islamaumaroc

شباب الصحابة عماد الدولة الإسلامية وقوامها.

  يوسف الكتاني

298 العدد

إن الدارس لحياة الدولة الإسلامية، والباحث في كيانه ومقوماتها، يلاحظ جليا أنها قامت ونشأت على أكتاف وجهود شباب الصحابة، ذكورا وإناثا، منذ بدء تنزل الوحي وظهور الإسلام، والاجتماع بدار الأرقم بن الأرقم، فمراحل الدعوة سرا إلى أن أذن الله بالجهر بها وإعلانها، وفي كل المراحل نجد الشباب هم أول المؤمنين، والسباقين نحو الالتفاف حول النبي ومناصرته، والذود عن الدين الجديد، وهم أكبر المناهضين لأعداء الإسلام والمنافحين عنه، والباذلين أنفسهم وأموالهم في سبيل نصرته ونهضته، وهم المبادرين لتنفيذ تعاليمه وتوجيهات الرسول الكريم، وهو أول المهاجرين من دار الكفر إلى دار الإيمان، فرارا بدينهم من الفتنة إلى مستقرهم حيث الأمان والاطمئنان، وهم السباقون إلى حلق العلم، والتلقي عن الرسول الأمين، وهو المبادرون إلى الغزو في سبيل الله، وقتال الكافرين والظالمين، إلى أتم الله نوره، وفتح الفتح الأكبر، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
 لقد اعتنى رسول الله بالشباب عناية خاصة، ورعاه حق الرعاية، باعتباره عصب الدولة الفتية وعمادها وقوامها، بل إننا نجد أطفالا في عمر الزهور يبادرون إلى جانب آبائهم أو قبلهم أو دونهم إلى الإيمان به، وتصديق ما جاء به، أمثال: غلي بن أبي طالب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأسامة بن زيد وغيرهم، فقد كانوا صفوة من شباب مكة الذين سارعوا إلى الدخول في الدين الجيدي، والالتفاف حول رسول الله، والذود عن رسالته، ودعوته، حتى كان الصبيان يتسابقون إلى مبايعته والاكتتاب في الغزو، وسنهم لا يتجاوز السبع. فقد أخرج الطبراني عن عبد الله بن الزبير،وعبد الله بن جعفر، أنهم بايعا
رسول الله (ص) وهم أبناء سبع سنين، فلما رآهم الرسول تبسم وبسط يده فبايعهما. (1)
 وكما وقع في معركة بدر فيما روه ابن عساكر، عن سعد بن أبي وقاص قال، »رد رسول الله (ص) عمير بن أبي وقاص عن مخرجه إلى بدر واستصغره، فبكى عمير فأجازه، قال سعد: فعقدت عليه حمالة سيفه، ولقد شهدت بدرا وما في وجهي إلا شعرة واحدة أمسحها بيدي.(2)
بل إننا نجد عناصر من شباب الصحابة يتقدمون على شيوخهم وآبائهم في المبادرة إلى المشاركة في الدفاع عن الإسلام، وقيادة الجيوش، وبناء الدولة الجديدة، وكان الرسول الأكرم يحبذ ذلك ويؤيدهم، فيختار من الشباب عناصر الدعوة، ولرئاسة الجيوش الإسلامية، ولبعوثه.
ونجتزئ هنا بمثال واحد يتعلق بأسامة بن زيد بعدما أصيب والده في موقعة مؤتة، فقد بادر الرسول إلى تأمير أسامة قائدا لجيش المسلمين إلى الروم وعمره لا يتجاوز السابعة عشر، وأمره أن يتوجه إلى الشام، ويوطئ الخيل إلى تخوم البلقاء وأرض فلسطين، ولما لاحظ تباطؤ بعض الصحابة في الاستجابة إلى بعث أسامة، بين لهم المكانة وصلابته وفضله قائلا: »أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، وإنه لخليق للإمارة وإن كان أبوه لخليق لها«.(3)
وكان الرسول كثيرا ما يخص الشباب بالدعوة والتوجيه قبل سواهم باعتباره مناط الأمة وأمن مستقبلها، كقوله عليه السلام فيما أخرجه البخاري في صحيحه: » يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء«.(4) 
