islamaumaroc

قيم تربوية من خلال [كتاب] "ذاكرة ملك".

  عبد القادر العافية

298 العدد

أدرك المولى إسماعيل بن الشريف، بفطرته النقية، وبموهبته كرجل دولة من الطراز الأول، أن بناء الدولة قوية يسودها الأمن، وتنعم بالرخاء، وترفرف عليها راية الاستقرار، ويأمن المواطنون فيها على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، يتطلب وضع خطة أمنية شاملة يتحقق معها للدولة هيبتها، وللسلطة حرمتها، وللقرار مصداقيته وفاعليته.
فكان في مقدمة اهتمامه، استبدال النهج التقليدي في تأليف الجيش الذي هو الركيزة الأساسية لحماية الوطن، والعدة لدرء العدوان عنه، إذ كان التقليد المتبع في تكوين الجيش، قائما على التطوع في الأمر الغالب، ومعتمدا على الولاء القبلي وتعويضه بنهج جديد تكون الجندية فيه مهنة وحرفة يتفرع للقيام بها أفراد من الأمة، ويكون ولاؤه للدولة، وللقيم الثابتة الباقية.
 وقد ظل هذا الهاجس يراود حلم المولى إسماعيل، حتى عثر على ضالته المنشودة، ودليله الهادي، مع أحد خدام الدولة الإسماعيلية وهو، أبو حفص عمر بن قاسم المراكشي المعروف بـ عليليش.
 وبيت سلفه بيت أصالة وعراقة في خدمة الدولة، إذ كان والده، قاسم كاتبا لامعا في ديوان أحمد المنصور الذهبي.
 كان بيد أبي حفص عمر عليليش، دفتر بقوائم العبيد المجندين في ديوان المنصور السعدي، فأطلع المولى إسماعيل عليه. فسر بذلك سرورا كبيرا، وسأله إن كان يقي من هؤلاء العبيد بقية، فأجاب: أن نعم، وعددهم كثير بمراكش وأحوازها.
المولى إسماعيل يكلف عليليش بجمع عبيد المخزن
أبدى أبو حفص عمر عليليش استعداده لإنجاز مهمة البحث والتقصي، لجمع عبيد المخزن الذين فرقوا بعد انتثار سلك الدولة السعدية، وآنس منه المولى إسماعيل القدرة على ذلك، فولاه إياه، فتجرد للأمر، وتتبع أثرهم بمراكش، وما حولها من القبائل، واستطاع في وقت قصير أن يضع يده على ثلاثة آلاف منهم، ضمن أسماءهم جميعا دفترا خاصا، بعث به إلى السلطان بمكناس، فراقبه ذلك، واهتبل به وأصدر أمره بنقلهم إلى حاضرته، ليكون منهم النواة الأولى للجيش الإسماعيلي النظامي العتيد.
 واختمرت الفكرة في ذهن المولى إسماعيل، واتضح له المشروع في بعده الكامل، فقرر ألا يقف عند حدود تضمنه كناش عليليش من قوائم، وأبي إلا أن يمدد أثر ذلك ليشمل كل ذي لون أسود بالمغرب، كان من عبيد المخزن أو من مماليك الأشخاص.
الكاتب ابن العياشي
يجمع عبيد المغرب
وهكذا عين السلطان المولى إسماعيل، كاتبه أبا عبد الله محمد بن العياشي المكناسي بمهمة جمع عبيد الغرب، وبني حسن، فجمع منهم نحو الألفين، ما بين متزوجين وعزاب، كتب أسماءهم في دفتر خاص، وأطلع عليه السلطان، فكتب إلى واليه على بلاد الهبط، القائد أبي الحسن علي بن عبد الله الريفي، يأمره أن يشتري للعزاب منهم إماء، يزوجهم بهن ويكسوهم، ويسلهم من مخازن تطوان، ويعين عليهم وقودا يؤطرونهم ويوجههم إليه ليشحن الثكنات التي كان قد أعدها لذلك.
