islamaumaroc

ثورة الملك والشعب بين الجهاد الأصغر والجهاد الأكبر [افتتاحية]

  دعوة الحق

العدد 299 صفر 1414/ غشت 1993

في شهر غشت من كل سنة، يكون المغرب على موعد مع ذكرى وطنية جليلة، لها مكانتها الخاصة في نفوس المغاربة قاطبة، وخلودها في سجل تاريخ أمتهم المجيدة، إنها ثورة الملك والشعب، التي يخلدها هذا البلد الأبي العزيز كلما وصل اليوم العشرون من هذا الشهر.
 هذه الذكرى التي تعود فيها الذاكرة بالمرء إلى أربعين سنة مضت حين أقدم الاستعمار على المساس بالأمة المغربية، والنيل من مقدساتها الدينية ومقوماتها الوطنية، وذلك بالتجرؤ على خلع الملك محمد الخامس عن عرشه ونفيه مع أسرته، وإبعاده عن وطنه وشعبه إلى بلد غريب سحيق.
 وقد كان الاستعمار يهدف من رواء تلك الفعلة النكراء إلى إضعاف موقف العرش منه، وإخماد جذوة الجهاد والنضال في هذا الوطن الصامد، والنيل من معنوية شعبه الوفي، وحركته الوطنية، فجاءه الأمر وفاجأه بما لم يخطر في البال ولم يكن له في الحسبان. فقد ثار الشعب المغربي بأجمعه ثورة رجل واحد، وانتفض انتفاضة مباركة، وتأججت فيه شعلة الجهاد والنضال، وقوة الحماس والثبات والصمود في وجه الاستعمار الغاشم، وجبروته المتغطرس، من أجل إرجاع محمد الخامس إلى عرشه ووطنه وشعبه، واستعادة المغرب لحريته واستقلاله.
 وهو كفاح ونضال بدأ مع تولي هذا الملك الصالح المجاهد جلالة محمد الخامس لعرش أسلافه المنعمين، واستمر وتواصل سنوات في تماسك وتلاحم متين بين العرش وشعبه الوفي، حتى بلغ أوجه ذروته في السنتين اللتين عاشهما المغفور له محمد الخامس مع أسرته في المنفى بعيدا عن بلده، صابرا محتسبا، وكانتا تتويجا وقمة لذلكم الجهاد والنضال، حتى عاد جلالة محمد الخامس الملك الشرعي للبلاد إلى وطنه وشعبه ظافرا منتصرا، معززا مكرما، حاملا معه إلى أمته بشارة الحرية والاستقلال، ومحققا لبلده نعمة العزة والاستقرار، والكرامة والاطمئنان، وهو يلهج مع شعبه بحمد الله وشكره، ويتلو قول الله تعالى في محكم كتابه المبين: (الحمد لله الذب أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور)، ويردد الأثر الوارد عن السلف الصالح والقائل: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر».
 ولقد كان لإيراد تلك الآية الكريمة، والحديث المأثور في هذه المناسبة الغالية مغزاها العميق، ومعناها الواسع الدقيق، وأثرهما الكبير لدى الشعب المغربي المسلم، وفي نفسه المطمئنة في أول كلمة يلقيها جلالة المغفور له محمد الخامس في غمرة الفرحة العارمة والبهجة الشاملة التي عمت الشعب والأمة المغربية بمناسبة العودة الميمونة المظفرة لجلالته إلى أرض وكنه مع أسرته الملكية الشريفة.
 وقد رأى جلالته بنور إيمانه وتفتح بصيرته وثاقب فكرته أن الاستقلال والحرية نعمة جليلة عظيمة تستوجب الحمد والشكر لله عليها،وتقتضي  الحفاظ عليها بكل الوسائل الممكنة، وأن فترة الجهاد والكفاح الذي خاضه العرش والشعب يدا في يد، وقلبا على قلب، وقاما به في انسجام وانتظام، وتنسيق والتئام، وأن مدته مهما كانت طويلة مريرة، وقاسية شديدة، فإنها تعتبر جهادا أصغر بالمقارنة مع ما ينتظر الشعب المغربي المسلم، المومن الوفي، بقيادة عاهله المفدى وعرشه المجيد من جهاد كبير، ونضال مستميت في بناء المغرب الحديث، وتثبيت دعائم نهضته المعاصرة، وبإقامة مؤسساته الدستورية، وتحريك وتنشيط توجهاته الاقتصادية، وتقوية معالم حياته الاجتماعية، في ظل القيادة المومنة الواعية للعرش العلوي المجيد، وفي إطار الحفاظ على المقدسات الدينية والمقومات الوطنية للأمة المغربية، وصيانة شخصيتها وهويتها الأصيلة، والحفاظ لها على وحدة البلاد وأخوة أبنائها في صفوف متراصة، وعدالة راسخة حتى يظل المغرب عبر الحقب المتتالية، والأجيال المتعاقبة ذلك البلد المسلم المومن، المتشبث بدينه وأصالته، ويظل المغرب ذلك الوطن الناهض في اقتصاده وكافة جوانب حياته، محفوظا في حريته واستقلاله، مصونا في وحدة بلده وترابه، جامعا لشمل كلمته وفكرته، وسائر بعون الله في توفيقه بخطى ثابتة، وكحثيثة نجو مدارج الرقي والكمال، والتقدم والازدهار، والنهوض والاطمئنان في ظل تمسكه واعتزازه بدين الإسلام، والتفافه حول عرشه العلوي المجيد، محققا بذلك قوله تعالى في كتابه العزيز: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا).
 فجزى الله جلالة المغفور له محمد الخامس عن جهاده وكفاحه أحسن الجزاء، وأثابه أعظم الثواب، وأنعم عليه مع النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وبارك الله في حياة خلفه ووارث سره، مبدع المسيرة الخضراء ومحرر الصحراء أمير المؤمنين جلالة الحسن الثاني، وحفظه بما حفظ به السبع المثاني والقرآن العظيم، وأقر الله عين جلالته بسمو ولي عهده الأمير الجليل سيدي محمد، وصنوه المجيد سمو الأمير مولاي رشيد وسائر الأسرة الملكية الشريفة.
  ورحم الله الشهداء الأبرار الذين استرخصوا نفوسهم وأموالهم في سبيل نصرة الدين وعزة الوطن، وحفظ هذا المغرب العزيز في ملكه واستقلاله، وحدته وطمأنينته واستقراره، وحقق له كل ما يصبو غليه من تقدم ورخاء، وحقق النصر للإسلام والمسلمين في كل مكان، إنه سبحانه سميع مجيب، وولي المؤمنين في كل زمان وحين.
(ولينصرن الله من ينصره، إن الله لقوي عزيز).

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here