كما كان يثني على الشباب الملتزم بدينه، المتبع لرسوله، المستقبل في سلوكه، كما أخرج ذلك الإمام البخاري في صحيحه في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله »وشاب نشأ في عبادة الله«.
ويكفي أن نعرف أن من بين الصفوة من العشرة المبشرين بالجنة، أربعة منهم شباب، لم يحسبوا من الصفوة المختارة لنسبهم، أو حسبهم، أو مركزهم الاجتماعي، وإنما بسبب بلائهم في سبيل الإسلام، وقدمهم الراسخة في ميدان الدعوة إليه، ولصبرهم ومصابرتهم وشجاعتهم، كل ذلك أحلهم المكانة الكبرى إلى جانب جلة الصحابة وشيوخهم، وهؤلاء الشباب المختارون هم:
• »علي بن أبي طالب « كرم الله وجهه الذي كان أول صبي دخل الإسلام وسنه لم يتجاوز عشر سنين، حتى أن الرسول سأله حينما التحق به. وأسلم، هل أخبر والديه، فأجابه على البديهة: إن الله عندما خلقني لم يستأذن والدي فكيف أستأذنهما إذا أردت أن أعبده؟
ويكفي أن نذكر لعلي موقفا واحدا من مواقفه البطولية ليكون دليلا لشبابنا اليوم، على ما قام به شباب الصحابة من تضحية وفداء في سبيل نصرة الإسلام، وهو موقفه يوم الخندق، فقد روى ابن جرير من طريق ابن إسحاق قال:
لما كان يوم الخندق خرج عمرو بن عبدود معلما ليرى مشهد، فلما وقف هو وخليله قال له علي: ياعمرو، إنك قد كنت تعاهد الله لقريش ألا يدعوك رجل إلى خلتين إلا اخترت إحداهما قال: أجل. قال: فإني ادعوك إلى المبارزة، قال: لم يا ابن أخي؟ فوالله ما أحب أن أقتلك، قال علي، لكني والله أحب أن أقتلك، فحمي عمرو عند ذلك، وأقبل إلى علي، فتنازلا فتجاولا، فقتله علي رض الله عنه. (6)
• ومن بين شباب الصحابة المبشرين بالجنة »الزبير بن العوام« الذي كان أحد السبعة الأوائل الذين دخلوا إلى الإسلام وسنه لا تتجاوز خمس عشرة سنة، ولشجاعته وبلائه ومهارته في فنون الحرب كان سيفه أول سيف شهر في الإسلام، كما كان مثل علي لم يسجد لصنم قط، ولم يأت فعلا مشينا من أفعال الجاهلية.
وقد روى أبو نعيم في »الحلية« أن عمه كان يعلقه في حصير، ويدخن عليه بالنار وهو يقول: ارجع إلى الكفر. فيقول الزبير: لا أكفر أبدا.(7)
• ومن بين شباب الصحابة المبشرين بالجنة »سعيد بن زيد « زوج أم جميل أخت عمر بن الخطاب، وقد كانا من السباقين إلى الإسلام، كما كانا السبب في دخول عمر إلى دين الله، وقد شهد الغزوات كلها مع رسول الله (ص) إلا بدرا، ومع ذلك ضرب له الرسول فيها بسهمه كمن شهدها.
• ونجد رابع شباب الصحابة المبشرين بالجنة، »طلحة بن عبيد الله« الذي ولد ومات في السنة التي ولد ومات فيها الزبير بن العوام، رفيقه وصاحبه من المبشرين بالجنة، ونجتزئ هنا بموقفه العظيم يوم أحد إلى حد أن أبا بكر الصديق كان يقول عنه عندما يذكر يوم أحد: ذلك يوم طلحة، وقد استبسل فيها استبسال الأبطال العظام إلى درجة أنه لما انهالت السيوف على رسول الله (ص) وقف في وجه الكفار، وضم النبي إلى صدره، وقاومهم بسيفه حتى ردهم عنه، وقد أصيب في هذه الرقعة ببضع وسبعين طعنه، وبالرغم من ذلك ثبت شجاعا صامدا شامخا. (8)
