islamaumaroc

الحسن الثاني ومغرب الألفين

  الحسين وجاج

298 العدد

  كتب جلالة الملك الحسن الثاني يقول: «إنني فخور بعيد ميلادي لأنه في الإمكان أن أزداد في حقبة أخرى من الزمن. سعيد لأنه كان في الإمكان ألا أعيش هذه الظروف او هذه الحقب من الملامح. سعيد لأنه لو تقدمت أو تأخرت ما شاهدت ما شاهدت،  ولما شاركت فيما شاركت فيه،  ولما أعطيت من نفسي وجهدي وشبابي وقوتي ما أعطيت وما بذلت».
نعم،  إن جلالة الملك الحسن الثاني ولد في آخر العقد الثالث من القرن العشرين،  القرن الفريد الذي لم يشهد قرنا قبله في تاريخ العالم ما شهده هذا القرن،  لا على مستوى التقدم العلمي فقط،  ولكن أيضا علو مستوى التغيرات والتقلبات والتطورات التي قلبت الموازين،  وجعلت البشرية كأنها تعيش على رقعة مدينة واحدة يتأثر بعضها ببعض،  ويصارع بعضها بعضا،  أو يواسي بعضها بعضا. كل ذالك في زحام ترسم فيه المناكب القوية خطوط سيرها،  وتحدث فيه الأقدام الثابتة آثارها.
كان مولد الحسن الثاني في هذا الظرف بالذات،  وكانت سعادته عظيمة باختيار الله له هذه الفترة ليكون هدية من الله إلى والده جلالة الملك محمد الخامس طيب الله ثراه،  وليكون كذلك منحة ربانية إلى هذا البلد الطيب، الذي هو في أمس الحاجة على من يعيد له مجده وصالته وعراقته وبالتالي من يقوده إلى مغرب الألفين، مغرب التقدم والازدهار مغرب الديمقراطية والاستقرار،  مغرب الدولة القوية الثابتة القدم.
لقد كان ميلاد الحسن الثاني في الوقت المناسب وفي اللحظة الحاسمة،  حيث أن والده الملك الشاب محمد الخامس قد أحاطت به المخطر غداة ولادة ولي عهده،  وأصبح يواجه بمفره مكايد الحماية التي
تحولت إلى استعمار حقيقي حاول أن يحول بين ملك البلاد وشعبه،  ليبلغ عن هذا الجانب الآخر من الأكاذيب والأضاليل ما يضمن له البقاء والاستمرار.فجاء ميلاد الحسن الثاني ليفتح ثغرة واسعة في السد الذي أقامته الحماية بين محمد الخامس نبا ازدياد مولده المرتقب،  وهو ذكر، حتى استبشر خيرا، واعتبره فألا حسنا، تيمنا بالجد الحسن، ورأى بصدق فراسته أنه منذ الآن لن يواجه مشاكل البلاد بمفرده، وأنه رزق السند الأعظم، والعضد الأيمن، وكذالك كان الأمر.
ومرت السنون، وشب الأمير، واشرب حب أبيه وحب وطنه، وحباه الله بمميزات قلما تجتمع لشخص،  فما يواجه محمد الخامس مشكلة إلا ويجد لدى الأمير الشاب ما يهون عليه أمرها، ويكفيه مؤونة السهر حلها، فتظافر صبر محمد الخامس واندفاع الحسن الثاني حتى تحقق الاستقلال في أسرع وقت وبأقل ما يمكن من التضحيات.
وجاءت مرحلة الاستقلال، أو على الأصل مرحلة انتهاء عهد الحماية،  فكانت متطلبات ومسؤولية هذه المرحلة أضعاف أضعاف المرحلة قبلها، خصوصا وأن العالم في هذه المرحلة مقسم بين الشرق والغرب،  والدول النامية المستقلة حديثا أو التي هي في طور الاستقلال قد انساقت وراء بريق ما يسمى بالثروة الاشتراكية الأحادية الرؤية.
وكان العالم العربي-بصفة خاصة-متأثرا بثورة مصر وزعمائها إلى درجة أن كل بيت مغربي تقريبا مزين بصورة زعمائها وقادتها،  واعتبر الناس آنذاك مصر مثلهم الأعلى، وكان من الصعب على أي قطر عربي مستقل حديثا أن يختار بحرية طريقته في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وأذكر أن جلالة الملك محمد الخامس دخل على أستاذ في القسم الدراسي، ووجهه يكتب الأعداد بالأرقام الهندية، وكان الناس جميعا يحاولون استعمال هذه الأرقام كدليل على تقدمهم وتطورهم.فأفهمه جلالته –رحمه الله – أن للمغرب شخصية متميزة يجب على المغاربة المحافظة عليها.
