدق عنها؟ قال: نعم وعليك بالماء. وفي رواية أن النبي (ص) أمر سعد بن عبادة أن يسقى عنها الماء، فدل على أن سقى الماء من أعظم القربات عند الله تعالى، وقال بعض التابعين: «من كثرت ذنوبه فعليه بسقي الماء، وقد غفر الله ذنوب الذي سقى الكلب، فكيف بمن سقى رجلا مومنا موحدا وأحياه؟».
وقصة الكلب التي رواها البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه هي أن النبي (ص) قال: «بينما رجل يمشي بطريق، فاشتد عليه الحر، فوجدا بئرا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من شدة العطش، فقال رجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ثم أمسكه بفيه حتى رقى، فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له». فقالوا: يا رسول الله: وإن لنا في البهائم لأجرا؟ قال: في كل ذي كبد رطبة أجر»هـ.
 ومعنى «فشكر الله له» أي أثابه على طاعته، فتقبل منه العمل القليل، وأعطاه عليه الثواب الجزيل. وذلك شكر منه على عبادته، ونظير قوله تعالى:
?ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما? أي يشكر عباده على طاعته، ونظير أيضا ما جاء في «التمهيد» (ج: 2، ص:11) من رواية أبي هريرة أن النبي (ص) قال: «بينما رجل يمشي بطريق إذ وجد غصن شوك على الطريق فأخذه، فشكر الله له فغفر له ذنوبه».
وقال القرطبي في نفس الجزء:
وقد استدل بهذه الآية من قال: «إن صاحب الحوض والقربة أحق بمائة، وإن له منعه ممن أراده، لأن معنى قول أهل الجنة: (إن الله حرمهما على الكافرين) لا حق لكم فيها.
وقد بوب البخاري رحمه الله على هذا المعنى: «باب من رأى أن صاحب الحوض والقربة أحق بمائة» وأدخل في الباب عن أبي هريرة عن النبي (ص) قال: «والذي نفسه بيده لأذوذن رجالا عن حوضي كما تذاذ الغريبة من الإبل عن الحوض». قال المهلب: لا خلاف أن صاحب الحوض أحق بمائة لقوله عليه السلام: «لأذوذن رجالا عن حوضي»هـ.
وإذا كان التقدم الصناعي والتكنولوجيا أحد أسباب تلوث البيئة، وكان هذا التقدم ناشئا عن تقدم العلم وتطور وسائله، فينبغي أن أشير إلى أن من نعم الله على عباده نعمة العلم بمفهومه العام، وشكر نعمه العلم بمفهومه العام، وشكر نعمة العلم بهذا المفهوم الشمولي، يكون بنشره وبتعليم الجاهل، وإرشاد الحائر، وباستغلال ثمراته العقلية ونتائجه الفكرية ووسائله التكنولوجية، فيما ينفع البلاد والعباد، ويحقق للبشرية التائهة الازدهار الاقتصادي والهدوء النفسي والاطمئنان الروحي والعدل الإلهي والإخاء البشري، كما يحقق الغاية من خلق الإنسان على وجه هذه الأرض، إذ لم يخلق الله الحكيم هذا الإنسان على وجه هذه البسيطة عبثا، وإنما خلقه وفضله على كثير من خلقه، ليقوم برسالة سامية في هذه الحياة، وهي أمانة ثقيلة ومسؤولية كبيرة، فقد استخلفه في الأرض، وكرمه بالعقل والبيان، وحمله مسؤولية عمارة الأرض، والحفاظ على خيراتها واستثمار غلاتها، واستخراج كنوزها وخباياها، والمحافظة على هذه البيئة نقية صالحة كما خلقها الله: من هواء ومياه ونباتات...، قال تعالى:
(هو الذي أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها) أي جعلكم من عمارها، وقال تعالى: (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها). تلك الأهداف المنشودة التي لازالت البشرية تبحث عنها لاهثة في دياجير هذا العصر بقوانينه الوضعية القاصرة، والسير وراء المذاهب البشرية المتناقضة، وليست بواصلة إلى هذا المبتغى السرابي، لأنها حادث في سيرها عن منهج الله القويم وصراطه المستقيم، وكفرت بأنعم الله،وتسببت في تلويث البيئة بجميع مظاهرها، ولذلك عاقبها الله بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات، وسلط عليها الأمراض والأوجاع التي لم تكن عند أسلافنا.
قال تعالى: (هذا بلاغ للناس ولينذروا به وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولوا الألباب) صدق الله العظيم.

_____________
1 - المطبوع سنة 1408هـ/1987م (دار الفرقان لنشر الحديث).
2) كان من الواجب أن يقول: منحة مخلوقة لله, لأن الطبيعة لا تجهز شيئا إلا بقوة الله. 
3) سورة الأعراف – الآية 50.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here