ثم وجه السلطان رسالة إلى عماله بالأمصار المغربية كافة يأمرهم فيها بشراء العبيد والإماء، وانطلق أعوانهم في المدائن والقرى حاشرين لكل من عثروا عليه من العبيد، فاجتمع له من ذلك نحو ثلاثة آلاف عبد.
ثم علم أن عدد من عبيد المخزن يوجد بدكالة وتامسنا، فأصدر أمره بجمعهم وتوجيههم إلى مكناس، فكان مجموعهم أربعة آلاف عبد، ألفان من تامسنا، وألفان من دكالة، فوزعهم على الثكنات.
وعندما غزا المولى إسماعيل الصحراء علم 1089 بغاية إخضاع قبائلها لولاء الدولة وسلطتها، جلب معه من وجهته هذه نحو ألفين من الحراطين بأولادهم، فكساهم بمراكش وسلحهم، وعين عليهم قوادا وضباطا يؤطرونهم، ووجه الجميع إلى القلاع والثكنات لتعزيز الأمن، وتلقي التداريب العسكرية المنظمة، وبذلك بلغ ما جمع من عسكر البخاري أربعة عشر ألفا، ثم تكاثر هؤلاء العبيد وتناسلوا، فما مات المولى إسماعيل حتى كان عددهم يربو على مائة وخمسين ألفا.
لماذا سمي هذا الجيش؟
هذه التسمية توضح الغاية التي هدف إليها المولى إسماعيل من خطته الأمنية، والمقاصد التي توخاها من وراء استراتيجية الجديدة، وهي تحرير جيش الدولة من الهيمنة القبلية التي طالما وقفت عائقا في طريق الإصلاحات الكبرى التي تخطط الدولة لإنجازها على مستوى الأمة والوطن ككل.
فاختار لجيشه أسماء ينمي لديه روح الارتباط بالقيم الإسلامية الثابتة، ويقطع كل صلة بينه وبين الولاءات الضيقة والانتماءات المفرقة. وذلك دلالة واضحة على بعد نظر القيادة وعمق تفكيرها.
فعندما ظفر السلطان بمراده، واستغنى بجيش الدولة عن العصبية القبلية جمع أعيانهم ورؤساهم وضباطهم، وأحضر نسخة من صحيح الإمام البخاري وقال لهم، بعدما حمد الله وأثنى عليه: « أنا وأنتم عبيد لسنة رسول الله (ص)، وشرعه المجموع في هذا الكتاب، فكل ما أمر به نفعله، وكل ما نهى عنه نتركه، وعليه نقاتل».
 فعاهدوه على ذلك، وأمر بالاحتفاظ بتلك النسخة، وأمرهم أن يحملوها بتلك النسخة، وأمرهم أن يحملوها حال ركوبهم، ويقدموها أمام حروبهم كتابوت بني إسرائيل.
 قال الناصري: ومازال الأمر على ذلك إلى هذا العهد – أي العهد الذي عاش فيه المؤلف، وهو عصر الحسن الأول. ومن باب الشيء بالشيء يذكر، فإذا هذا الصنيع الذي صنع المولى إسماعيل مع صحيح البخاري، سبق أن صنع ما يشبهه ملوك الموحدين مع المصحف العثماني.
 قال صاحب المعجب: والمصحف العثماني وقع إلى الموحدين من نسخ عثمان – رضي الله – من خزائن بني أمية يحملونه بين أيديهم أنى توجهوا، على ناق حمراء، عليها من الحلي النفيس وثياب الديباج الأخضر يجعلونه عليها، وعن يمينه ويساره عصوان، عليها لوان أخضران، وموضع الأسنة منهما ذهب شبه تفاحتين، وخلف الناقة بغل محلى أيضا عليه مصحف آخر، يقال إنه بخط المهدي ابن تومرت، دون المصحف عثمان في الجرم، محلى بفضة مموهة بالذهب، وهذا كله بين يدي الخليفة منهم
المدرسة العسكرية الإسماعيلية
 لعل مرحلة الجمع والاحتشاد كانت في برنامج المولى إسماعيل فقط مرحلة انتقالية، يفرغ بعدها إلى تأسيس جيشه على ركائز علمي، وتداريب ميدانية، تكفل له تخريج أبطال أقوياء ينهضون بحماية الأمن، وحراسة الثغور.