فرغم أن المغرب بلد عربي إسلامي فإن له تاريخ وحضارة ومقومات اكتسبها عبر القرون الطويلة التي حافظ فيها على استقلاله. وهذه ميزة مهمة للمغرب لا على المستوى العربي والإسلامي ولكن أيضا على المستوى العالمي.
فجل الدول التي استقلت في منتصف هذا القرن لم تكن سوى نتيجة الاستعمار لأنها لم تكن قبل الاستعمار شيئا مذكورا، ويخطئ الكثيرون الذين يقيسون المغرب على هذه الدول، ومن ثم يخطئون كذالك حتى في تصور نوع الحكم الذي يمكن للمغرب أن يختار لنفسه، متناسين أن المغرب لم يخلق بانتهاء الحماية في حياته الطويلة.
فإذا كانت الحماية قد أظهرت بعض نقاط ضعفه فإنه لا يجوز أن تقوض مكامن قوته وأسس حضارته، كدولة عاشت مئات القرون، فنظام الحكم تقرر منذ 12 قرنا خلت منذ أسس المولى إدريس دولته في أواخر القرن الثاني الهجري.
كل هذه الحقائق وعشرات غيرها كانت غائبة حتى عن كثير من ساسة أبناء هذا الوطن، بله الرأي العام، لكنها لم تغب عن ذهن محمد الخامس، وأمين سره جلالة الملك الحسن الثاني، فواجها الأمر بصبر وثبات وقوة وشجاعة وإيمان، وكرسا كل قوتيهما للمحافظة على تماسك الشعب المغربي، وإعادة هيكلة أطره، وتحديث مرافق حياته بما يلائم العصر ومتطلباته، مع المحافظة التامة على أصالته ومقدساته. لكن المنية خطفت محمد الخامس وهو ما يزال في أوج عطائه، فتضاعف الحمل على ولي عهده ووريث سره جلالة الملك الحسن الثاني، لكنه مع ذلك لم يضعف ولم يهن ولم يستكن، بل أعلنها دعوة قوية في شجاعة وإيمان، دعوة إلى مغرب ملكي دستوري ديمقراطي، مغرب إغناء الفقير دون إفقار الغني، مغرب السدود والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، مغرب الاكتفاء الذاتي في الميدان الغذائي، مغرب المليون هكتار من الأراضي المسقية، بكلمة واحدة مغرب الألفية.
هكذا بدأ جلالة الملك الحسن الثاني عهده الزاهر: هدف واحد محدد، وتصميم واقعي مسدد، تمر السنون والأعوام فلا تبرز إلا صوابيته وصدق رؤيته.
واليوم، ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرين، إذ لم تفصلنا عن عام ألفين سوى أقل من سبع سنوات بدأ المتشككون منذ ثلاثين سنة يرون معالم مغرب الألفين تتحدد كما خطط لها جلالة الملك الحسن الثاني بفراسة المومن التي لا تخطيء.
فما هي معالم مغرب الألفين، وما في الخطوات التي صنع بها جلالة الملك الحسن الثاني هذا المغرب الجديد؟
إن علينا للجواب على هذين السؤالين، وخاصة الأخير منهما أن نستعرض تاريخ جهاد الحسن الثاني خلال العقود الثلاثة الماضية على الأخص، أي منذ أن قلده الله مقاليد هذه الأمة، إذا لم تكن في حاجة للرجوع إلى ما قبل هذا التاريخ.
وحيث إن مثل هذا لا يتأتى حتى في مؤلف، بله مقال، فإني أقتصر هنا على الإشارة إلى ثلاثة محاور:
• المسؤولية الجماعية والمؤسسات الديمقراطية.
• الوحدة الترابية واللامركزية الجهوية.
• تطوير الفلاحة وتقوية الصناعة وتقويم الاقتصاد.
فمنذ أوائل الستينات وجلالته يواصل الليل والنهار ليزود المغاربة بمؤسسات ديمقراطية تضمن له الحياة الكريمة، والمشاركة الفعالة في تصريف شؤون حياته بنفسه.
