islamaumaroc

خطبة الجمعة التي ألقاها جلالة المغفور له محمد الخامس قدس الله روحه بمسجد أنتيسيرابي بجزيرة مدغشقر يوم الجمعة 19 شعبان 1378 هـ قبل عودته المظفرة من منفاه السحيق إلى الوطن العزيز

  محمد الخامس

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993

كان نفي محمد الخامس، طيب الله ثراه، وجعل الجنة مثواه، إلى جزيرة مدغشقر وأسرته الكريمة أكبر جريمة يرتكبها الاستعمار في حق الأمة المغربية، ورمز سيادتها، والذي لم يكن يظن أن موازينه ستحتل يوما ما، وأن حساباته ستنقلب وبالا وخسرانا عليه.
وكان نفي محمد الخامس، قدس الله روحه، وأسرته الشريفة أكبر انتصار للقضية المغربية في شخص جلالته كملك فذ آمن إيمانا صادق بأن الحرية لا تقدر بثمن، وأن الحصول عليها يقتضي التضحية بالروح، وتفرض بذل النفس والنفيس لنيلها.
 وكان نفي محمد الخامس، رحمه الله، أبلغ مؤشرا لثورة الملك والشعب الذين تعاهدا على هدف واحد، وتلاحما للوصول إلى غاية واحدة، ألا وهي: الاستقلال والحرية.
 وفي ديار الغربة والمحنة، كان محمد الخامس، رضوان الله عليه، نعم المومن الصابر، الموقن بقرب أجل الخلاص والفكاك من ربقة الاستعمار والعودة وأسرته مظفرا منصورا إلى وطنه وشعبه وعرشه، وعاش أيام منفاه – محتسبا لله – بين شعب مدغشقر، وفي مدينة أنتسيرابي التي أحس مواطنوها إحساسا عميقا بمكانته، وجهاده، وتضحيته في سبيل شعبه، فنشأ بينهما تجاوب صادق، وتعاطف خالص، وتيقنوا اليقين الكامل بأن الرجل نعم الملك، وأن الملك نعم الرجل، إيمان، وصلاح، وتقوى، وصبر، وقدوة، وخصال لا تجتمع إلا في الأئمة الأصفياء، المومنين المتقين.
 وكانت أيام الغربة والمحنة بالنسبة لجلالة الملك محمد الخامس أيام عمل متواصل، وتفكير مستمر في قضية بلاده وشعبه، تخللتها مواقف إسلامية وإنسانية تنم عن عظمته، وعلو همته، وقدوته الإسلامية والمثالية. والتي كانت من أبرزها خطبة الجمعة التي ألقاها جلالته بمسجد أنتيسرابي بجزيرة مدغشقر أمام جمع غفير من المومنين يوم الجمعة 19 شعبان 1378 هجرية والتي كانت في مضمونها وتوجيهها تترجم عن الإيمان الراسخ والقوي الذي يعمر قلبه، ويملأ نفسه في عدالة الله سبحانه لنصرة عباده المومنين المخلصين، والشعوب المهضومة الحقوق، المسلوبة الحريات.
 وبهذه المناسبة، مناسبة ذكرى ثورة الملك والشعب يسر مجلة دعوى الحق أن تنشر في هذا العدد الخطبة المذكورة مدعمة بصور تاريخية كصفحة مشرقة خالدة من صفحات كفاح العرش والأمة تعبر بصدق وجلال عن فترة ذهبية في حياة ملك وشعب أقسما على الوفاء والفداء، فكان ثمرة جهادهما المشترك: الحرية والاستقلال.
 وفي الصفحات الموالية النص الكامل للخطبة:    