 فأسس مدرسة عسكرية أقامها على منهج غاية في الدقة والضبط يتخرج فيها الجندي، وقد استكمل كل مقومات الجندية ومؤهلات الفروسية، وأتقن الكثير من الحرف والمهن والصناعات الني لابد منها.
 وكانت شروط القبول في هذه المدرسة الخاصة بأبناء العبيد هي:
 1) أن يكون التلميذ في العاشرة فما فوق.
 2) ألا يكون به عائق جسدي مؤثر.
 يقضي  التلميذ بين أحضان هذه المدرسة ست سنوات كاملة، يتخرج بعدها قدوة عسكرية فاعلة، وقيمة اجتماعية لافتة.
 ففي سنة 1100 فتحت هذه المدرسة أبوابها في وجه روادها، وأصدر أمره إلى العبيد بتوجيه أبنائهم وبناتهم البالغين من العمر عشر سنين فما فوق، ذكورا وإناثا. وكان كلما جاء فوج منهم إلى الحضرة الإسماعيلية فرق البنات على عريفات دار المخزن كل طائفة في قصر للتربية والتأديب.
 أما الأولاد فإنهم كانوا يوزعون على البنائين والنجارين، وسائر أهل الحرف والعمل والخدمة.
 يبدأون عملهم بسياسة الحمير وسوقها والتدرب على ركوبها، ويقضون في هذه المرحلة، ويقضون في هذه المرحلة سنة كاملة، إذا أنهوها بنجاح تأهلوا بعدها إلى مرحلة أعلى منها، وهي التدرب على البغال المحملة بالآجر والزليج والقرمود والخشب ونحو ذلك، ويلازمون هذا العمل سنة أخرى، يتأهلون في نهايتها للدخول إلى المركز للخدمة والمساهمة في الإبداع، وإنجاز الأشغال ذات الأهمية، وصنع المواد الأساسية لمدة سنة كاملة، ينهون بها المرحلة التمهيدية، أو التعليم الإبتدائي، ويصبحون أهلا للتعليم العسكري، فيلتحقون بأول مراتب الجندية، ويلبسون الزي العسكري، ويدفع إليهم السلاح ليبدأوا التداريب العسكرية، ويتعلموا فنون الجندية وطرقها وآدابها لمدة سنة.
 ثم ينتقلون في السنة السنة الثانية من الجندية إلى دراسة الفروسية التطبيقية، فتدفع لهم الخيل يركبونها عارية بلا سروج، ويجرونها في الميدان للتمرس بها والتدرب على ركوبها، حتى إذا أحكموا السيطرة عليها، ويملكون رؤوسها وأزمتها. فإذا مضت عليهم سنة في هذه التداريب، دفعت إليهم السروج، فيركبونها بها، ويتعلمون فن الكر والفر، والثقتفة في المطاعنة والرمي على صهواتها. 
فإذا أكملوا سنة صاروا في عداد الجند المؤهل، فيخرج إليهم السلطان البنات اللائي قمن معهم، ويزوج كل واحد من الأبناء واحدة من البنات، ويعطي الرجل عشرة مثاقيل رسم شوارها، ويولي عليهم أحد الكبار من آبائهم، ويعطي القائد ما يبني به داره، وما يبني به أخصاص أصحابه، ثم يوجههم إلى الثكنات بعد أن يسجلوا في ديوان الجند.
وهكذا في كل سنة يدخل فوج ويتخرج فوج. واستمرت هذه المدرسة الإسماعيلية نحو أربعين سنة تؤدي رسالتها في التربية العسكرية، وتزود البلاد بحاجاتها إلى حماة الوطن، والساهرين على سلامته من كل عدوان.