لقد كان جلالة الملك الحسن الثاني من ضمن المتظاهرين المطالبين بالاستقلال يوم 29 يناير1944، وكان كما يقول في مذكراته، يصيح بأعلى صوته: سنحصل على الاستقلال، ويشرح لزملائه معنى الاستقلال قائلا: الاستقلال ما معناه؟ معناه: أننا سندير شؤوننا بأنفسنا، وأننا سنكون مسؤولين عن كل شيء. هاجس الصغر هذا هو الذي دفع جلالة الملك منذ أن جلس على عرش المملكة يخطط لهذه المسؤولية: المسؤولية الجماعية لكل مواطن، من الناخب البسيط إلى رئيس الدولة.
وقد جرب لتحقيق هذا الهدف عدة تجارب انتهت بالوصول بالمغرب إلى أعلى ما تتمتع به البلدان المتأصلة الجذور في التقاليد الديمقراطية فها هي السنة الحالية 93 تشهد تطورا هاما للديمقراطية بالمغرب إن على المستوى القاعدة الأساسية لها: وهي الدستور: أو على مستوى الوسائل والضمانات التي تتيح للأفراد والجماعات المشاركة في الحياة السياسية الوطنية، سواء على المستوى التمثيل في المجالس النيابية، أو على مستوى التأطير في الهيآت النقابية والأحزاب السياسية.
أما ما يتعلق بالوحدة الترابية فإن الجميع اليوم، الأعداء قبل الأصدقاء، فضلا عن المواطن، يدركون مدى حكمة سياسة جلالة الملك الحسن الثاني لتحقيق الوحدة الترابية للملكة. فالمسيرة الخضراء وحدها ما أدت إليه من استعادة الصحراء، ثم ما تلا ذلك من مقاومة الخصوم على المستوى العالمي لما يقارب من عقدين من الزمن، مع تجنب منطقة المغرب العربي حربا توفرت لها دائما الدواعي والمبررات، يعتبر كل ذلك من عبقرية جلالة الملك وعمله بمفرده، وذلك بوحي من ضميره الذي ضل صافيا على الدوام، لا تكدر رؤيته الأحداث الطارئة ولا المواقف المهيجة.
وها هو جلالته يشرع في برنامج طموح، يستهدف إقرار اللامركزية تكون الأقاليم الصحراوية المسترجعة المنطقة الأولى التي تستفيد من هذا البرنامج، ليعم سائر أقاليم المملكة فيما بعد، ولا شك أنه مع حلول عام ألفين سيكون المغرب قد خطا في هذا الميدان خطوات رائدة.
أما تكور الفلاحة، وتقوية الصناعة، وتحرير الاقتصاد، فقد دخل مراحله النهائية، بحيث تحقق سقي المليون هكتار بفضل عشرات السدود المقامة في مختلف جهات المغرب، الأمر الذي جنب البلاد مآسي الجفاف التي عرفتها كثير من بلاد إفريقيا في العقد الماضي.
فرغم الجفاف المستمر على بلادنا لسنوات معدودة، ورغم تكاليف المحافظة على الوحدة الترابية للمملكة، ظلت الأسواق في المدن والبوادي زاخرة بكل أنواع الخضر والفواكه والحبوب والمواد الغذائية، بالإضافة إلى توفر الماء الشروب في كل جهات المغرب. كل ذلك بفضل سياسة السدود الناجحة، والاهتمام بالصناعة الاستهلاكية الذي أدى بفضل الله إلى تحرير الاقتصاد المغربي، وقوفه أمام الاقتصاد الدولي الحر وقوف الند للند، بل إن العملة المغربية أصبحت منذ 93 عملة دولية قابلة للتحويل، مما يعطي انطباعا بأن «مغرب الألفين» سيكون مغربا قويا، جذوره في إفريقيا، وغصونه وفروعه في أوربا، كما قال جلالته الملك في أكثر من مناسبة.
إننا في هذا العقد الأخير من القرن العشرين شاهدنا عاهلنا الكريم يضع اللمسات الأخيرة على «مغرب الألفين» كما تخيله منذ عقود، في حين أن انهيارا تاما، بل انقراضا ما حقا قد لحق ما كان يبدو قبل ثلاثين سنة أحسن نظام للحكم بالنسبة للدول النامية، نظام الحزب الواحد الذي يوحد الرؤيا عند التفكير، والفاعلية عند الإنجاز والتسيير، كما كان يقال حينئذ.