 كما نجد في طليعة شباب الصحابة »مصعب بن عمير« الذي يعتبر من بين دعاة المسلمين الأولين، الذين أبلوا البلاء الحسن في سبيل نشر الدين ونصرته، والذي حباه الله بكل المزايا الداعية من إيمان وإخلاص، وحكمة وثبات، وقد كان أول داعية يوجهه رسول الله (ص) إلى المدينة المنورة مع من بايعوا بيعة العقبة الأولى، لإقرائهم القرآن، وتعليمهم الإسلام، وتفقيههم في الدين، حتى أسلم على يديه سادة الأوس والخزرج: كسعد بن معاذ، وأشيد بن خضير، وقد ضحى بشبابه وغناه وثرائه في سبيل الإسلام، وبذل ذلك كله من أجله، حتى أنه لما استشهد لم يكن له ثوب ضاف يستر جسده كله، فاضطروا عند دفنه إلى تغطية قدميه بالحشيش(9)
• كذلك نجد من بين شباب الصحابة وفي مقدمتهم »عمار بن ياسر« الذي كان يعمل على رجلين في بناء المسجد النبوي، والذي كان من بين من أوذي في سبيل دين الله حتى قتل أبوه ياسر وأمه سمية أمام عينه وهما يعذبان، وقد بقي بلاء آل ياسر وصبهم وتضحيتهم في سبيل الله مضرب الأمثال في تاريخ الدعوات، وخاصة في سبيل الدعوة الإسلامية.
•  ونجد أمثلة غير هؤلاء نحبذ ذكر أسمائهم هنا للإقتداء والتأسي أمثال: معاذ بن عمروا بن الجموح، ومعاذ بن عفران، اللذين أجهزا على أبي جهل يوم بدر، وحرام بن ملحان، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ورافع بن خديج، وسمرة بن جندب، وسعد بن خيثمة.
كما أحب هنا أن أذكر من بين شباب الصحابة شابات جاهدن وضحين، وصبرن وصابرن في سبيل قيام الدولة الإسلامية ونصرتها، إلى جانب إخوانهن 
الشباب، نذكر من بينهن  من المبادرات إلى مبايعة الرسول وخدمته، والمساهمات في الهجرتين، والعازيات في سبيل الله، والداعيات إلى الله، والحافظات، والفقيهات، والمفتيات، نجد في مقدمتهن: سمية زوجة ياسر أول شهيدة في الإسلام، وأسماء بنت أبي بكر، وعائشة أم المؤمنين، وفاطمة بنت الخطاب، وفاطمة بنت رسول الله سيدة نساء العالمين، وأمامة بنت زينب بنت رسول الله، وصفية وأروى، وعاتكة، وأم حكيم، وبرة، عمات رسول الله (ص)، ونساء الأنصار المسلمات المبايعات، وغيرهن كثير ممن كن قدوات صالحات للنساء المسلمات على مر تاريخنا الكريم. (10)
 وبعد، فمرحبا بعيد الشباب الذي يذكرنا بتاريخنا وأمجادنا، ويقوي عزامنا، ويحيي نفوسنا، لتنهض إلى مواصلة السير نحو العلا، والعمل من أجل اللحاق بركب الحضارة والتقدم والنمو، من أجل غد أفضل، ومستقبل آمن مستقر، تتحقق فيه آمال شعوبنا وأمتنا، بقيادة رائد الشباب جلالة الحسن الثاني الذي أبى إلا أن يجعل من يوم ميلاده عيدا للشباب، تتسابق فيه الأمة جمعاء، وتتظافر جهودها، وتتوحد خططها ومناهجها في البناء، وإنجاز المشاريع، وإقامة المنجزات، ورفع صروح التنمية الشاملة التي هي مطمحنا جميعا، وبالله التوفيق.

________________
 
1) حياة الصحابة/ محمد يوسف الكاند هلوي 1 / 237.
2) الإصابة للحافظ ابن حجر 3 / 135.
    كنز العمال 5 /270.
3) صحيح البخاري –كتاب المغازي- سيرة ابن هشام – وفاة الرسول
4) أخرجه البخاري في صحيحه – فتح الباري – كتاب النكاح 8 / 106.
5) أخرجه البخاري في صحيحه فتح الباري 2 / 143.
6) طبقات ابن سعد في تراجم علي وسعد – الرسالة المحمدية: سليمان الندوي ص: 153.
7) الحلية: لأبي نعيم 1 / 89 –حياة الصحابة: 1 / 268.
8) العشرة المبشرون بالجنة: سيد الجميلي ص: 119.
9) سيرة ابن هشام –بيعة العقبة- حياة الصحابة: 1 / 253 – الرسالة المحمدية ص 156.
10) أنظر طبقات ابن سعد، فقد أفرد المجلد الثامن لأعلام النساء والصحابيات المجاهدات

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here