 وبلغ عدد أفراد الجيش الإسماعيلي المنظم المرابط في الثغور والقلاع نحو مائة وخمسين جندي وضابط. كما بلغت القلاع التي بناها المولى إسماعيل نحو ست وسبعين قلعة، موزعة في سائر أرجاء المغرب، تحقق بها الاستقرار، واستتب الأمن، وانتهى التسيب.

                                                  ***
خطوة أخرى خطاها المولى إسماعيل في سبيل تحقيق الأمن ومكافحة الشغب الداخلي، وهي مصادرة حق الأفراد في امتلاك آلة السلاح، والخيل، تحت أي ذريعة من الذرائع، إذ سقط للناس كل عذر في امتلاك آلة القوة، بعد أن قام جيش الدولة بحراسة الأمن، والذود عن الأمة، وحماة البيضة.
 وهكذا جردت كل القبائل من السلاح، ومنع عليها امتلاك الخيول، وسلم ذلك للدولة التي أصبح لها وحدها حق احتكار السلاح للمصلحة العامة، فكانت الخيل والسلاح عند الجيش النظامي، وبعض القبائل المستثناة مثل الودايا، وآيت يمور، وأهل الريف المجاهدين بسبتة للمرابطة وحراسة الثغور.
 وكان إذا نتج للفلاح فرس ذكر رباه، حتى إذا بلغ أن يركب دفعه إلى العامل، ودفع معه عشرة مثاقيل ثمنا لسرجه، أما إذا كان النتاج أنثى فإنه كان يترك لصاحبه، ويدفع للعامل مثقالا واحدا فقط.
 بمثل هذا التنظيم المحكم، وتلك الاحتياطات الأمنية الدقيقة، ثم للمولى إسماعيل ضبط الأمن في المغرب، واستقامت أمور الدولة، وسكنت الرعية، وهدأت البلاد، فكانت المرأة تخرج من وجدة مثلا، وتجول أرض المغرب شمالا وجنوبا، شرقا وغربا، فلا يوجد من يعترض سبيلها، ولا من يسألها من أين أقبلت، ولا إلى أين تقصدين.
ولم يبق بأرض المغرب سارق ولا قاطع طريق، ومن ظهر عليه شيء من ذلك وفر في القبائل لفظته البلاد، وتنكرت له الوجوه، وضاقت عليه الأرض بما ربت، فيقبض عليه بكل مكان، وفي كل قبيلة مر عليها، أو قرية ظهر بها، فلا نسعى أرض حتى يأتى به أينما كان، وكلما بات مجهول حال بقرية ثقف بها إلى أن يعرف حاله، ومن ترك ولم يحتط في أمره، أخذ بما اجترحه، وأدى ما سرقه، أو اقترفه من قتل أو غيره.
 وبعد، فإن المولى إسماعيل قد استطاع بعمله الراشد أن يحقق مضمون ما قاله بعض الحكماء في سياسة الدول:
« الملك بناء، والجند أساسه، وإذا ضعف الأساس سقط البناء، فلا سلطان إلا بجند، ولا جند إلا بمال، ولا مال إلا بجباية، ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بالعدل، فالعدل أساس الجميع».
وقد صنع أرسطو شكلا للملك الإسكندر، وكتب عليه:
«العالم بستان سياجه الدولة، الدولة سلطان تعضه السنة، والسنة سياسة يسوسها الملك. الملك راع يعضده الجيش، الجيش أعوان يكفلهم المال، المال رزق يجمعه الرعية، والرعية عبيد يقودهم العدل، العدل مألوف وبه صلاح العالم، العالم بستان...إلخ».  

                                                      ***
وبفضل هذه السياسة الأمنية تفرغت الدولة للإنجازات العمرانية والحضارية، ونال المغرب احترام العالم من حوله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here