والآن، وقد بلغ المغاربة مستوى يؤهلهم لممارسة الديمقراطية بكامل المسؤولية لا يسعهم إلا أن يحمدوا لله على ما حباهم به من قيادة حكيمة ومتبصرة سخرت كل ما وهبه الله لها من طاقات لصالح هذا البلد وأبناء هذا البلد.
فقد قال جلالته:
«إذا كان شعبي قد أهدى إلي روحه ومحبته وقلبه، فأنا من جهتي كتبت له روحي وعمري ودمي، لا يمكنني أن أعطيه أغلى من صحتي وراحتي وسهري على مصالحه، وخوفي عليه وإيماني به، كل الإحساسات التي تكون تتأجج بها أفئدة الوالدين، والذين يفرحون ويعتزون بأن وصل أبنائهم إلى طور الرجولة وطور المسؤولية».
هكذا بجهاد مرير، وكفاح عسير، أعاد جلالة الملك الحسن الثاني لشعبه ما كان له عبر التاريخ من مجد تليد أضاف إليه آخر طريفا، ليبقى على هذا الشعب أن يحافظ على هذه المكانة التي ليست وليدة اليوم، ولكنها كانت طابع المغرب على امتداد تاريخه، فهو البلد الإسلامي العربي الوحيد الذي ظل محافظا على استقلاله وشخصيته منذ قرون، وهو البلد العربي المسلم الوحيد الذي كانت أعناق الشعوب تمتد إليه تنشد وده، وتقتفي أثره عبر الأزمان، فعندما اشتد البلاء على صلاح الدين الأيوبي استنجد بملوك المغرب الذين اعتبروا دائما المسلمين أينما كانوا من رعاياهم، يفكون أسراهم، ويدافعون عن ثغورهم، في نفس الوقت الذي كانوا ينشرون الإسلام في مختلف أقطار الأرض، لا بالجيوش الفاتحة فقط، كما فعلوا في الأندلس وأوربا، ولكن أيضا برجال مومنين صادقين.
وما قصة إسلام «جزر المالديف» التي قصتها جلالة الملك عند تقديمه لدرس رئيس هذا البلد المسلم أمام جلالته خلال الدروس الحسنية الرمضانية إلا مثال واحد من الأمثلة الكثيرة التي نشر بها المغاربة المسلمون الإسلام في مناطق نائية من العالم. وقبل قرنين، حيث لا وجود لعشرات من الدول التي تحاول أن تستأسد اليوم، وتفرض على المغرب آرائها، جاء النداء من أكبر وأقوى دولة اليوم، وهي الولايات المتحدة الأمريكية تطلب اعتراف المغرب باستقلالها، فكان ذلك شاهد إثبات على حضور المغرب القوي عبر التاريخ. واسترجاع المغرب لاستقلاله، ثم استرجاع لمكانته التاريخية في«عالم الألفين» يفرض على المغاربة كافة مضاعفة الجهود، ومواصلة الجهاد في سبيل بناء عالم يسوده السلام والأمن والاطمئنان، والتفاهم بين أبناء البشر في كل مكان، فالمحافظة على المكاسب، والإبقاء عليها ربما يكون أشد صعوبة من الحصول عليها أول مرة.
ولهذا عندما سئل جلالة الملك من طرف الصحافية الفرنسية المنشطة لبرنامج التلفزة «سبعة على سبعة» عن المقارنة بين ظروفه هو والظروف التي يرتقبها لولي عهده أجاب جلالته بالحرف:
«لا أتمنى أن يكون ذلك سهلا بالنسبة له، لأنه إذا كان الأمر كذلك فمعناه أنه ليس هناك حاجة إليه، ولذلك أتمنى أن يكون هذا الأمر صعبا، لأن ذلك يبرهن على أن هناك دائما حاجة إلى الملكية ليكون هو أول خادم لهذا البلد».
فلو وصل بلد ما أو شخص ما إلى هدفه لزال وانتهى، وإنما الحياة معارك دائمة مادامت الحياة.
حفظ الله هذا البلد، وحفظ عرشه، والجالس عليه جلالة الملك الحسن الثاني، قرير العين بسمو ولي عهده الجليل سيدي محمد، وصنوه السعيد مولاي رشيد، وأدام عليه أردية السعادة والهناء، آمين.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here