*الخطبة الأولى*
الحمد لله وحده
إن الحمد لله نحمده سبحانه، ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فما له من هاد.
أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله.
اللهم صل عليه وعلى آل بيته الطاهرين، وأصحابه الصادقين الصابرين، الذين آمنوا به وعظموه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه فكانوا من المفلحين.    
أما بعد،
فإن الله ابتلى عباده المومنين بما يشاء من أنواع المحن وصنوف البلاء، فيبتلي بعضهم في عقيدته أو فكرته أو بدنه أو متاعه أو أسرته، ويختبر بعضهم بالاستخلاف على خلقه وإمامتهم ورعايتهم، جرت بذلك سنته، وقضت به حكمته، سنة الله التي قد خلت من قبل، وليس لسنة الله تبديلا.
 فأما الذين يعتصمون بالله عند الامتحان، وتطمئن قلوبهم ساعة العسرة بالإيمان، ويدورون مع الحق حيث دار، ويخلصون في الإعلان والإسرار، فقوم يكتب لهم الله الفوز والظهور، ويهيئ لهم وطنا في كل الأمور، ويبدل حسناتهم، ويعلي درجاتهم.
 وأما الذين يجزعون ساعة الشدة ولا يعدون لها من الصبر عدة، وييأسون من روح الله، ويفرطون في أمانته، ويجورون على خلقه، فقوم يحبط الله أعمالهم، ويرد فروضهم ونوافلهم، ويلقيهم خسرا وغبنا، ولا يقيم لهم يوم القيامة أذنا.
 فطوبى لمن كانت له إسوة حسنة في الرسول الكريم الذي قال حين حاول المشركون إغراءه بالترف والمال على ترك ما هو قائم به: «والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك دونه ماتركته».
قال تبارك وتعالى:
 (لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا، وإن تصبروا وتتقوا فإن ذلك من عزم الأمور).
نفعني الله وإياكم بالقرآن المبين، وثبتنا على الحق في كل وقت وحين، وغفر لي ولكم ولجميع المسلمين، آمين.
والحمد لله رب العالمين.    


*الخطبة الثانية*
الحمد لله الوفي بالعهد، الصادق الوعد، الذي ليس لما رفع خافض، ولا لما أبرم ناقض، وليس له في ملكه شريك ولا معارض، وأحمده حمد خاضع لجلاله، شاكر لكرمه ونواله، وأشهد الله الذي لا إله إلا هو.
 وأشهد أن محمد عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، ولو كره المشركون.
 أما بعد،
أيها المسلمون، فإن إقامتي بجواركم زمنا غير قصير قوت ما بيننا من روابط لحمتها الإسلام، وسداها الإيمان، وكان هذا المسجد المبارك مهوى فؤادنا أيام محنتنا وغربتنا، به كنا نجتمع وإياكم بذكر الله، وتلاوة كتابه، ودراسة آياته،       
فيه كنا ندعو الله لشعبنا ووطنا ولكم لسائر المسلمين حتى استجاب الله الدعاء، وحقق الرجاء، وأذهب الغم، وأزح الهم، فحق علينا أن نقوم بزيارة هذا البيت المبارك من بيوت الله، ونصل معكم رحم الأخوة، والمودة، والدين، لنحمد الله على ما أولى وأنعم، ولنذكركم كما كنا نفعل ونرشدكم، (وذكر فإن الذكرى تنفع المومنين).
 فاعتصموا بحبل الله جميعا أيها المسلمون ولا تفرقوا، وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تخاذلوا، وأسلموا للحق وجوهكم، وأخلصوا لله نية أعمالكم، وعلموا أولادكم القرآن، وفهموهم أحكامه، وأقرؤوهم سيرة نبينا محمد "، وحببوا إليهم التخلق بأخلاقه، فإنه يخشى أن يضيع الإسلام في هذه الجزيرة إذا فرطتم في تعليم أبنائكم كل ذلك، وقصرتم في ترغيبهم، فيه واذكروا قبل كل شيء أنكم ستسالون عنهم يوم القيامة لأنكم رعاتهم، وكل راع مسؤول عن رعيته، كما قال النبي ". اللهم أعز الإسلام وانصر المسلمين، وخذ بيد المستضعفين، وفك رقاب المستعبدين، وأهد عبادك إلى طريق الحق المبين.
اللهم أصلح ملوك المسلمين ورؤسائهم، واجمع شملهم، ووحد كلمته، وألف بين قلوبهم، وكن لهم وليا ونصيرا، يا أرحم الراحمين يا رب العالمين.
 اللهم وفقني للخير وأعني عليه، واجعلني من الشعب وإليه، وحقق في وطني آمالي، وثبت لأمتي أعمالي، واجعل من أسرتي وذريتي قرة عيني، واجعلني إماما للمتقين.
(ربنا إننا سمعنا مناديا ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا ربنا اغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد.)
أقول ما تسمعون، والله المستعان على نفسي وأنفسكم، وهو حسبي ونعم الوكيل.
وصلى الله على سيدنا وآله وصحبه وسلم.    

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here